الأبعاد السيكولوجيّة للإيتوس والباتوس في “تحليق نسبيّ” لنوّاف يونس… بقلم: د. أسماء المصفار

د.-أسماء-المصفار الأبعاد السيكولوجيّة للإيتوس والباتوس في "تحليق نسبيّ" لنوّاف يونس... بقلم: د. أسماء المصفار

عمَد الكاتب المسرحيّ السّوري “نوّاف يونس” في كتابه “تحليق نسبيّ” الذي يضُمّ ثلاثة نصوص مسرحيّة، إلى إبراز الأبعاد السيكولوجيّة للإيتوس المُمثَّل بالمُتكلِّم والباتوس الذي يتّصل بالمُتلقّي ونوازعه. وقد اتّسمت صُوَر الإيتوس في “تحليق نسبيّ” في مُجمَلها، في كَونها مبنيّة على الألم جرّاء عدّة عوامل تتّصل بأزمات الذات الإنسانيّة وتقلُّباتها ومواقفها من كلّ ما له علاقة بالوجود. 

نواف-يونس الأبعاد السيكولوجيّة للإيتوس والباتوس في "تحليق نسبيّ" لنوّاف يونس... بقلم: د. أسماء المصفار
نواف يونس

وقد تراوحت صُوَر الإيتوس المُتألّم في “تحليق نسبيّ” بين كَونها منسوبةً إلى الشّخصيّات المسرحيّة وبين كَونها مُتعلّقة بالراوي الذي يروي من داخل العمل المسرحيّ وبالمُؤلِّف الحقيقيّ لها. فأثارت مُجمَل الصُّوَر الإيتوسيّة القائمة على الألم والمُعاناة مجموعة من الانطباعات لدى المُخاطَبين. وتتعلّق هذه الانطباعات في مفهومها المعنويّ بما تُثيره الذات المُتكلّمة (الإيتوسيّة) من أهواء ومشاعر وأحاسيس عند الذوات المُخاطَبة المُتوجَّه إليها بالكلام وهُنا تظهر علاقة التّفاعُل بين الإيتوس والباتوس وهي العلاقة التي قام أرسطو بتحديد خصائصها. 

فقد اهتمّ أرسطو بتشخيص صُورة الإيتوس في كَونه يتشكّل بفعل ما يتوقّعه المتكلّم في المُخاطَب وبفعل العاطفة التي تتطلّب توجُّه المُخاطِب مُسايَرةً منه إلى توقُُّعاته المُنتظَرة من الباتوس، لذلك يعتمد المُتكلّم في خطابه مجموعة من الحُجَج التي يُبرّر من خلالها مواقفه المبنيّة على ما هو إحساسيّ شُعوريّ للتّأثير في المُتلقّي.

ورغم قيام الصُّوَر الإيتوسيّة في “تحليق نسبيّ” على التّعدُّد والتّنوُّع، إلّا إنّها اشتركت في تشكُّل صُورة الإيتوس المُتألّم جرّاء عوامل عديدة تعلّقت بقضايا تخُصُّ الإنسان والإنسانيّة وهو ما بدا جليًّا في العمل المسرحيّ بنُصوصه الثّلاثة، حيث تشكّلت صُورة الإيتوس المُتألّم في سياق تعبير الذات المُتكلّمة عن مسائل نفسيّة وسياسيّة واجتماعيّة في علاقتها بنفسها وبالآخر وبالكَون. 

وقد اقترنت صُورة الإيتوس المُتألّم في أُولى النّصُوص المسرحيّة من قَبيل “الرّحيل” بالراوي الذي يروي من خارج العمل المسرحيّ والذي تكفّلَ بنقل الحوار الذي دار بين الشّخصيّتَين المسرحيّتَين المُمثَّلتَين بالشّخصيّة التي يسكُنُها هاجس الانفصال عن العالم الخارجيّ وفقدان الحياة ويُجسّدها “غريب”. والموت الذي تجسّد في كَونه شخصيّة ناطقة اقترنت بالمندوب. وقد ظهرت دلالات ما يكون به الإيتوس مُتألّما في هذا الموضع، في ما نقَله الراوي من حوار دار بين الشّخصيّتَين في حال استشعار لمجموع الانفعالات ذات البُعد التّراجيديّ المُؤلم، فنقَلَها في شكل ذوات انفعاليّة مُتذبذبة. وقد جسَّد الراوي صُورته الإيتوسيّة المبنيّة على الألم لإثارة باتوس الشّفقة والرّأفة في قَوله التّالي: “يبدو أنّ حياة النّاس هي صراع مُستمرّ لمُحاولة البقاء… ودائما ينتهي هذا الصّراع بالرّحيل”. فالراوي بدا مُدرِكا لحقيقة الذات الإنسانيّة وتتمثّل هذه الحقيقة في كَونها ذاتًا محدودة أنطولوجيًّا (وجوديًَا)، لا تُبنى طبيعتها على الخلود والاستمراريّة في الحياة والكَون، وإنّما تقوم على الفناء والعدم والغياب.

أمّا النّصّ المسرحيّ الثّاني الموسوم بـ: “ملِك ليوم واحد” فقد تركّز على رصد طبيعة العلاقة بين الملِك وبقيّة الشّعب القائمة على الجفاف والتّجاهل والانفصال وهو ما يعكس رغبة الذات المُتكلّمة في التّوغُّل في مجال النّقد السّياسيّ الذي يكشف زَيف السُّلطة ويرفض جميع أنواع التّسلُّط المُمارَس على الشّعب، فهذه السُّلطة في نظَر الذات المُتكلّمة أضحت سُلطة تحكُمها الأزمات النّفسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية. سُلطة مُغيِّبةً لرأي الشّعب وهو ما جعَل علامات الألم تظهر لدى الذات المُتكلّمة، لأنّها باتت ذاتًا مُستشعرةً لتهديد مصير الذات الإنسانيّة وقد عمَدت في هذا الموضع إلى استدعاء القيَم والأخلاق المحمودة وضرورة الاقتداء بها واتّباعها سعيًا إلى تدعيم انفعال الألم بإثارة انفعال آخر عند الجمهور وهو ضرورة رفض كُلّ أنواع الظُّلم والتّجبُّر والدّعوة إلى نُشُوء علاقة مبنيّة على التّوازن بين الذات الإنسانيّة وعالمها الداخليّ والخارجيّ. وقد حوَّلَ المُتكلّم في هذا الموضع إيتوسه إلى مادّة حجاجيّة كفيلة بإثارة مشاعر قويّة نابعة من أعماق النّفس، وهو ما جعَلَ الخطاب المسرحيّ مُحرِّكًا لأنواع من الانفعالات من قَبيل البُكاء والألم والضّجَر والشّفقة، ذلك ما يجعل الحُجَّة الباتوسيّة الانفعاليّة تُحدِّد المُكوِّن النّفسيّ لعمليّة الإقناع وهي الجهة التي يتوجّه إليها الإيتوس وذلك لا يتحقّق ما لم يكُن المُتكلّم عارفًا بالمُكوِّنات النّفسيّة والأخلاقيّة للمُتلقّي. فاستدعاء القيَم يُشكِّل في حدّ ذاته حُجّة وهي حُجّة تمتلك سُلطة وقُوّة إقناعيّة نافذة إلى أعماق النّفس لأنّها مبنيّة على قيَم إيجابيّة مُتمثِّلة في استدعاء المُشترَك الذي يقول بوجوب قيام علاقة بين الملِك وأفراد القبيلة تحكُمُها قيَم العدل والإنصاف والمُساواة.

إنّ الجامع بين المسرحيّتَين: “الرّحيل” و”مَلِك ليوم واحد” هو رغبة الذات المُتكلّمة في إثارة البُعد التّراجيديّ العاطفيّ الذي يتجسّد في مجموعة من الهموم والمشاغل الإنسانيّة من قَبيل الخوف بكُلّ مُستوياته، والمُتمثّل في هاجس التّهديد بالموت والانفصال عن العالم الخارجيّ وفقدان السُّلطة والخضوع للضّعف والانهيار وهذه المعاني كُلُّها قد قامت على ما هو أخلاقيّ مُتَّصل بالذات المُتكلّمة (أساسًا) التي أظهرت نفسَها في صُورة الإيتوس المُتعاطف والمُتألِّم والسّاعي إلى إثارة مجموعة من الانفعالات في نُفوس المُتلقّين ونوازعهم وهُنا تظهر علاقة التّفاعل بين الإيتوس والباتوس.

وقد اقترنت صُورة الإيتوس المُتألِّم في النّصّ المسرحيّ الثّالث الموسوم بـ: “أشواق مُعتقَلة” بقضيّة اجتماعيّة تتعلّق بوضعيّة المرأة التي لم تتزوّج بعد ونظرة الآخرين إليها. وقد استُشعِرَت علامات ألم المُتكلّم في مواضع عديدة من النّصّ المسرحيّ لعلّ أهمَّها رَفضُه لكُلِّ ما يُوجَّهُ إلى المرأة من ألقاب مثل “عانس” وهو بذلك يُمثِّل صَوت المجموعة فقد بدا في حالة اكتشاف لتجرُّد الفضاءات المكانيّة والزّمانيّة من القيَم الإيجابيّة وعبَّر عن امّحاء القيَم الخيِّرة من زمنيّته الحاضرة، داعيا إلى وجوب نُشوئها. 

وقد تجلّت علامات الألم من خلال وصف حالة الفتاة التي يشيع فيها حسّ الاغتراب النّفسيّ والاضطراب والضّياع مثلما يُبيّنه هذا المقطع: “تبدو وكأنّها بحاجة لمَن تبُثُّه شكواها.. تُحدّث نفسها وهي تسير نحو النّافذة.. وترنو خارجها، ثمّ تعود إلى مُنتصف الغرفة، وهي تستكمل حديثها مع نفسها: أحيانا أنتقي غيمة.. نجمة.. عصفور شارد.. لأتبادلَ معهم مشاعري.. مشاعري التي تُهاجر في قلق متوتّر لا يتوقّف.. أحيانا أرقص وأُغنّي مع أضواء الغرفة، التي تهتزّ مرتجفة كريح النّسيم”. فالذات المُتكلِّمة تُثير في نفوس المُتلقّين انفعال الرّأفة والرّحمة والاستعطاف. وهو ما جعلَها مسكونة بصَوت المُخاطَب، لتكونَ في هذه الحال داعية إلى إثارة عواطف مليئة بالقيَم الإنسانيّة السّامية مع تبشيع ما يقوم على الأذى والخراب والفساد. وهُنا يظهر تنزيل الحُجَج الباتوسيّة في الخطاب المسرحيّ تصريحًا آنًا وتلميحًا وترميزًا آنًا آخر ليستحيلَ خطابًا مُؤثِّرًا في النّفوس والعقول.

لعلّ ذلك ما جعَلَ العمل المسرحيّ يتّسمُ بظاهرة التّعدُّد الصّوتيّ، من صَوت المُؤلِّف وصَوت الراوي وصَوت القارئ وصَوت الشّخصيّات المسرحيّة وتظهر مُجمَل هذه الأصوات مُنفصلة حينا ومُتداخلة حينا آخر. فالمُؤلّف يفترضُ حضور القارئ ويخلقه داخل المسار المسرحيّ وهو ما جعَلَ العلاقة بينهما تقوم على التّفاعل والاستجابة. واستحضار القارئ المُفترَض ما هي إلّا تقنية فنيّة يُبرّر المُؤلّف مشروعه في الكتابة من خلالها. فالراوي يُسلّط على القارئ أنواعا من التّوجيه من خلال أسلوب التّكرار في مجموعة من الأساليب الفنّيّة والمضمونيّة في الوقت ذاته ليُكوّنَ إيتوسا مُغرقا في سمَات تستهوي المُخاطَب ومن بينها: ذكرُه لبعض الحالات التي عاشَتها الشّخصيّات المسرحيّة تأثُّرًا بما يعُجُّ به واقعها. فالشّخصيّات المسرحيّة في “تحليق نسبيّ” قد حقّقت أدوارها الفعليّة عبر تشكيل مجموعة من الصُّوَر المُتسلسلة المُعبِّرة عن الشّخصيّة الواحدة وما يُحيط بها داخل وسطها الاجتماعيّ الذي تتعايش معه في المتن الحكائيّ المسرحيّ.

وإنّ مُجمَل ما نقوله بالنّظر إلى “تحليق نسبيّ” هو إنّه عمل مسرحيّ اتّسمَ بقُوَة بلاغيّة يصُوغها المُؤلِّف “نوّاف يونس” على لسان الراوي والشّخصيّة المسرحيّة ليُخاطِبَ بها المُغرقين في التّجبُّر والمُتمسّكين بمنظومة من القيَم السّلبيّة التي يغيب فيها الجانب الإنسانيّ الخيِِّر وغير المُستشعِر لقيمة الحياة ليحملَهُم على التّخلّي عن اتّباع السُّلوك السّلبيّ، وليُوجِّهَهُم نحو التّفكير في مصير الإنسان ووجوده. لذلك اتّسمَ الاشتغال العاطفيّ لدى الكاتب المسرحيّ بكَونه بمثابة التّنظيم التّركيبيّ لحالة ذهنيّة مُدرِكة لحالة الوجود. وقد تمّ توظيف المُعجم المُتّصل بما هو كدَريّ في نطاق تفعيل الجانبَين الأخلاقيّ والعاطفيّ واشتغالهما في النّصوص المسرحيّة الثّلاثة، وهُنا تظهر مزايا العمل الأدبيّ الذي لا تنحصر مزاياه في طرح القضايا العلميّة والفلسفيّة والصّراعات الطّبقيّة فحسب، وإنّما تتجلّى أهمّ رهاناته في إبراز الأبعاد الأخلاقيّة والعاطفيّة التي تُثير في المُتلقّين وفي التّجارب الشُّعوريّة التي تستحيل أداةً يكون العمل المسرحيّ إبداعيًّا من خلالها. فقد اهتمّ الكاتب المسرحيّ بشحن نصوصه بمشاهد تبعث على الألم والشُّعور بمُعاناة الشّخصيّات المسرحيّة ونقل المواضع المُفعَمة بالأحداث والحالات التّوتُّريّة التي تُعبّر عن عالم الذات الإنسانيّة المليء بالقيَم والمعاني والمسائل القائمة على التّناقُض والمُتحكِّمة في تحديد مصير الذات الإنسانيّة في شكل سلسلة من المشاهد الجديرة بتحريك عواطف المُتلقّين وبعث الإحساس بانفعالاتهم وخَلق الفعل عندهم وهُنا تتحدّد الأبعاد السيكولوجيّة للإيتوس والباتوس في “تحليق نسبيّ”.

فالنُّصوص المسرحيّة الثّلاثة في الكتاب تمتثل إلى تقنية تصاعُد الصّراع الدرامي الذي ظهر في ضوء الصّراعات النّفسيّة الداخليّة التي تحياها الشّخصيّات المسرحيّة. وتنتمي القضايا المطروحة في الكتاب إلى ما هو من صنف الوقائع التي تُثير مشاعر الشّفقة والخوف. ذلك ما جعلَ هذه النُّصوص المسرحيّة تُضمَّنُ وفق فئة كتابة التّراجيديا وتعمل في أساسها على تحقيق غاية أخلاقيّة. فهي تُشجّعنا على تكريس أنفُسنا للخير وعلى اجتناب الشّرّ حينا على حدّ تعبير الكاتب المسرحيّ تشابمان. وهي حينا آخر رسالة كُبرى في بثّ الوعي في نفوس المُتلقّين لإدراك حقيقة الوجود الإنسانيّ القائم على مجموعة من الثُّنائيّات المُتمثِّلة في جُلّ الحقائق التي يُبنى عليها الوجود، والعنوان “تحليق نسبيّ” في حدّ ذاته يبُثُّ مجموعة من الدّلالات الرّمزية. فهُو تحليق ولكنّه يظلُّ نسبيّا وجُزئيًّا، جانبه الآخر مفقود وغير مُتحقّق، يظلُّ مَنقُوصًا ومحدودًا ولعلّ في هذه الدّلالات إشارة إلى طبيعة الوجود الإنسانيّ الذي يحتكمُ وجوبًا إلى النّسبيّة والمحدوديّة مهما أنكرَت الذات الإنسانيّة هذه الحقيقة الوجوديّة وتناسَتها. ولعلَّ هذه المعاني التي حملَتها النّصوص المسرحيّة في “تحليق نسبيّ” قد حوّلت المسرح إلى: “فنّ يتجاوز حدود التّسلية ليغدُوَ أداةً فلسفيّة وفكرية للكشف عن تناقُضات الإنسان ووجوده المُتأرجح بين لحظة الميلاد ولحظة الموت” كما أكَّد النّاقد المسرحيّ “إبراهيم الحسيني”.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات