ابتغاء الرشاد .. في الرد على محمود بن عماد
بقلم: عمرو عبد الرحمن

في البداية اعذروني على ابتذال العنوان -لو القارئ شافه مبتذل- لكنها سلطة التراث يا عزيزي، حتى في اختيار العناوين!
تابعت تسجيل ندوة الصديق محمود عماد وأباركله على الأسلوب الممتع والثبات في الإلقاء وأبارك لجمال عمر وفريقه على الموسم الجميل واستأذنت محمود اشتبك معاه طبقًا لفهمي للحبة اللي قريتهم من شغل نصر أبوزيد، وهو فهم قد يكون غلط وكمان انا ماقريتش كل شغله.
محمود بيعتبر نصر مناضل سياسي أكتر منه باحث أكاديمي وأنا أختلف معاه شوية. نصر ممكن يكون بيناضل لكنه مش مناضل وأكيد مش مناضل (سياسي)، هو يناضل لما بتتفرض عليه المعارك. نصر مدرك للعلاقة بين الفكري والسياسي وكمثقف شايف ان قطع الحبل السري بينهم هو أول الطريق لإنتاج فكر يؤدي إلى وعي حقيقي، وان كل ممارسة للفكر هي ممارسة سياسية لكن هو مش مستهدف السياسة. هو ضد السلطة، لكن أهم سلطة هو ضدها هي سلطة النصوص واللي بيستنطقوها، إلى جانب طبعًا انه ضد الاستبداد في عمومه بما فيه السياسي، لكن حصره في النضال السياسي بشوفه ظلم له ولشغله، فهو بيحب يعرف نفسه كباحث أولًا.
في انتقادات محمود لنصر كان الانتقاد الأول ان محمود شاف نقلة نصر من النص للخطاب ماعملتش فرق كبير إلى جانب مركزية كتاب مفهوم النص وانه اهم كتاب من كتبه، وفكرة النسخ وتدرج الأحكام وقال انه حط نظرية جديدة في التفسير وانها معتمدة على دراسة علوم اللغة وعلوم القرآن المرتبطة بالنص ثم إعمال العقل طالما الشخص مؤهل من وجهة النظر العلمية الكلاسيكية، والحقيقة ان لو دا اللي هيحصل فهو مش هينتج جديد، دا أشبه بالقياس بتاع الشافعي طالما الاجتهاد في إطار العلوم القديمة، لكن نصر في الأول كان عايز ينظر للعلوم دي نظرة نقدية عشان تنتج حاجة جديدة، وبعد الخطوة دي تظهر أهمية تعامل نصر مع القرآن كخطاب مش نص عشان يبقى في أدوات جديدة زي علم العلامات وعلم التأويل وتحليل الخطاب جاية من وسط علمي مش أيديولوچي تتعامل مع القرآن بشكل مختلف عن التعامل السابق ومهمة كمان في تحديد مركزية المتلقي واختلاف زمن التلقي في التعامل مع القرآن. نصر هاجسه الأساسي كان انه مايتعاملش مع القرآن كمستشرق فكان لازم يبدأ من القديم لكن مش هيسيبه زي ما هو إلى جانب أدوات جاية من وسط تاني تخفف من التعامل الأيديولوچي مع القرآن اللي مش هنقدر نلغيه بسبب طبيعته الخاصة.
يمكن محمود اعتبر مفهوم النص أهم كتاب لنصر حامد أبوزيد، واعتبر استخدامه لمنهج تحليل الخطاب ما أنتجش جديد نظرًا لتركيز محمود على تفسير القرآن وجهده اللي اتمنى يستمر في الاتجاه دا، لكن الحقيقة ان مشروع نصر أبوزيد أوسع من كدا بكتير. مشروعه بيتعامل مع التراث ككل، مع نصوص التفسير اللي تم تحميل القرآن بيها، ومع خطابات أصبحت في مركز التراث زي خطابات الشافعي والأشعري والغزالي، وخطابات تم رميها على الهامش زي خطابات المعتزلة وابن عربي وابن رشد. وتظهر أهمية تحليل الخطاب في إنه مش بس بيحلل الخطاب في بنيته الداخلية، لكن كمان تأثره بخطابات تانية سابقة عليه أو معاصرة له، وازاي كان لها تأثير على الخطاب ممكن يؤدي لنوع من التناقض فيه.
اعتبر محمود كتاب نقد الخطاب الديني مش نقد للخطاب الديني لكن نقد للتيار السياسي -الإسلامي- ونقد للسلطة السياسية ونقد للتيار العلماني الليبرالي واليساري، ودا صحيح لكن النقد مش بيساوي بينهم. هو بينقد الخطاب الديني للتيار الإسلامي باعتبار ان جوهرهم واحد حتى لو اختلفت الصور وان منطلقاتهم ناتجة عن تأويل خاطئ هدفه الهيمنة وفرض سلطة النصوص وبالتالي سلطة المتكلمين بيها. في حين انه بينقد مشروع النهضة أو التنوير بهدف إبراز الأخطاء من نفعية أو تنازلات سواء خوفًا من سلطة سياسية أو محاولةً لإرضاء توحش الخطاب الديني وتياراته، أو حتى نتيجة الارتياب من الغرب نتيجة العلاقة الاستعمارية اللي بتربطنا بيه، والهدف هو إصلاح خطاب النهضة والتنوير باعتباره السبيل للتحرك للأمام.
أما نقده للسلطة السياسية فهو مش من منطلق سياسي بحت لكن من منطلق سيطرتها على مجالات البحث والفكر وابتزازها للمفكرين بشكل أساسي، إلى جانب طبعًا ان السؤال الاجتماعي كان طول الوقت في دماغه، بس هو كان مركز في مساحته اللي يقدر يضيف فيها المساحة الأكاديمية والمعرفية، واللي محمود بيعترف بتميز نصر حامد أبوزيد فيها، لكنه للأسف ما بيوضحش بشكل كافي مواضع التميز، في مقابل التقليل من تأثيره زي ما عمل مع تحليل الخطاب وكمان موقفه من وجود الجن والحسد زي ما هنشوف.
محمود شاف ان نصر أخطأ في نفي وجود الجن والحسد في كتاب نقد الخطاب الديني وفصل نصر بين ما هو معرفي وما هو أيديولوچي. نصر بيحاول يطبّق رؤيته لتاريخية النص، هو ماهتمش يؤكد أو ينفي حسب فهمي لأن تأكيده أو نفيه مش هيكون له أساس معرفي، لكن اهتم يبين تعامل الخطاب مع المخاطبين بيه في إطار وعيهم ومحاولة الخطاب تغيير الوعي دا من الأسطورة لتكوين وعي عقلاني أكتر.
في كتاب الخطاب والتأويل يقرأ نصر أبوزيد خطاب زكي نجيب محمود قراءة نقدية، ويعتبر أن من أهم منجزات خطاب النهضة تفرقته بين المعقول واللامعقول، والوقوف في صف المعقول في الوقت اللي الخطاب السلفي بيعيد انتاج اللامعقول في ثقافتنا وواقعنا مش بس بيقف في صفه. وبيقول ان الوقوف في صف المعقول بيمهد الطريق لتاريخية التراث وبالتالي طرح كل الأسئلة بدون خوف، وانتاج الإجابات بدون تلفيق. ودا جوهر الحرية في خطاب التنوير، ودي الحرية اللي نصر أبوزيد “ناضل” في سبيل تأصيلها، عشان يتم تغيير حالة العقل من الإذعان والتقبل السلبي إلى التساؤل وإنتاج المعرفة. وفي السياق دا يمكن فهم موقف نصر أبوزيد من الحسد والجن في رأيي.
السؤال المهم اللي طرحه محمود عماد في ندوته -وأعتقد انه كان يستحق توسع أكتر للإجابة عليه- هو نصر أبوزيد عايز يقول إيه؟
ممكن نعرف الإجابة من محاضرة ألقاها نصر أبوزيد في جامعة روتردام سنة ٢٠٠٩ بعنوان “الرؤية القرآنية المتعددة للعالم” -وأي خطأ من هنا هيكون ناتج عن عدم دقة ترجمتي- واللي فيها بيحكي قصته مع القرآن واللي بدأت من اختلاف ترتيب التلاوة عن ترتيب النزول. ويمكن فيها شاور نصر أبوزيد على سبب اعتبار محمود عماد ان مفيش فرق بين القرآن كنص أو كخطاب؛ لأن المسلمين ركزوا في تعاملهم مع القرآن على “المعنى” وازاي المعنى دا هيساهم في تشكيل معنى الحياة اللي بيعيشوها. وبيسأل نصر هل ممكن صياغة رؤية واحدة متماسكة ينظر بيها القرآن للعالم تحمل كل التناقضات اللي هنلاقيها جواه -واللي هنعتبرها تناقضات لو اعتبرناه نص واحد- ولا لأ؟
وبيجاوب ان القرآن فيه نظرة للعالم فعلًا، لكنها نظرة مبنية على الشك وعدم اليقين، وهو دا تحديدًا اللي بيخليه قادر يتجاوز لحظته التاريخية لأن طبيعة النصوص الدينية هي ان فيها قدر من عدم الوضوح وعدم اليقين، وان أي وضوح أو يقين مرتبط بلحظة التفاعل معاها، مرتبط بالمتلقي كمتفاعل مع النص الديني. عشان كدا رغم توقف النزول فالقراءة لازم تستمر، القراءة بمعنى أعمق، وكل مجتمع وكل زمن هيكون لهم قرائتهم الخاصة. والمهم هو احترام التعددية دي كواحد من أهم المبادئ اللي أسس عليها نصر أبوزيد قراءته للتراث.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد