أين وجهي أيها اللص…أبانوب خلّاف يناقش مقال سماء معاوية
بقلم: أبانوب خلاف

فكان النقاب أشبه بهرب من هذا الآخر المخيف ومن شعور الخزي. لكن الفرار الوجودي من الآخر يتحول هنا إلى هروب مادّي كامل الأركان؛ أنا أخفي ذاتي عن الآخر، لا لكونه وصيّاً على ذاتي فقط، إنما لخطورته الجسيمة.
كتب أبانوب خلاف تعقيبًا على مقال بعنوان (من يحمل عني هذا الوجه ) أشارت فيه الكاتبة إلى تمثلات النقاب في الواقع بين السلطة والاجتماع.
مقال مهم جداً جداً لفهم قضية النقاب بتفريعاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. الكاتبة مش بتتكلم من الخارج ومن ناحية نظرية فقط، إنما من قلب التجربة؛ بين صراعات أصحاب السلف وأصحاب العمامة الأزهرية تعبِّرُ فتاة (وتعبُرُ) بمعاناتها عن جيلٍ كامل فقد وجهه. ظن أصحاب السلف أنهم بخطابهم ابتعدوا عن الحداثة الماكرة وعن خطابها، لكن في رأيي أن مسألة النقاب هي أحد تجليات الحداثة؛ الخطاب السلفي الذي ربما ظن أنه ابتعد عن خطاب الحداثة ناقداً له وساخطاً عليه كان أحد تجلياته؛ فاختفاء الوجوه في الحياة الحديثة تم تطبيقه متمثلاً في النقاب. وكأن الحالة النفسية التي سببتها الحداثة تجسّدت عن طريق السلطة الدينية. ومن ناحية أخرى تظهر الدولة في مفهومها المطلق والحديث، تستخدم القوة متمثّلة في يد الطنطاوي.
أنا مهتمّتش كتير بالصراع بين ده وده بقدر ما لفت انتباهي اللعبة اللي ما بين الاتنين واللي بيحركوها زي ما هم عايزين تحت شوية مفاهيم ومصالح سلطوية. خناقة مدخلتش فيها المرأة بشكل نظري، لكن كانت التطبيق المادي لها، وكانت هي المعبرة عن القلق بين النظريتين، وليس هذا الشيخ أو ذاك. همّ بيتخانقوا، وهي تتبهدل ما بينهم.
أين وجهي، أيها اللص؟!
انتقد الكثير من الفلاسفة الإنسانَ المبتعد عن الكينونة كمغترب عن أصله وأرضه التي منها خرج وإليها يعود؛ أن تكون إنسانًا يعني أن تأنس بالمأنوس.
يأتي النقاب مصورًا هذه الصورة؛ حيث يكون الوجه، وهو العلامة على الأنس بالمأنوس مهما كان جنسه أو نوعه، مختفيًا تمامًا ليؤكد على حالة الاغتراب القصوى الذي وصل لها الإنسان التائه في المدينة والقرية. فقدان الوجوه الذي تعيشه أغلبية الناس بلا شعور، هكذا قرأ ريلكه العنف المتطرّف الذي تمارسه المدن الكبيرة على ساكنيها، عن طريق سحب وجوههم. ومن ناحية أخرى يكون اللجوء إلى النقاب، في بعض الأحيان، كحماية من التحرش؛ خوف من الآخر متجلياً في النقاب. “إنه إدراك مُخزٍ، إدراك مُخزٍ لشيءٍ؛ وهذا الشيء هو أنا. أنا خزيان مما أنا إياه. لكن، هو في بنيته الأولية خزيٌ أمام شخصٍ ما.. أنا خزيانٌ من نفسي كما أبدو للآخر.”

على سبيل المثال، يحدد سارتر الآخر مرة كموضوع، ومرة أخرى كذات، وهو، في الحالتين، جحيم ما. تصور جلسوك أمام نهر ما في منتزه طبيعي، وحولك الطبيعة البهيّة، وإذ فجأة يدخل عليك هذا “الآخر”. ماذا يحدث هنا؟ يدخل كموضوع في نظر الذات؛ لأنك هنا الذي تنظر إليه وليس العكس. وبكونه من نفس طينتك، فإن الأشياء التي كانت لوهلة تتجمع حولك، أصبحت تتجمع حوله هو، كأنه بنظرته إلى ما تنظر إليه قد سرق العالم منك، وأن إزالته من المشهد ليست بنفس سهولة إزالة المقعد الذي أمامك على سبيل المثال، بل إن حضوره «حضور احتماليّ الإزعاج»؛ “فقبل أن أراه كان ما في المنتزه من موضوعات، يتوجه إلى ما لي أنا وحدي صلة به. رغم هذا الوجود المزعج للآخر كموضوع، فإن الأزمة الحقيقية تكمن في وجوده كذات تنظر إليَّ؛ أنا هنا موجود كمفعولٍ به، أي الشيء الذي يراه الآخر. إن سارتر يدعونا إلى النظر إلى الآخر كذات قبل أن ننظر إليه كموضوع؛ لأنه لا يتحول إلى «موضوع ذا دلالة» إلا بكونه ذاتًا كاملة.
فبأي صورة يا ترى ينظر لي هذا الآخر؟ إن الرابطة بيننا تكمن في “النظر” إلى بعضنا البعض، فكل ما أنا عليه يقع تحت ناظره، فيصير كالرقيب، وأصير أنا كالموضوع بالنسبة إليه، أي إنه يصبح في علوٍّ أعلى من عُلوِّي، وأصير أنا “موجودًا للغير”، ومن هنا ينشأ الجزع والقلق على نفسي، “إذ أشعر أن إمكانياتي مهددة من جانب الغير”. “هذا “الوجود الذي هو أنا للآخرين”، هو خارج سيطرتي: إن كان الآخر يرى المرء بهذا القبح، فما هو بقادر على فعل الكثير بشأن هذا، لا لتأييد هذا الحكم أو لرفضه! للمرء أن يحتج أو أن يقص شعره أو يُجري جراحة تجميل: وقد يظل الآخر مصرًّا على رؤية القبح”.
فكان النقاب أشبه بهرب من هذا الآخر المخيف ومن شعور الخزي. لكن الفرار الوجودي من الآخر يتحول هنا إلى هروب مادّي كامل الأركان؛ أنا أخفي ذاتي عن الآخر، لا لكونه وصيّاً على ذاتي فقط، إنما لخطورته الجسيمة أيضاً. ما نشهده هنا هو تحوّل من التحليل الوجودي النفسي إلى مشهد عنيف من المادة. وكأن الفكرة التي تبدأ من الداخل تسير في تطورها وتوحُّشها حتى تلبس المادة. الخطاب السلفي الذي ظن أنه ابتعد عن الحداثة، كان أحد تجليّاتها المادية.
وفي عالم كسول في السؤال، أو خاطئ في توجيهه، يكون التأله تألُّهاً كسولاً يتشبه بتخفي المقدس، بدلاً من النبش عنه: حائرة بين عنف وعنف. تخفّي المقدس يتمثل في تخفي الوجوه الذي يقرب صاحبته إلى الرب. وكما كانت “يد الله” تعبيراً بعيداً عن المجاز بالنسبة إلى السلفيين، وكما تقول الباحثة، أنهم رأوا في يد الله القوة الساحقة، فإنهم لجأوا بذلك إلى تجسيمٍ للمقدس، لا يبعده، وإنما يقرّبه من المادة. هكذا يكون النقاب أيضاً: «تألُّه كسول» يجسّد اللا-متجسد في هيئة أنثوية مقدسة؛ حيث تصير المرأة تجليّاً للعليّ، ويصير النقاب كنقاب المقدس واحتجابه عن بني البشر.
سلسلة مقالات أبانوب خلاف: أنطولوجيا الآخر في العالم المخيف
المقال رقم صفر: مرايا الهوية، نبوءة معبد دلفي
المقال الأول: ما الذي تحدق فيه أيها الغريب؟
المقال الثاني: في ضيافة الموت ــ هايدجر ومسألة “الوجود- مع”
المقال الثالث: في ضيافة الآخر – ليفيناس ومسألة الآخرية.
المقال الرابع: أين ذاتي أيها اللص؟ ــــ جحيم الآخر لدى سارتر.
المقال الخامس: في الخصام التفرقة وفي المحبة الوحدة
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد