في مطبخ نصر أبوزيد… النص.السلطة.الحقيقة (١)

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 في مطبخ نصر أبوزيد... النص.السلطة.الحقيقة (١)

معظم الكتاب دراسات نُشرت بين عامي ١٩٩٠ و١٩٩٥، بينما نُشر الكتاب نفسه في ١٩٩٥.

يهدف الكتاب إلى قراءة التراث الفكري الديني في الثقافة العربية الإسلامية قراءة تحليلية. هذا التراث مرجعيته هي النص الديني، ويقدم قراءات له، لهذا تُعد إشكاليات قراءة النص الديني وتأويله إشكاليات تأسيسية لإشكاليات القراءة التي يطرحها التراث، بالإضافة إلى إشكاليات قراءة التراث نفسه. والمنهج الذي يستخدمه نصر أبوزيد في هذه القراءة هو منهج تحليل الخطاب، حيث قراءة التراث وقراءة النص الديني تظهر في شكل خطابات تستدعي التحليل للكشف عن دلالاتها الصريحة والمُضمرة داخله، سواء على مستوى المنطوق أو المفهوم أو البنية التي تتضمن سياق هذا الخطاب. وهو منهج يعتمد على السيميولوچيا -علم دراسة العلامات ودلالاتها- والهرمنيوطيقا -علم تأويل النصوص- انطلاقًا من قراءة معاصرة لإنجازات التراث في علوم اللغة والبلاغة. يستخدم منهج نصر أبوزيد هنا ميزانًا دقيقًا فمن جانب هو يقرأ التراث من خارجه مستعينًا بالعلوم الحديثة كي تكون قراءة نقدية، وفي الوقت نفسه يؤسس قراءته تأسيسًا ثقافيًا عربيًا. يشير أبوزيد إلى قاعدتين هامتين في منهج تحليل الخطاب:

  • أن الخطابات المُنتَجة في سياق ثقافي حضاري ليست خطابات مستقلة عن بعضها فلا يجوز إقصاء أيًا منها.
  • أن كل الخطابات تتساوى في كونها خطابات، فلا يجوز أن يزعم خطاب منها امتلاك الحقيقة، حتى إذا انتشر وهيمن في سياق سياسي اجتماعي تاريخي معين، ليقوم بتهميش كل الخطابات الأخرى من خلال عوامل القهر السياسي والإذعان الاجتماعي، ويتحول هذا الخطاب ليكون قلب الدين نفسه. فالخطاب الإلهي قابل للتحليل لأنه تجسد في لغة إنسانية بكل إشكاليات سياقها الاجتماعي والثقافي والتاريخي.

يضع نصر أبوزيد خطابه هنا في سياق خطاب النهضة العربي. فيبدأ من خطاب محمد عبده الذي لم تمنعه بنية خطابه “التلفيقية” من تحقيق بعض الإنجازات الجزئية، ثم يمتد مع خطابات قاسم أمين والطاهر الحداد وعلى عبدالرازق ومحمد أحمد خلف الله تحت إشراف الشيخ أمين الخولي. وتمتد القراءة هنا لتشمل الخطاب التراثي بوصفه خطابات تاريخية يحددها السياق ويحكمها التاريخ والواقع. وهو ما ظهر في الانشغال بأسئلة التراث والهوية بعد هزيمة ١٩٦٧، لكن ما نتج عنها كانت قراءات ذات صبغة أيديولوجية بدرجات متفاوتة. قراءات تحولت من النص الاشتراكي التقدمي، إلى النص الانفتاحي المتجه نحو الغرب؛ بهدف إكسابه مشروعية عليا بالتماهي مع السياق التاريخي والاجتماعي.

يحاول نصر حامد أبوزيد تحليل علاقتنا بالتراث وارتباطه الوثيق بالدين. لغويًا فإن المادة اللغوية التي تحيل إلى التراث في التداول القرآني هي “سنن”، خاصةً في المشتق “السُنة”، بينما تحيل “ورث” إلى ميراث الشخص الميت. التراث هو سُنة الذين خلوا من قبل من تقاليد وأعراف ومعتقدات، والقرآن يناهض التمسك بتلك السنن باعتباره نص يستوعب النصوص السابقة. وإذا كان القرآن قد أمر المسلمين بطاعة الرسول، فقد فهم الصحابة أن الطاعة مرتبطة فقط بما يبلغه الرسول عن الله من الوحي. أما شئون الدنيا فهم أدرى بها كما قال الرسول، وهو مبدأ يهدره الخطاب الديني تمامًا. هذه التفرقة بين سُنة الوحي وسُنة العادات كانت محور الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث، حيث أصر الفريق الأول على التمييز بينهما، بينما أصر الفريق الثاني على التوحيد بينهما. وهو الخلاف الذي انتهى بهيمنة الفريق الثاني بفضل جهود الإمام الشافعي، فاتسعت السُنة لتشمل كل شئ.

المعركة كانت أشمل من الخلافات الفقهية أو الكلامية، بل كانت صراع على صياغة قوانين الذاكرة الجمعية للأمة، وعلى آليات إنتاج المعرفة. معركة انتهت إلى عدم ترك مساحة لفاعلية العقل، فقد هيمنت النصوص التي صيغت في لحظة التدوين، على يد الشافعي في الفقه الذي ناهض مبدأ الاستحسان الذي أقره أبوحنيفة، وعلى يد أبوالحسن الأشعري الذي ناهض عقلانية المعتزلة وأسس لسلطة النقل. تأسست سلطة النصوص في مواجهة سلطة العقل رغم أن التيارات العقلانية لم ترد إهدار سلطة النصوص. وأكمل أبو حامد الغزالي ما بدأه الشافعي والأشعري، وقضى على أخر خطوط الدفاع التي رفعتها تيارات العقلانية وهي الفلسفة. وجعل المعرفة تأتي من خارج هذا العالم وهبًا للصفوة المختارة من الله.

يقوم نصر أبوزيد بتحليل عاملين ساعدا على تثبيت آلية توليد النصوص، الأول هو ركود الواقع العربي، والثاني هو العلاقة المعقدة مع الأخر. بالنسبة للعامل الاول فنحن لم ننجح في التخلي عن مفهوم الدولة/القبيلة منذ وفاة الرسول، فتداول السلطة لم يتم في أي لحظة من لحظات التاريخ العربي والإسلامي وفقًا لآليات الاختيار السلمي. ظلت آليات تداول السلطة تعتمد على الغلبة العسكرية، أو ما أصبح يُعرف باسم “الشوكة” في الفقة السياسي. وتحولت إلى مبدأ فقهي ثابت مدعوم بمبدأ فقهي آخر هو أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح“، وهو مبدأ يعزز الركود الاجتماعي بأي ثمن. وحتى مبدأ الشورى الذي يُعاد تأويله دائمًا -ليكون بديلًا عن الديموقراطية- لا يتنافى مع مبدأ الدولة/القبيلة فهو يقدم استشارات من أهل ثقة يختارهم من بيده السلطة ليكون القرار له في النهاية. أما بالنسبة للعامل الثاني، فقد تعامل الاستشراق مع ثقافتنا من منظور واحد وهو الإسلام. فنابليون عرض نفسه على المصريين بوصفه مسلمًا، وحين حلم المصريون بالخلاص من الاحتلال الانجليزي على يد النازية، شاعت بينهم شائعة تروِّج إسلام هتلر. ووصل الأمر إلى لاعبي الكرة وشائعات متواصلة عن إسلام لاعب هنا وهناك. تحول الإسلام من دين إلى هوية في مواجهة الآخر المسيحي، وتم استدعاء الحروب الصليبية بشكل متواصل، وتم اعتبار الاستعمار الغربي استكمالًا لها. بحث الطهطاوي عن الإسلام في باريس، ووجد محمد عبده في الغرب إسلامًا بلا مسلمين. تقبَّل العقل العربي رؤية الغرب له باعتبار الإسلام هويته، لكنه رفض الجزء الثاني من تلك الرؤية الذي يعتبر الإسلام سبب تخلفه، وطرح رؤية مناقضة تربط التخلف بالابتعاد عن قيم الإسلام الأصيلة، التي صنعت تقدم الغرب. تم الفصل بين الإسلام والمسلمين، وبين تقدم الغرب وتحرير الإنسان وعقله، ليصر محمد عبده على أن الدين هو التفسير الوحيد للتقدم. أما خطاب النهضة فقد مارس التجديد على أساس نفعي لمحاولة تقبل المدنية الأوروبية، مُقدمًا تأويلات لا تمس هيكل بناء التراث ذاته. وفي مواجهته قدّم الخطاب السلفي تأويلات لرفض المدنية الأوروبية. لهذا يعتبر أبوزيد أن النفعية كانت المنهج الذي انطلق منه كلا الخطابان رغم اتجاههما المعاكس. وهو ما أنتج وعيًا زائفًا بالتراث والحضارة الأوروبية معًا. وأصبح العربي تابعًا للماضي على مستوى الوعي، وتابعًا للغرب على مستوى الحياة المادي باستيراده للتكنولوجيا.

كان أساس مشروع النهضة التوفيق بين طرفي معادلة هما: التراث العربي الإسلامي الذي تم توحيده بجوهر الإسلام، والتراث الغربي الأوروبي الذي تم تركيزه في التقدم العلمي والتكنولوچي. ويمكن تفسير هذه الصياغة باللقاء التصادمي بين الدولة الإسلامية العثمانية والقوة الغربية الساعية للسيطرة على تركة الرجل الأبيض. ومع الإحساس العام بالهزيمة، ظلت أوروبا تمثل الخصم المتفوق بفضل تقدمه العلمي والعسكري. وفي ظل هذه الحالة كان هناك تصالحًا مع استيراد ما ينتجه العقل الأوروبي رغم بعض التعارض مع أشياء لا يقبلها الإسلام. ومع تحوُّل الخصم إلى محتل للأرض، اتسعت مساحة التعارض لتنشأ الحاجة إلى التوفيق بين منتجات الغرب العلمية من جهة، والاجتماعية والسياسية من جهة أخرى، وذلك بالتفتيش داخل التراث الإسلامي عن مساحة للتوفيق. وكان الهدف هو المقاومة مع الحفاظ على الهوية خشية ضياعها، وهو ما ظهر في إنتاج جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده. كانت محاولة محمد عبده هي التوفيق بين التراث الإسلامي والعقل الغربي الرافض للأساطير على أساس المنفعة، فاختار موقف المعتزلة من خلق الأفعال لكنه تمسك بموقف الأشعرية من الصفات. وتردد في الكلام الإلهي بين القول بأنه مخلوق أولًا ثم التراجع عن ذلك والقول بقِدمه. وقام بتأويل الأسطوري في القرآن ليكون أكثر قبولًا للعقل. مع تحول طرفي المعادلة لتتجاوز الإنجازات المادية والعلمية إلى المجالات الفكرية والعقلية.

كانت أزمة العقل العربي هو التناقض بين منجزات الغرب الفكرية والسياسية، وبين الغرب الاستعماري الذي احتل أرضه، فوقف عاجزًا عن الفصل بينهما. هذه الازدواجية تزداد تعقيدًا بالنظر للتراث الإسلامي وجانبه العقلاني المؤهل للاشتباك مع التراث الغربي. هذا الجانب ممثلًا في التراث المعتزلي والرشدي على مستوى اللاهوت والفلسفة، وتراث ابن الهيثم والرازي على مستوى العلم التجريبي كان يعاني من التهميش لحساب تراث مهيمن امتزجت فيه الحنبلية والاشعرية والصوفية. فظهر التردد في الاختيار بين عناصر التراث لانعدام الوعي بتاريخيته، وتوجسًا من تعدديته. ظهر هذا التردد في تعامل طه حسين مع الشعر الجاهلي واعتباره القرآن مرجعًا تاريخيًا بينما أنكر المرجعية نفسها لقصص الأنبياء. وهو ما تراجع عنه في الطبعة الثانية للكتاب التي صدرت بعنوان “في الأدب الجاهلي”.

السبب هو انطلاق خطاب النهضة من النفعية. كان القول بخلق القرآن سيؤدي إلى تعطيل فاعلية الصفات الإلهية عن التدخل الدائم في العالم، وهذا التعطيل ارتبط في ذهن محمد عبده بالإلحاد القادم من أوروبا، فاقتضت المنفعة الانحياز إلى التوحيد الأشعري على حساب التوحيد المعتزلي، ليجمع محمد عبده بين متناقضين: حرية الإرادة الإنسانية والتدخل الدائم لله في تشكيل العالم بما فيه الإنسان. السبب هو الموقف المزدوج من الغرب بين التعلم منه ومناهضته في نفس الوقت، ما أدى للتردد في كل خطوات مشروع النهضة نتيجة عدم الوعي التاريخي بطرفي المعادلة: التراث والغرب.

يشير نصر أبوزيد إلى مشكلة الخطاب التنويري التي تتجلى في انسحابه السريع إلى حد الاعتراف بالهزيمة، وسط حصار من نقيضه السلفي الذي يرى في كل ما يأتي من أوروبا خطرًا على الهوية، ماعدا منتجاتها التكنولوچية المستخدمة في الحياة اليومية. يرتبط ذلك بظاهرة أخرى هي ازدواجية المثقف التي تظهر بين فكره وسلوكه، فكان موقف الخطاب التنويري هو تبرير أو تحسين كل ما يرتبط بالتراث الديني، نتيجة وقوعه بين مطرقة الخطاب السلفي وسندان نظيره الأوروبي. انطلق محمد عبده في تفسيره لاختلاف الفارق الأخلاقي بيننا وبين الغرب من اختلاف العقيدة. وفي حين أمكن إعادة تأويل الشريعة لتستوعب القادم من أوروبا خاصةً في مجالات التكنولوچيا والمجتمع المدني، ظلت العقيدة بمنأى عن إعادة التأويل. والسؤال الذي يطرحه نصر أبوزيد هو: هل الفصل بين العقيدة والشريعة فصل مشروع؟ وهل العقائد موضوع يأبى على النقد والتأويل؟

المسئولية هنا مشتركة بين الخطاب السلفي والخطاب الأوروبي. فالاستشراق رد أسباب الركود والتأخر إلى العقيدة، ما وضع المفكر التنويري في حالة الدفاع عنها. وتحولت مهمته من نقد التراث الديني وتحليله إلى الدفاع عنه. وأنتج ذلك إجابة عن سبب التقدم الأوروبي تقضي بفصل منجزاته العلمية عن منتجاته الفكرية الناقدة للتراث والعقائد، وتوحي بإمكانية إضافة هذا العلم إلى جانب تراثنا الفكري والديني بعد ثبوت عدم التعارض بينهما. أما إذا ظهر التعارض بينهما فإن التلفيق يكون هو الحل، وهو تلفيق يجنح إلى جانب التراث. أحد أهم أسباب الطبيعية التلفيقية لمشروع النهضة هو حرص الحاكم على التطابق بين السياسي والفكري، لينتهي تحويل المشروع السياسي إلى مشروع فكري بجنوح الفكر عن مهمته الأساسية في التحليل والتفسير.

والإجابة بلا شك أن السياسي هو الأصل. وهو ما يقود إلى سؤال عن سبب التعارض بين السياسي والفكري الذي يؤدي إلى التضحية بالمفكر بل والفكر نفسه. التفسير هو التعارض بين طبيعة الفكر القائم على الاستقلالية وطبيعة السياسة القائمة على الهيمنة وإن قامت على الفكر. ونتيجة ميلاد معادلة النهضة الفكرية من رحم المشروع السياسي، ظل المفكر تابعًا للسياسة، وظلت معادلة النهضة في إطار التلفيق النفعي البرجماتي، أي في إطار الممارسة السياسية. الحل هو أن يدرك المفكر والمثقف أن الحفاظ على استقلاليته هو ضمانة إنتاج فكر له قيمة حقيقية، ورغم أن ممارسة الفكر في جوهرها ممارسة للسياسة، لكن كلًا منهما له آلياته وغاياته.

تحول الإسلام إلى أرض معركة تدور على أرض تأويل دينية لتنطق بموقف أو بأخر وسط صراع اجتماعي سياسي، بدأ الإسلام مشروعًا ضد الطائفية والقبلية، لكن التاريخ ملئ بالعثرات نتيجة ابتعاد هذا المشروع عن جوهره بدايةً من استئثار قريش بالسلطة في السقيفة، ومرورًا بكل مراحل الصراع على السلطة التي تم فيها تأويل النصوص للاستخدام السياسي، فكان الفكر تابعًا للسياسة. أبرز الصراعات الفكرية التي تولدت من الصراعات السياسية كانت الصراع في أصول الدين (العقيدة) بين الجبر والقدر وقِدم الكلام الإلهي وحدوثه، وفي أصول الفقه كان الصراع بين أهل الرأي وأهل الحديث بين مدى ارتباط السُنة كنص ثانوي بالقرآن كنص أصلي، ومعيار مرجعية النص الثانوي بان يكون متواترًا مشهورًا أم حديث آحاد.

قدّم الشافعي حلًا وسطيًا -رغم انحيازه لأهل الحديث- وجعل النص الثانوي مساويًا للنص الأصلي في قوة التشريع، كما وضع ضوابط لقبول أحاديث الآحاد ليس من ضمنها المتن. ما أدى إلى تكريس النصِّية. أما الأشعرية فقدمت حلها الوسطي لقضية الكلام الإلهي، واعتبرته قديم ومخلوق في آن واحد، وهو ينحاز لأزليته حيث حدوثه أصوات تحاكي الكلام القديم في علم الله. ليأتي الغزالي ويقوم بالتلفيق بين الحنبلية والأشعرية والتصوف والشافعية ويجمعها في منظومة فكرية واحدة .ويعتبر نصر أبوزيد أن مشروع الغزالي الذي تضمن نتاج الثقافة الإسلامية مهّد الطريق أمام مشروع ابن عربي الذي تضمن كل نتاج الثقافات الدينية. فقد اعتمد مثله على التلفيق، كما اصطدم مثله بالفلسفة العقلية.

وكما كان ابن رشد قاضي قرطبة، كان الغزالي مشرفًا على المدرسة النظامية، أكبر مؤسسة تعليمية في عصره. كما اعتبر أبوزيد هنا أن كتابات ابن عربي تكشف عن “تبريري من الطراز الأول” لأنه ينصح الرعية بترك حساب ولاتهم على مظالمهم إلى الله -عكس تصويره له في كتابه “هكذا تكلم ابن عربي” كشخص يرفض الظلم ويمارس دوره كناصح للحكام في رسالته إلى كيكاوس فيصف ابن عربي بأنه “من العارفين الذين يعتبرون قضاء حاجات الناس عند الأمراء مسئوليتهم”- وكل ذلك هدفه التأكيد على عمق العلاقة بين السياسي والفكري في ذاكرتنا بما يفضي إلى التلفيق والتبرير، وأن مع كل التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي حدثت للمجتمعات العربية، لم تحدث قطيعة مع الذهنية التلفيقية التبريرية التي لا تزال سائدة حتى الآن.

يذكر نصر أبوزيد سببًا أخيرًا لإخفاق مشروع النهضة ومعادلته وهو نخبويته واستبعاده للجماهير من المشاركة في صياغته، لذلك حينما احتاجها للدفاع عنه لم يجدها، رغم أنه صاحب المصلحة الأصيل. أدى ذلك إلى سيادة حالة من الانتظار لتنفيذ مشروعات الخطاب التنويري، ظهر ذلك مع مشروع التعليم عند رفاعة الطهطاوي وطه حسين، ومع انتظار محمد عبده للمستبد العادل الذي ينفذ مخطط تعليمي يهدف لتحديث المجتمع. أثبتت التجربة لنصر حامد أبوزيد أن التعليم وحده ليس كافيًا طالما ظل مشروطًا برضا سلطة سياسية تؤسس لحكمها على القوة أو القبلية أو الطائفية؛ لأن تبدل هذا الرضا يؤدي لانقلاب سريع على أي إنجاز تنويري. لذا من الواجب كسر احتكار السلطة وتنفيذ الديمقراطية بمعناها الشامل، وإقرار التعددية على مستوى الفكر والمجتمع والسياسة. لكن ماذا عن من يستخدمومون سلم الديمقراطية للقضاء عليها؟ ما حدث في مصر -وقتها- حدث في الجزائر. تم القضاء على الديمقراطية خشية القضاء على الديمقراطية. فتحول المحتمل إلى واقع، وتم إقصاء الجماهير خوفًا من الإسلاميين، في إعادة إنتاج لمبدأ فقهي هو “درء المفاسد مُقدم على جلب المصالح” ما يعكس التواطؤ بين السياسي والمثقف على عزل الجماهير بدلًا من أن تدفع الثمن اللازم لاستكمال وعيها التاريخي والاجتماعي.

ما يريده أبوزيد هو قطع الحبل السري بين المثقف والسياسي، واستقلال أدوات إنتاج الوعي من تعليم وأحزاب وصحافة، وعدم فرض المثقف لوصايته على الجماهير والاعتراف بحقها في الاختيار، مع العمل لنقل الفكر من مساحة الكهنوت وجدران المعابد إلى الساحات والتجمعات.

1000042232-208x300 في مطبخ نصر أبوزيد... النص.السلطة.الحقيقة (١)

أحد مبادئ أصول الفقه أن “الحكم على شئ فرع عن تصوره”، لذا كثير من العداء للأفكار ينتج من ترسخ مفهوم خاطئ عنها، ومع الزمن يكتسب المفهوم الخاطئ مشروعية مقدسة، فلا يجوز الاقتراب منه. يناقش أبوزيد عدة أفكار صارت بسبب قِدمها وترسخها جزءًا من العقيدة:

  • القرآن كنص أزلي وصِفة من صفات الذات الإلهية: بناء على هذا التصور ينفصل كلام الله عن العالم في تصور أسطوري لحروف وكلمات أزلية مكتوبة في اللوح المحفوظ الذي هو محدَث، بهدف إلغاء وجود وفاعلية المخاطَب بهذا الكلام.
  • العلاقة بين الفعل الإلهي والقدرة الإلهية: حيث القدرة الإلهية مطلقة في تصور المعتزلة؛ لأنها من صفات الذات. وتمثل الإمكانيات غير المتناهية للأفعال، بينما الفعل هو التحقق العيني للقدرة. ومن هذه العلاقة يمكن إدراك مفهوم “التاريخية” بأنها الحدوث في الزمن الذي بدأ بخلق العالم، وبالتالي كل فعل بعد ذلك هو تاريخي بهذا المعنى.

وكما أن الفعل هو مظهر القدرة، يكون الكلام مظهر العلم. العلم مثل القدرة صفات أزلية لا نهائية، بينما الكلام فعل لا يطابق العلم تمامًا. إلا أن الالتباس بين العلم والكلام أدى إلى اعتبار الكلام صفة أزلية.

ينطلق الهجوم على مفهوم التاريخية خوفًا من هدم عموم الدلالة، واعتبار القرآن كلام الله من الحفريات أو الفولكلور، وهو هجوم ينطلق من تصور جاهل لطبيعة اللغة يعتبرها لا تنفصل عن العالم الذي تدل عليه، حيث يتطابق اللفظ والمعنى الذي يدل عليه. هذا هو التصور الأسطوري للغة، وفي مقابله يقدم المعتزلة تصورًا يربط بين اللفظ والمعنى بعلاقة مواضعة واصطلاح وليست علاقة ذاتية ضرورية. جاء العالم السويسري ألفريد دي سوسير ليحوِّل اللفظ والمعنى إلى دال ومدلول. “مدلول” يعبر عن مفهوم ذهني تحيل إليه الصورة السمعية التي ترسمها حواسنا عند قراءة أو سماع “الدال”. إن العلامة اللغوية عند دي سوسير وحدة نفسية مزدوجة يترابط فيها المفهوم والصورة السمعية ارتباطًا وثيقًا، وبهذا عندما نقرأ نصًا تم إنتاجه في لحظة تاريخية ما، لا يكون النص مُعبّرًا بشكل مباشر عن تلك اللحظة التاريخية، لأن تلك اللحظة التاريخية يتم إعادة إنتاجها بشكل مختلف مع كل قراءة لهذا النص.

اللغة والثقافة والمنتج الثقافي

إذا كانت العلامات اللغوية تحيل إلى مفاهيم وتصورات مستقرة في وعي الجماعة، فاللغة هي النظام المركزي المعبِّر عن الثقافة التي تتجلى في العادات والتقاليد والفنون والشعائر الدينية. وهنا يشير أبوزيد إلى الالتباس حول مفهوم الثقافة وتقديمها كنتاج للتعليم ويقابله الجهل. فالنبي كان أميًا لكنه لم يكن جاهلًا، بل كان من صفوة مثقفي عصره. الثقافة هي وعي الكائن بوجود يتجاوز وجوده الطبيعي. وبما أن هذا الوعي متفاوت، فيمكن الحديث عن تعددية ثقافية في بنية ثقافة المجتمع الواحد. وبما أن اللغة تعبر عن الثقافة، فإن مستوياتها تتعدد بتعدد مستويات الثقافة التي تعبر عنها. وبما أن العالم له وجود مستقل عن الوعي، وله قوانينه التي تختلف عن القوانين التي تشكل مفاهيم وتصورات الوعي، فليس من المنطقي اعتبار اللغة مرآة تعكس المفاهيم والتصورات عكسًا آليًا.

إننا أمام ثلاث حقائق مستقلة ومتداخلة في نفس الوقت، هي العالم والثقافة واللغة. تستمد النصوص مرجعيتها من اللغة وقوانينها، وبالتالي من الثقافة التي تنتمي إليها حيث اللغة تمثل الدال في الثقافة، لكن اللغة لها أدوات خاصة لإنتاج الدلالة عبر تفاعل مستوياتها الصوتية والنحوية والصرفية من خلال التركيب والاستبدال. ومن خلال هذه الأدوات يستطيع النص التأثير في الثقافة. وهذا هو جوهر التفرقة بين اللغة والكلام، حيث اللغة تسعى للثبات بينما الكلام يجدد اللغة من خلال النصوص التي تنطق كلامًا من خلال اللغة.

النص ومشكلات السياق

لا يمكن إنتاج وعي بالنصوص الدينية بمعزل عن الثقافة التي تشكلت فيها، لأنها نصوص لغوية مرتبطة بالمكان والزمان التاريخي الاجتماعي، ومصدرها الإلهي لا يلغي هذه الحقيقة. حاول السلف البحث في حقيقة الكلام الإلهي، فانقسموا فيه بالقول أنه مخلوق أو قديم، لكن عبدالقاهر الجرجاني أثناء بحثه عن الإعجاز في القرآن توصل إلى أن دراسة الشعر أو النصوص الأدبية عامةً لاكتشاف قوانين تشكيلها وكيفية إنتاجها للدلالة مدخل ضروري لدراسة النصوص الدينية. اعتبر الجرجاني -رغم أشعريته- أن القرآن مثل كل كلام يتم إنتاجه وفقًا للقوانين العامة المنتجة للكلام. ويرى عبدالقاهر أن العلم بتلك القوانين يعصم الباحث من إنتاج الأيديولوچيا، ويؤهله لإنتاج خطاب علمي عن النصوص الدينية. توقف الجرجاني في اكتشاف قوانين إنتاج النصوص عند قوانين النظم عند مستوى الجملة، لكن نصر أبوزيد يعتبر من الواجب تجاوز ذلك المستوى إلى مستوى النص لأهمية ذلك في التعامل مع همومنا الراهنة.

عند التعامل مع إشكاليات السياق في إنتاج النصوص، لابد من إدراك المستويات العامة للسياق مثل السياق الثقافي الاجتماعي والسياق الخارجي (التخاطب) والسياق الداخلي (علاقات الأجزاء) والسياق اللغوي (تركيب الجمل والعلاقات بينها) وسياق القراءة أو التأويل. وذلك لا يلغي خصوصية كل نص من حيث نوعه كنص أدبي من شعر أو قصة أو غيرهما، وفي حالة النص الديني تنبع خصوصيته من المرسل/قائل النص، لكنها لا تلغي تموضع الكلام الإلهي بشريًا منذ نطق به محمد بالعربية. لا يمكن فهم القرآن خارج إطار السياق الثقافي المعرفي للوعي العربي في القرن السابع. هذا السياق الثقافي يتجلى في اللغة وقوانينها بحيث تكون الدراسة اللغوية وحدها غير كافية. كما أن المهم هنا هو المعرفي وليس الأيديولوچي من حيث أنه يمثل مستوى الاتفاق العام في الثقافة المعنية الذي يصلح لجعل الاتصال اللغوي ممكنًا. للنصوص لغتها الخاصة داخل إطار اللغة العام، ومن خلال هذه اللغة الخاصة يطرح القرآن العقيدة الجديدة في محاولة لإعادة تشكيل وعي المتلقي، لكنها لا يمكن أن تكون عقيدة جديدة تمامًا بل لها بذور في الثقافة.

أما النصوص الأخرى السابقة على القرآن فقد انخرط معها في سجالات بين الرفض ومحاولة الاستيعاب وإعادة التوظيف والتأويل. يحدد سياق التخاطب كما يتجلى في النص بشكل حاسم نوعية النص ومرجعية التأويل. وفي القرآن كان سياق التخاطب أعلى/أدنى ما يجعله تعليمي بشكل كبير يجعل المتلقي محور تركيزه، وإن لم يمنع ذلك وجود المتكلم بشكل يطغى على المخاطب في بعض الأجزاء.إلى جانب سياق التخاطب يتضمن السياق الخارجي للنص القرآني بُعدًا أخر هو سياق التنزيل، فالقرآن نزل مجزأً أي تكوّن على مدار مدة زمنية تزيد على عشرين عامًا، تغيّر فيها المخاطَبون بتغيير أحوالهم أو بمخاطبة قطاعات جديدة بمرور الزمن. ولا يقتصر السياق الخارجي على علوم القرآن التقليدية مثل المكي والمدني وأسباب النزول، بل يمتد إلى مستويات لا تستطيع هذه العلوم التعامل معها كتغير المخاطَب، على سبيل المثال كان المخَاطب الأول هو محمد الذي يتغير سياق الخطاب الموجَه إليه بين التهدئة والتثبيت، واللوم والتقريع. ثم هناك أزواج النبي بين المدح واللوم، ثم سياق الحديث الموجَه للنساء وحدهن، رغم أن الخطاب يخاطب الجنسين معًا. أما السياق الداخلي فهو يجعلنا نقترب من خصوصية النص القرآني من حيث كونه ليس نصًا موحدًا متجانس الأجزاء. وهو ما يحاول علماء القرآن نفيه بمحاولة إثبات التجانس عبر البحث عن العلاقات والروابط. وهناك ترتيب التلاوة، والذي يختلف عن ترتيب النزول، ما يستدعي البحث عن دلالة هذا الترتيب سواء كان توقيفًا من الله أو اجتهادًا من المسلمين. ويرجع هذا التجانس إلى المدى الزمني الذي استغرقه تشكل النص، وهو ما أشار إليه عز الدين بن عبدالسلام فيما أورده الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن. في السياق الداخلي أيضًا يظهر اختلاف سياق الخطاب بين أمر ونهي وترغيب وترهيب ووعد ووعيد والوصف والتشريع وغيرها من السياقات التي تتجلى في بنية لغوية خاصة داخل إطار النظام اللغوي للنص. طبقًا لتعدد مستويات السياق الداخلي تتعدد مستويات السياق اللغوي بما يتجاوز النظم عند عبدالقاهر الجرجاني إلى التجاوز في دلالة الصيّغ والأساليب، بل واكتشاف دلالة المسكوت عنه في بنية الخطاب.

يضرب نصر أبوزيد مثالًا لدلالة المسكوت عنه بسياق سورة الجن الذي يبدو في حديثه عن الجن وكأنها ظاهرة لا تحتاج إثبات، لكن وجودها في النص يمثل تجاوبًا مع السياق المعرفي الثقافي، لكنه على مستوى المسكوت عنه يقوم بأنسنتهم بين مؤمن وكافر نتيجة استماعهم للقرآن نفسه ثم يمنعهم من سماع أخبار السماء بالشهب المترصدة لهم، وكأن النص يلغي الجن بمفهومه الموجود في السياق الثقافي المحيط بالنص. السياق اللغوي الذي يشمل دائرة الملفوظ والمضمر في بنية الخطاب يخضع لتحليل يختلف بتعدد مستويات القراءة. سياق القراءة لا يجب أن ينفصل عن السياقات السابقة وإلا تحولت إلى قراءة أيديولوچية نفعية. إنها منظومة السياق الكلية التي لا يؤدي كل سياق وظيفته إلا في داخلها. القارئ حاضر دائمًا في بنية النص القرآني الذي هو نص ديني يغلب عليه التعليم والتوجيه، توجيه من يفقهون ويعقلون ويوقنون ممن يخاطبهم النص ويحرص على استحضارهم بشكل دائم. ويفرض النص على القارئ أن يكون في حالة توتر وانتباه دائمين عند تفاعله معه، وأحد أدواته في ذلك هو اختلاف مستويات دلالته بين المُحكم والمتشابه. لو كان النص كله مُحكمًا لأصبح له تأويل واحد، لكن تعدد التأويلات كامن في بنية النص التي لم تتشكل مصادفةً، بل وكأنها تحفز المتلقي على تفاعل أكبر معه بالقراءة في إطار السياق الكلي.

يظهر سياق القراءة واضحًا في استخدام النص في الخلافات السياسية والذي بدأ برفع الأمويون المصاحف على أسنة السيوف في أول صياغة أيديولوچية لمبدأ الاحتكام إلى النصوص، والتي تطورت حديثًا إلى مبدأ الحاكمية. وهو ما عبّر عنه علي ابن أبي طالب في قوله: “القرآن بين دفتي مصحف، لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال”. كل هذه السياقات يتم تجاهلها والوثب فوقها بداعي أزلية النص لصالح إنتاج الأيديولوچيا، أية أيديولوچيا، والتي غالبًا ما تكون مدفوعة بالسياق السياسي.

قراءات عصرية للنص

يشتبك نصر أبوزيد مع قراءة “محمد شحرور” للنص باعتبارها قراءة عصرية تحاول حل إشكالية الإلهي والإنساني في بنية النص الديني، لكنها أيضًا تنطلق من موقف أيديولوچي مسبق وقناعات ذهنية لصاحبها تجعله يثب فوق كل مستويات السياق الخاصة بالنص. يفرّق شحرور بين النبوة والرسالة -دون ذكر لابن عربي الذي قال بذلك- ليميِّز داخل النص بين الأزلي المعبِّر عن النبوة والتاريخي المعبِّر عن الرسالة. القرآن عنده كتاب داخله عدة كتب تحتوي على كتب أصغر، فمثلًا كتاب العبادات يضم كتب الصلاة والصوم والحج، وكتاب الصلاة يحتوي على كتب الوضوء والركوع والسجود. وينقسم الكتاب إلى “أم الكتاب” الدال على الرسالة و”المتشابهات” الدلة على النبوة، وبينهما آيات هي “تفصيل الكتاب” ليست من المُحكم أو المتشابهات. مستلهمًا التقسيم من آية المُحكم والمتشابه، ومتجاهلًا دلالة السياق وجهد السابقين ليقدم قراءة ذاتية جدًا تقدم حلًا سحريًا لإشكاليات التأويل.

1000042233-300x169 في مطبخ نصر أبوزيد... النص.السلطة.الحقيقة (١)
الكاتب السوري محمد شحرور

الهدف هو الفصل بين الكتاب والقرآن، ليجعل القرآن يدل على المتشابهات فقط أي على جانب النبوة دون الرسالة؛ لنكون أمام عنصرين منفصلين: أحدهما ثابت وهو المضمون الحق للقرآن والأخر نسبي متغير هو فهم الحقائق المتضمنة في القرآن. ويعتبر الكتاب (الأحكام) هدى للمتقين خاصةً، بينما القرآن (قوانين الكون والحياة) هدى للناس كافة، ومن يعلم تأويله من الراسخين في العلم هم الفلاسفة وعلماء الطبيعة والكون والتاريخ دون الفقهاء الذين يختصون بأم الكتاب.

يقوم محمد شحرور بذلك عبر أدوات التلاعب اللغوي بين الإنزال و التنزيل، حيث تم إنزال الكتاب من اللوح المحفوظ دفعة واحدة لتدخل مجال المعرفة الإنسانية، بينما التنزيل حدث على مدار بضع وعشرين سنة عن طريق جبريل. ويظهر التلاعب اللغوي في تأويل آية “ليلة القدر خير من ألف شهر” فهو لا يعتبر ليلة القدر من ليالي رمضان و”ألف” هنا من الضم والأُلفة وشهر من الشهرة والإشهار. أي أن إشهار القرآن خير من كل الإشهارات الأخرى!

وإهدار السياق في هذه القراءة العصرية لا يختلف عن إهداره في القراءة العلمية للنص سوى في أن الهدف هو جذب النص الديني إلى أفق النص العلمي. يمثل التأويل العلمي للقران تحويل لحظتنا التاريخية الراهنة التي تمثل عجز عن إنتاج المعرفة إلى لحظة ثابتة ترسخ تبعية للغرب منتِج تلك المعرفة، لتتحول مهمتنا إلى البحث عن نظائر لها في النص واستنطاقه بما سبق إثباته. يهدر ذلك الربط بين الديني والعلمي -حيث الديني له الأولوية- طبيعة كلا المجالين: العلم والدين، وطبيعة النص الذي هو نص ديني، بهدف إزالة شبهات متوهمة من جانب الخطاب الديني حول مصداقية القرآن. وهي شبهات كان يمكن ألا توجد بالتعامل مع النص كنص له سياق معرفي منتِج لدلالاته وليس نص علمي من الأساس.

الخطاب الثالث الذي يناقش نصر أبوزيد إهداره لسياقات النص هو الخطاب المرتبط بالحاكمية. إن الآية المؤسِسة لمبدأ الحاكمية هي “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون” والتي تم التعامل معها بشكل يهدر سياقاتها خدمةً للأيديولوچيا بفصلها عما سبقها من آيات، وتوسيع مدلول الفعل “يحكم” من الحكم بين المتخاصمين إلى الحكم السياسي المرتبط بالدولة الحديثة، وتجاهل أسباب النزول الذي يرتبط بالطبيعة السجالية للنص وتفاعله مع يهود المدينة. وينفي أبوزيد انطباق قاعدة عموم اللفظ على الفعل “يحكم” في الآيات المؤسِسة للحاكمية؛ لأن تكرار الارتباط بين الفعل “يحكم” والظرف “بين” يؤكد على دلالة الحكم بأنه حكم بين المتخاصمين، ولو كان الحكم المقصود هو الحكم السياسي لجاء الفعل بصيغة “احكمهم”.

يعتبر نصر أبوزيد أن القراءة العصرية والقراءة الحرفية للنص ليسا إلا وجهين لعملة واحدة وهي القراءة الأيديولوچية المهدِرة للسياق. كلاهما يجمع بين المتناقضات لتبرير الأيديولوچيا وتبرير نهج القراءة نفسه عن طريق توسيع الدلالة فيما سبق مناقشته، وتضييق الدلالة في الأمثلة القادمة. على مستوى العقيدة يتمسك الخطاب الديني بالتصور الأسطوري للإله والعرش والصولجان والجنود الملائكة والشياطين والجن وعذاب القبر والسير على الصراط. وعلى مستوى الأحكام يتمسك الخطاب الديني بحرفية الأحكام دون التفات للفارق بين ما قبل النص وما أحدثه فيه من تطوير يدل على اتجاه للحركة يحدد اتجاه حركة الاجتهاد في مجال الأحكام لا أن ينتهي إلى الثبات. أما القراءة العصرية فهي تستبعد العقائد والعبادات من مجال الاجتهاد، وفي مجال الأحكام يعتمد على التحليل الرياضي لينتهي أن للأحكام حدودًا منها الأدنى القابل للزيادة كما في أحكام النكاح والأعلى كما في القتل وما يجمع بين الأدنى والأعلى كأحكام الميراث. كل ذلك دون تأسيس نصي أو معرفي أو لغوي في إخضاع دلالة النصوص إلى منطق التحليل الرياضي. هناك هدف سابق وهو التاكيد على صلاحية النص لكل زمان ومكان دون اعتبار لأي مستوى من مستويات سياقه في قراءة تلوينية مغرضة.

تتصور القراءة العصرية أنها تقدم حلولًا للمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لكن تقديم نلك الحلول استنادًا إلى سلطة النص الديني يُفقدها قيمتها فتصبح قراءة من ضمن قراءات أخرى تنطلق من أرضية مشتركة، وتحقق نفس غايات الخطاب الديني التقليدي وإن اختلفت الوسائل. ما سبق يؤكد أن فهم دلالة النصوص لا يمكن أن يتم بمعزل عنها، وإلا ستصبح معلقة في الهواء تقبل كل ما يتم استنطاقها به.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات