رواية “1970” لصنع الله إبراهيم والإمساك بالذاكرة… ناتاشا العبادي
ضمن مهرجان نادي كتاب تفكير في قراءة أعمال الأديب صنع الله إبراهيم، قدمت في الجلسة الثانية ناتاشا العبادي قراءة في روايته “1970”
أعد المهرجان أكمل صفوت. وكانت هذه مداخلة ناتاشا في الجلسة.
ناتاشا العبادي

مساء الفل، بما إن الدكتور أكمل قدّم الحياة السياسية لصنع الله إبراهيم، فأنا هخش في الرواية على طول.
هي رواية 1970، صدرت سنة 2020. الرواية تقدر تقول عليها رواية وثائقية، حاجة كده هجين بين الأدب والتاريخ. اعتمد فيها الكاتب على أرشيف الصحف، وكأنها عاملة زي دفتر يوميات لمواطن صحفي. يعرض الأحداث زي ما عاشها، وإزاي أثرت الأحداث السياسية والتغيرات دي على المواطن.
وحنشوف بيمسك من سنة 1970، سنة وفاة عبد الناصر، ويبدأ من شهر يناير المانشيتات الصحفية. وبياخدنا بيها في المتن وفي الحكي بتاعه، الأحداث اللي حصلت في 67 والهزيمة. فتلاقي في المانشيتات صراعات سياسية وهزيمة 67، ومحاولة الإصلاح. تفاصيل الحياة اليومية، الشقق، الأسعار، المواصلات. خطابات عبد الناصر لحد وفاته وتأثيرها.
فصنع الله إبراهيم كان بيعمل الرواية، يا ترى لحفظ الذاكرة؟ وللا مراجعة ميراث عبد الناصر؟ وللا نقض للحكم والجيل اللي عاش الفترة دي؟ وللا عايزنا نشوف إيه اللي كان موجود وما زال مستمر معانا؟
رواية 1970 مش رواية زي اللي بتقراها، دي مواطن يخاطب فيها السلطة. فبتلاقي فيها صوت المواطن، وصوت السلطة من خلال مانشيتات صحفية والخطابات بتاعة عبد الناصر.
هنلاقيه مثلاً بيبدأ بأول شهر يناير بالمانشيتات، وياخدنا في المتن من بداية هزيمة 67. وبيرجع إن هزيمة 67 كانت لعدة عوامل: السيطرة الأجنبية والتدخلات الخارجية، زي أمريكا ودعمها لإسرائيل بالسلاح، تبان قوي في المانشيتات بتاعت الصحافة. بنشوف الاتحاد السوفيتي اللي بيدعم مصر يقدم رجل ويؤخر رجل. بنشوف صراعات إقليمية، ما بين مشروع القومية العربية اللي بيقدمه عبد الناصر واللي هو مركزه القاهرة والشام، وما بين مشروع تاني بيجي على المهل كده اسمه منظمة التعاون الإسلامي اللي بيقدموها الخليج، ومركزه السعودية. بنشوف مانشيتات الصحف عن الديمقراطية.
وهنا الكاتب بيعمل حاجة زي ما يكون بيبين بنية السلطة، ما بين الخطابات اللي بتقدمها السلطة وما بين اللي حاصل على الأرض. فبنشوف مثلاً الديمقراطية، لكن بنشوف محاولة تصفية الشيوعيين والمنظمات المستقلة، القبض على العمال في إضراباتهم.

تمسك عبد الناصر بالتراتبية العسكرية والأقدمية، على إن الجيش جهة منضبطة بالسمع والطاعة، وده عكس المدنيين. فيبدأ يشكل أطر سياسية يحط فيها ويدمج فيها كل الأحزاب، يعني تصفية للمعارضة. فيعمل الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب، لجان ثقافية وسياسية، بيدمج فيها كل الأحزاب والشيوعيين والتيارات، وخاصة إنه هو مشروعه في العدالة الاجتماعية. وده اللي كانت تطالب بيه الشيوعيين، فبيتم حلها وبموافقة قياداتها، ويتم الإفراج عن الآلاف من المعتقلين الذين أفرج عنهم و يندمجوا في نفس المؤسسات، مثل: وزارة الثقافة، مؤسسة دار الهلال، هيئة الاستعلام، المسرح والتلفزيون، مركز الدراسات الاستراتيجية في الأهرام، وجريدة الأهرام نفسها زي لطفي الخولي، فؤاد مرسي. بتتحول إنها تبقى جزء من الدولة. التناقض ده في خطاب ناصر، والفعل الحقيقي على الأرض، تلاقيه مثلاً ناصر بيتكلم عن التبعية والنصر القادم، لكن على الأرض هزيمة، في المانشيتات تجد فقر وأزمات مجتمعية. بيتكلمون عن العلاقات العربية، لكن على الأرض صراع سياسي موجود، زي ما قلنا ما بين محاولات منظمة التعاون الإسلامي فرملة مشروع القومية العربية لعبد الناصر.
بنلاقي مثلاً يوم تلاتة يونيو في 67 محاولة سيطرة الملك فيصل السعودية على تيران وصنافير اللي هي تحت السيادة المصرية. كمان بنشوف في الرواية أسئلة يوجهها الكاتب كمواطن إلى رأس السلطة، مثل السؤال بيقول له: إنت ليه السادات؟ فيقعد يسرد إنه ليه السادات: إنه حتى الضباط الأحرار نفسهم كان هدفهم إلغاء الملكية وجلاء الإنجليز، لكن بعد كده هم كانوا مختلفين حتى بينهم وبين بعض في حاجات كثيرة قوي.
فاللي يرصده صنع الله إبراهيم للسادات مثلاً إنه صاحب المنظرة والبايب، وعلاقته برئيس المخابرات السعودية، والعلاقة مع المخابرات الإنجليزية والأمريكية. وإنه حتى لما اشتكى من قلة بدل السفر، اشتكى أمير الكويت، وأمير الكويت أدّى الزيادة، وإن إزاي عبد الناصر رفضها وأنه قال له يرد المبلغ، بس هو لم يفعل. ثم يروح السادات وجيهان لأمريكا لمدة 10 أيام في مؤتمر يسمى “قادة المستقبل”. وبعدين يرجع بينا لسنة السبعين بتاريخ 10 مايو مانشيت عن جمعية تُقام بقيادة جيهان السادات تقدم فطير مشلتت، مش في فندق شيراتون، والشاعرة سعاد الصباح التي تتبرع بمبلغ.
كمان بيسأل سؤال: انت ليه وافقت إن عبد المنعم رياض يروح لملك الأردن زي ما ملك الأردن طلب؟ وإنت عارف إنه بياخد مليارات الدولارات من المخابرات الإنجليزية. بيسأل برضه سؤال تاني: هي إسرائيل بعد هزيمة 67 ما دخلتش واحتلت القاهرة، لكن راحت واحتلت الضفة الغربية والجولان. بنشوف مانشيتات الصحف عن المقاومة الفلسطينية وعمليات ضد إسرائيل، بنشوف احتفال بأسبوع الفدائيات الفلسطينيات وذكرى أساميهم، زي فاطمة برنادي وشادية أبو غزالة، رشيدة عبد الحليم، نبيلة الوزير وسامية علي.
بنشوف مظاهرات واشتباكات بين الجيش في لبنان مع المقاومة، وبنشوف اشتباكات ما بين المقاومة والجيش الأردني، والمعارك دي يتدخل عبد الناصر فيها ويحاول يوقف الحرب، دي في وجود ياسر عرفات.
في الكتاب أنا شفت فيه محاولة من صنع الله إبراهيم إنه يبين بنية السلطة من الداخل، ما بين التناقض بين الخطاب والفعل، وآليات السيطرة، مثل: مؤامرة خارجية، أصبروا، العرس الديمقراطي، ودايماً جملة “إحنا عارفين إحنا ما نقبلش”، ووجود قوة الدولة الأمنية، زي المراقبة والتنصت، والإعلام وإزاي هو جزء من جهاز السلطة، وإزاي بيكتب نفس الجمل وإزاي بيصنع رأي عام.
صنع الله إبراهيم مش بيعمل رواية عن عبد الناصر، لكن هي رواية تبين تأثير التغيرات السياسية اللي حصلت على المواطن العادي، وبيشوفها إزاي وبتأثر عليه إزاي. وبتشوف أسعار الشقق، أسعار المواصلات، في الإضرابات العمالية. فيذكر أنه في اجتماع لمجلس الوزراء، إنه إزاي عبد الناصر كان ماسك رغيف عيش بقول لوزير التموين: أنت إزاي تعرف تأكل ده؟!! وأنت ترضي تشتريه؟ بيتكلم مثلاً عن اللبس، إزاي إن اللبس غالي والأسرة اللي من 5 أو 6 أفراد تجيب بكام لعيالها لبس، ولا يفتح استيراد الملابس من الخارج.
كمان صنع الله إبراهيم يقربنا قوي من الجوانب الإنسانية في شخصية عبد الناصر في الرواية. فمثلاً بتحس إنه تعبان، قلقان، ومتردد. ولما بيُرصَد مثلاً إنه لما بتخلص الاجتماعات وهو في بيته قاعد لوحده وعمال يفكر ويقرر ايه وهيعمل إيه؟ وصف مكتب عبد الناصر الطويل ومحاط بأوراق وملفات. الرواية بتعرض إن عبد الناصر مش الإنسان وكمان كرئيس، فهو يعني شخصية مركبة، ما بين البروتوكولات السياسية والالتزامات، وما بين التعاطف. الرواية بتتكلم عن عبد الناصر ليس كشخص أو كفرد، هو كمنظومة كاملة، علاقات متشابكة مع بعضها مركزها هو الرئيس. إن الجانب الإنساني في عبد الناصر يساعدك كمان تفهم السلطة، وإن القائد بيبقى جزء من شبكة معقدة.
بس كمان في حاجات في الرواية، يعني هو صنع الله إبراهيم تكلم على إن الأزمة القلبية اللي حصلت لعبد الناصر هي حصلت له مرتين: مره سنة 69 ومرة سنة 70 اللي هو مات فيها. كمان المشهد اللي بيحكي فيه موت عبد الناصر، وإنه في أوضة النوم، وإنه غير البيجامة، وإنه نام، وإنه في تفاصيل بيحكيها صنع الله إبراهيم ما هياش يعني صعب حد يحكيها ككاتب إلا إذا كانت تخيلات من عنده. يعني هل حياة عبد الناصر الخاصة، في علاقته بإبنه زي إنه أخذ إجازة من الجيش، إنه امرأته مش عارفة لطمت أو إنها حطت إيدها على صدرها وإيد على خدها عند وفاة عبد الناصر، تفاصيل كده… يعني هل علاقة عبد الناصر الخاصة بينه وما بين أسرته في بيته كانت معروفة لهذه الدرجة؟
وبس، ده اللي أنا أقدر أقوله عن الرواية. بس هي رواية صعبة، حكاويها كتير وتفاصيلها كتير، عايزالها ساعة. وأنا حاولت ألم على قد ما أقدر فيها.
أكمل صفوت : شكرًا يا ناتاشا، ما تحرمش منك، كتر خيرك. هي رواية صعبة فعلاً. شكرًا ليكم. يعني عمل صعب، جاني كله على بعضه. بس متهيألي عرض وافي، يعني فيه كل التفاصيل اللي احنا محتاجينها علشان نناقشه بعد كده. شكرًا يا نتاشا.
١٩٧٠: عرض وقراءة ناتاشا العبادي.
للاستماع للتسجيل الصوتي على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل الفيديو عبر الرابط التالي
لمشاهدة كل تسجيلات المهرجان اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد