الحويني.. أعلم أهل الأرض، أو الناقد الذي خسرناه.. بقلم: مصطفى شوربجي
بقلم: مصطفى شوربجي

بعد لحظات من إعلان خبر وفاة الشيخ المصري حجازي محمد شريف الشهير بـ أبو إسحاق الحويني، اندلع نقاش حامي بين محبي الشيخ ومعارضيه حول أثره ومسيرته وخُطبه المثيرة للجدل.
النقد فضيلة، وممارسة إيجابية تؤدي إلى تطور المجتمعات وتحسين حياة البشر. وأي فرد قرر المساهمة فى المجال العام بأي صورة، فقد اختار أن يضع نفسه تحت سيف النقد، ومنح المجتمع سلطة مناقشة أفكاره وأراءه وأقواله سلبًا وإيجابًا. ولكن يظل الموت حدث فارق، يقف الإنسان أمامه فى صمت ومهابة، احترامًا لجلال اللحظة ومواساة لمشاعر أهل المتوفي ومحبيه ومتابعيه مهما كانت درجة الخلاف معه. لذا، فقد ساءني متابعة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي يعبر أصحابها صراحةً عن سعادتهم وارتياحهم لوفاة الحويني.
تساءلت: كيف وصلنا إلى تلك المرحلة من الجليطة وقلة الذوق، وعدم الاكتراث بمشاعر إنسانية نبيلة مثل الحزن والفقد، لاسيما والرجل له جمهور ضخم، قد نعلم مدى تعلقهم وارتباطهم به؟
فى خضم الجدل، أعاد أحدهم نشر تغريدة قديمة عمرها 13 عام لنجل أبو اسحق الحويني، يزف فيها لمتابعيه البشرى السارة بموت الأنبا شنودة بابا الأسكندرية. فطوبى لتصاريف الأقدار وهى تختار للرجلين نفس تاريخ الوفاة 17 مارس، لتخبرنا أن العدل ليس غائبًا بالكليةً عن دنيانا، ولنتدبر الأية الكريمة رقم 140 من سورة آل عمران “إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ..”
ورغم أني لست من مريدي أبو إسحاق ولا تياره بالكامل، ولي آراء ناقدة لمجمل الأفكار والتوجهات السلفية، لكني تابعت بفضول الجدال المحتدم بين الفريقين.
داهمتني مقاطع فيديو قديمة لأبو إسحاق يبدي فيها آراء زاعقة بشأن موضوعات شتى: رأيه في العقيدة الأشعرية، جواز زواج الطفلة ذات ال 4 سنوات ووطئها حال تحملها الوطء، تهنئة المسيحين بأعيادهم، وجوب ختان الإناث، تحريم الدراسة فى كليات الحقوق، تحريم اشتغال السيدات بالعلم الشرعي، متى يكون وجه المرأة كفرجها، بالإضافة إلى رأيه السلبي في الشيخين الغزالي والشعرواي، … إلى آخرها من الآراء المثيرة للجدل.
في المقابل تركزت دفاعات أغلب المؤيدين على وصف تلك المقاطع بأنها مجتزأة ومنتزعة من سياقها بهدف تشويه الشيخ والدعوة السلفية عموماً، بينما اتخذ البعض موقف استعلائي أو استسلامي بعنوان هذا ديننا، راق لك أم لم يرق.
بالنسبة لي لا جديد في الأمر، فأغلب تلك الآراء ليست حكرًا على الشيخ أبو إسحاق الحويني وحده، بل يتكلم بها أغلب المنتمين للتيار السلفي. لكني توقفت أمام رأيين منسوبين للشيخ الحويني، لمست فيهما شيء من فجاجة الطرح. رأيه بشأن غزو الدول الكافرة واسترقاق أهلها ثم بيعهم فى أسواق النخاسة، وكيف كان هذا سبيلنا لحل مشكلة الفقر لولا الضعف، ورأيه فيما يخص حديث رضاع الكبير.
وتجنباً للمقاطع القصيرة المجتزأة، لجأت للقناة الرسمية للشيخ أبو إسحاق الحويني على موقع يوتيوب، بهدف التقصي عن حقيقة تناول الشيخ لتلك الموضوعات من مصدرها الأصلي وبشكل تفصيلي وكامل.
انطباعي المبدئي أن الرجل قليل الكلام، منضبط، دقيق، يحقق وينقل بحرفية تامة ما ورد في كتب الصُحّاح والشُرّاح تحديداً وكتب التراث بشكل عام. هذا ليس غريبًا على طالب تصدر ذات يوم قائمة خريجي قسم اللغة الإسبانية بكلية الألسن جامعة عين شمس، بل أنه قد ابــتُعِث لإسبانيا في منتصف السبعينيات لاستكمال دراسته العليا، قبل أن تجذبه دراسة ما يطلق عليه في الأوساط السلفية (العلم الشرعي) تزامناً مع ازدهار موجة الصحوة الإسلامية في النصف الثاني من القرن العشرين.
اختار أبو إسحاق الطالب المتفوق في علوم اللغة الإسبانية داخل مؤسسة علمية حداثية، دراسة العلم الشرعي على طريقة العصور الوسطى، حيث يجلس طالب العلم تحت قدمي شيخه يأخذ العلم منه وعنه حتى يصبح عالماً، في إهدار تام لمنهجية البحث العلمي، ولتراتبية وتدرج منح الدرجات العلمية في الجامعات المتخصصة.
جهاد الطلب هو الحل للقضاء على الفقر
تعود القصة لأكثر من عشر سنوات، عندما انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع صوتي للحويني – يبدو أنه مُقتطع من خطبة طويلة – يقول فيه بلهجة ريفية بسيطة “الجهاد في سبيل الله متعة .. متعة، الصحابة كانوا يتسابقون عليه، هو احنا الفقر اللي احنا فيه؛ إلا بسبب ترك الجهاد، مش كنا لو كل سنة عمالين نغزو مرة ولا اتنين ولا تلاتة، مش كان هيسلم ناس كثيرون في الأرض، واللي يرفض هذه الدعوة، ويحول بيننا وبين دعوة الناس، مش بنقاتله ونغزوه، وناخد أموالهم وأولادهم ونساءهم، وكل دي عبارة عن فلوس، كل واحد مجاهد كان بيرجع من الجهاد وهو جيبه مليان، جايب معاه اتنين تلاتة شُحطة، وتلت أربع نسوان، وتلت أربع ولاد، اضرب كل راس فى 300 درهم ولا 300 دينار ولا حاجة، تطلع بمالية كويسة، لو هو رايح عشان يعمل صفقة تجارية في بلاد الغرب، عمره ما يعمل الأموال ديه، وكل ما يتعذر ياخد رأس يبيعها ويفك أزمته، ويبقى له الغلبة .. إلخ)
أثار المقطع ردود أفعال غاضبة مستنكرة، اضطر الشيخ إثرها للخروج عبر أكثر من منفذ إعلامي لتوضيح رأيه فى محاولة لصد موجة الهجوم. وأثناء بحثي على قناته الرسمية على موقع يوتيوب، عثرت على خطبة مطولة قاربت على ساعة بعنوان “المقطع الأصلي بدون حذف: حول أحكام الجهاد والجزية”.
في تلك الخطبة، تناول أبو إسحاق بالشرح حديث بريدة بن الحصيب الذي ينقل لنا وصية الرسول (ص) للمجاهدين العازمين على مواجهة الكفار، حيث حدد النبي – وفقًا لرواية بريدة – نهايات ثلاث لا رابع لهما لجهاد الطلب في الإسلام (قبول دعوة الإسلام – رفض الدعوة مع قبول دفع الجزية – الاقتتال حال رفض الدعوة ورفض دفع الجزية).
وعزا أبو إسحاق أسباب تركنا للجهاد في قوله “هو احنا الفقر اللي احنا فيه؛ إلا بسبب ترك الجهاد” إلى وضعنا المتردي وحالة الضعف الشديد التى يعيشها المسلمون في العصر الحديث. وأكد في سياق دفاعي، أنه لا يقصد الدعوة لغزو بلاد الكفار وبلادنا على تلك الحالة من الضعف، فهذا شيء مستحيل حاليًا، لكنه استطرد قائلًا بأنه إذا تغير الحال، ورجعت مقتضيات الجهاد واقتتل المسلمون والكفار، فإن الأمر حال انتصار المسلمون، يتطلب نصب سوق للنخاسة كي يتمكن المنتصرون من بيع حصيلتهم من الرقيق رجالًا ونساءً وأطفالًا.
كما شدد الشيخ على أنه حال تحقق هذا الأمر، فلابد وأن يُعاد تفعيل حكم عتق الرقاب، بوصفه واحد من كفارات الذنب الموقوف العمل بها، لاسيما وأن هذا الحكم لم يُنسخ على حد قوله. وحاول في النهاية أن يخفف من وطأة الأمر، بإشارته إلى جرائم أمريكا في العراق وأفغانستان وأنها قد استرققت الدول لا الأفراد، ما معناه حسبما فهمت: علينا ألا نخجل من سعينا لاسترقاق الأفراد.
يرى أبو إسحاق أن ضعفنا الآني هو فقط ما يقعدنا عن جهاد الطلب، وما قد يلي ذلك من ضرورة لنصب سوق النخاسة والمتاجرة بيعًا وشراءً في غنائم الجهاد من البشر الذين سماهم “رؤوس”. بمعنى أنه علقّ المسألة كلها على مانع ظرفي، لا قيمي أو مبدئي، فالضعف قد يتبدل إلى قوة لأي سبب، وحينئذ لا يوجد ما يمنعنا من العودة لجهاد الطلب بكل مآلاته. ما يعدُّ ردة وإنكار لنضال طويل خاضته الإنسانية للقضاء على الرق وتجريم تجارة البشر. كما يُعدّ تشويه بالغ لرسالة دينية جاءت لتكريم الإنسان ولتتمة مكارم الأخلاق، فجعلت من عتق الرقاب في مقدمة كفارات الذنوب، كأحد أساليب مواجهة ظاهرة بنت عصرها كالرق. أيسعى الدين لسد منافذ الرق، ومن ناحية أخرى يترك بابًا مفتوحًا ومباحًا ومشجعًا على استرقاق البشر؟
أبو إسحاق هنا لم يقدم رؤية متكاملة للموضوع، فالشرع يبشرنا بالثراء حال النصر، لكنه تجاهل المشهد حال الهزيمة لا قدر الله، وتحولنا بالمثل لرؤوس في أسواق النخاسة. خلال 40 دقيقة كاملة عجز أبو إسحاق تمامًا عن تقديم أي قراءة من داخل المنظومة الدينية ذاتها، تحمل أي قدر من التصالح مع المباديء الانسانية، وتحفظ للدين صفته الأسمى .. وهي الصلاحية لكل زمان ومكان. فلم يشير للرأي القائل أن الإتجار فى الغنائم البشرية من الحروب قد تم حظره بعد نزول الآية الكريمة “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ۗ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ” الأية (4) من سورة محمد حيث ورد في تفسير الطبري لمعنى قوله تعالي “فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً” أنه إذا أسرتموهم بعد الإثخان, فإما أن تمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم من الأسر، وتحرروهم بغير عوض ولا فدية، وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من أنفسهم عوضاً حتى تطلقوهم, وتخلوا لهم السبيل. ويختلف الطبري مع الآراء القائلة بنسخ تلك الآية، وأضيف من عندي أن الناسخ والمنسوخ تحول إلى بئر عميقة تُدفن فيها كافة الجهود الإصلاحية الساعية لإعادة قراءة النص المؤسِس.
ولأن التقليد معيار حاكم عند أبو إسحاق، فلم يتمكن من تقديم مقاربة عصرية لتجارة الرقيق وكيف كان سيصبح شكلها في عالم الاقتصاد الرقمي، بقدر حرصه على خروج جملة بشعة من فمه مثل “نصب أسواق النخاسة” بشكل صحيح وسليم لغويًا، وبطريقة هادئة وملفتة وآسرة، تشعرك وكأنه يتحدث عن نشر السلام والمحبة.
رضاع الكبير
“رضاع الكبير” مصطلح ديني جدلي يثير الريبة والتساؤل كلما تم طرحه، وعند تجدد الحديث حول رأي أبو إسحاق فى الموضوع، عكفت على مشاهدة مقطع مُصور مُطوَل مدته 30 دقيقة منشور على قناته الرسمية على يوتيوب. بعنوان “تأصيل علمي لحديث رضاع الكبير”.
بدأ أبو إسحاق حديثه بالهجوم على من يشككون فى صحة الحديث، والقائلين بأنه مدسوس أو من قبيل الإسرائيليات، مؤكدًا أن أهل العلم الثقات أجمعوا على ثبوته وصحته لاسيما وأنه ورد فى صحيح مسلم. وطبعًا الورود في أحد الصحيحين مسلم أو البخاري عند أهل السلف تحديدًا يُعد دليل قطعي على ثبوت ونسب الرواية إلى سيدنا النبي عليه أفضل صلاة وتسليم، بغض النظر عن آراء واعتراضات الفقهاء بشأن متون تلك الروايات، وهي واقعة تكررت أكثر من مرة وطالت عدد من الأحاديث الواردة في الصحيحين.
وحكاية رضاع الكبير وفقًا لأبو إسحاق تبدأ عند سهيلة بنت سهل التي ذهبت للنبي تسأله ماذا عساها أن تفعل، بعدما رأت شيء من الكراهة فى وجه أبو حذيفة بن عتبة، بسبب اختلاء سالم بها، وقد ناهز العشرين من عمره. أبو حذيفة وسهيلة زوجان شهدا هجرتي الحبشة، وسالم هو ابنهما بالتبني على عادة العرب، قبل أن يتحول لمولى أبو حذيفة بعد تحريم التبني. عاش سالم في كنف أبو حذيفة وسهيلة منذ كان طفلًا صغيرًا، حتى أصبح أحد متاع البيت على حد قول سهيلة، في إشارة لصعوبة الاستغناء عنه بعد تلك المدة.
تقول الرواية التي نقلها الحويني أن النبي (ص) أجابها بأن “أرضعيه، يذهب ما في وجه أبو حذيفة من كراهة”، فاستنكفت سهيلة الأمر وتساءلت: كيف أرضعه وهو كبير ذو لحية، فتبسم الرسول قائلًا أعرف أنه كبير، قبل أن يعيد عليها قوله بأن .. “أرضعيه”. ففعلت وأرضعته ثم عادت للنبي تخبره بأنه “.. والله لقد ذهب ما في وجه أبو حذيفة”. باعتبار أنها قد أصبحت أمه بالرضاعة. ويحاول العقل البشرى الإفلات من فجاجة المشهد، متخيلًا أن الرضاعة ربما تمت بلا مباشرة من خلال إناء مثلاً، ولكن يأبى الحويني إلا أن يسد كل منافذ الهروب. فنجد له مقطع مصور من خطبة بعنوان التقام الثدي.
يشرح فيه ماهية الإرضاع، مؤكدًا استحالة أن يتم الأمر عبر إناء، فلا رضاع إلا بالتقام الثدي، ولا يقال رضَع إلا لمن باشر الثدي بفمه. لم يفت الحويني تنبيهنا بأن الواقعة تعد حكم مخصوص، ورخصة لسالم وحده تنتهي بوفاته، وفقًا للرأي الذي ذهبت له زوجات النبي كلهم ما عدا عائشة، وأقره جمهور العلماء ما عدا عطاء ابن أبي رباح، والإمام الليث بن سعد، وتلامذة الإمام أحمد الشيخان ابن تيمية وابن القيم الجوزية، على حد قوله.
وحسناً فعل أبو إسحاق بإعلانه الانحياز لرأي زوجات النبي وجمهور العلماء، بعدها استطرد قائلًا: ولكن السيدة عائشة أيضاً لها قدرها، ولهذا ولعلاج بعض الحالات الشائكة، يمكننا الاستئناس برأي أم المؤمنين فى جواز الاستدلال بواقعة سهيلة وسالم. وحال استنكفت سيدة البيت فعل ذلك، فلها أن تأمر بنات أخوانها أو بنات أخواتها فيرضعن الشخص المشكل، ليدخل بعدها على سيدة البيت بتلك الرضعة كونها أصبحت خالته أو عمته بالرضاعة. وفي نهاية الخطبة استنكر الحويني ما وصفه بالتشغيب على الشريعة، من قبل معارضي الحديث، مشيرًا إلى أن هدفهم إشانة الشريعة وأهل العلم. كما وجه نصيحة للمشتغلين بالعلم بأن يوضحوا الأمر ولا ينفوه، متسائلًا: كيف لو فتحت العامة الكتب ووجدت الحديث موجود، ماذا يظنون بأهل العلم؟
وكما حدث في جدلية الغزو وأسواق النخاسة، تجاهل الحويني كل ما من شأنه تشكيل صورة ذهنية مقبولة عن الأسلام، وتعمد انتقاء الرأي الغريب المستهجن، عندما اعتمد على صحيح مسلم فقط، بينما لم ينقل لنا موقف الإمام البخاري المتشكك فى رواية رضاع الكبير. فنكتشف وللغرابة أن الإمام البخاري يعد أحد معارضي الحديث، فقد ذكر في صحيحه الجزء الأول فقط من المتن الذي يشير لوجهة نظر الإسلام في تحريم التبني ورد الأبناء لآبائهم حيث ورد في صحيح البخاري فيما معناه “فمن لم يعلم له أبًا كان مولى وأخًا” والمقصود هنا سالم مولى أبو حذيفة.
لكنه (أي البخاري) تجنب ذكر النصف الآخر من المتن، المتعلق بواقعة إرضاع سهيلة لسالم واستدلال السيدة عائشة بالواقعة. الأمر الذي يعد من قبيل النقد الحديثي من جانب البخاري، ويعطينا نموذج عملي لكيفية بناء الصحيح الأشهر، حيث قبل البخاري الإسناد بأكمله، كما قبل الجزء الأول من المتن ورفض قبول الجزء الأخير. وبالطبع تجنب البخاري ذكر الحديث في أبواب الرضاع، بل ذكر في الباب ما يعارضه. والرأي السالف منقول نصًا عن الباحث فى علوم الحديث الدكتور/ عمار الحريري، والذي قام بنشره مفصلاً عدة مرات على صفحته الشخصية على الموقع الأزرق.

والحريري، يبذل جهودًا ضخمة ومخلصة فى سبيل تنقية السنة الحديثية مما علق بها من أفكار ومفاهيم تقدم السند على المتن، تنتصر للراوية وتتغافل عن تحكيم القرآن على تلك الروايات، بعرضها عليه لبيان مدى توافقها أو مخالفتها للنص الأول المؤسس. وللأسف ما زالت جهود الحريري في الظل، ولم تأخذ حظها الكافي من السطوع، ولم تنل بالطبع نفس الشهرة والرواج الذي صادف منتوج الشيخ أبو إسحاق الحويني الملتزم بالتقليد التزامًا تامًا، ولم تغريه تجربة ممارسة فضيلة النقد ولو مرة.
الشيخ السلفي المصري مصطفى العدوي الشهير بمقاطع الفيديو القصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، منحنا دون قصد آلية للقياس، بعدما تناول موضوع رضاع الكبير من زاوية مختلفة، ففي رده على سؤال لأحد متابعيه هل تحرم المرأة على زوجها إن رضع منها على سبيل المداعبة؟
أجاب العدوي بشكل قاطع مستشهدًا بقول رسول الله صلي الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها “إنما الرضاعة من المجاعة” والذى أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما. بمعنى أن الرضاعة التي تنتج عنها رابطة الأمومة وينشأ بموجبها التحريم، هي رضاعة الوليد في أول حولين من عمره، حيث لا غذاء له إلا الرضاعة، وبدونها تصيبه المجاعة، قبل أن ينهي العدوي إجابته بحسم أن المرأة لا تحرّم على زوجها وإن رضع منها آلاف الرضعات. وهنا نحن بصدد خيارين تقليديين من داخل المنظومة الحديثية نفسها يغنيانا عن الاستغراق في رواية مسيئة للدين بوجه عام، ويتيحا للحويني آلية نقد ما ورد في صحيح مسلم بشأن رضاع الكبير. الخيار الأول نقد البخاري ومعارضته لما ورد على لسان سهيلة في حديث رضاع الكبير، بعدم تضمين تلك الرواية في صحيحه. والخيار الثاني هو حديث رسول الله عن عائشة أن الرضاعة من المجاعة، وهي الرواية التى برأت أم المؤمنين عما شابها إثر المزاعم التى قالت بإقرارها الاستدلال برواية سالم وسهيلة. كان بإمكان الحويني تقديم نقد علمي رصين لصحيح مسلم الذي تضمن روايتان متناقضتان مثل رضاع الكبير، والرضاعة من المجاعة.
الشيء الذي يستدعي التساؤل حول دلالة ذلك هو هل تم إيراد الأحاديث في صحيح مسلم للتدليل على صحتها، أم جمعها مسلم للدراسة والاستبيان وإظهار تناقض الروايات؟
إلى هنا ينتهي تجوالنا في أفكار د. عمار الحريري ونعود للحويني ابن المنهج السلفي المحافظ، الذي رفض أن يظهر كممارسًا للنقد الحديثي أو كباحث يعيد قراءة التراث صونًا له، بل اختار بإرداته الحرة أن يظهر في إطار المقلد، المُقِر بالعصمة الأبدية للصحيحيّن، بل أنه تمادى ووصف معارضي رواية رضاع الكبير بالتشغيب على الشريعة وإهانة أهل العلم. النتيجة التي تعيدنا إلى اللحظة الأولى لمشروع أبو إسحاق الحويني ونقطة التحول الأهم في حياته، عندما اختار دراسة العلم الشرعي على طريقة العصور الوسطى والتي تنهل من التراث دون مراجعة، في مقابل المؤسسات العلمية الحداثية المعتمدة على منهجية البحث العلمي بما تتضمنه من مبادئ أساسية مثل النقد والشك وطرح الأسئلة.
قبل وفاته بأيام قليلة، انتشر مقطع فيديو بعنوان اعتذار الحويني، ظهر فيه بوجه شاحب جالسًا على كرسي متحرك، معلنًا اعتذار غامض ومقتضب، وتحدث الحويني عما وصفه بالتسرع وحب الشهرة والظهور واندفاع الشباب. اختلف جميع المتابعين في تفسير أسباب اعتذار الحويني المفاجئ وهو في المحطة الأخيرة من حياته، وأرجو بشكل شخصي أن يكون اعتذاره قد شمل تلك الآراء وإن أسرّ ذلك في نفسه. أخيرًا، رحم الله أبو إسحاق الحويني المُلقب وسط محبيه بأعلم أهل الأرض، الذي مارس فعل الانتقاء من التراث منتصرًا لغريبه ومستهجنه، وتجنب الولوج إلى ساحات النقد وإعادة الدراسة، ولم يستغل قدراته وصبره وجلده على سبر ما وردنا عن المتقدمون والمتأخرون لاستخراج ما من شأنه تشكيل صورة ذهنية للإسلام تتصالح مع واقعنا الحالي. وتركنا بعد وفاته أمام تساؤل مُحيّر عن قيمة وقدر العلماء حين ينحصر إسهامهم العلمي على إعادة ترديد ما احتوته كتب التراث، دونما بذل أي جهد في سبيل إعادة قراءتها بما يناسب عصرنا.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد