“تلك الرائحة” رواية صعبة على القارئ الجديد لكنها عميقة… لمياء النحاس
في الجلسة الثالثة من مهرجان نادي كتاب تفكير لقراءة أعمال الأديب صنع الله إبراهيم التي أعدها د. أكمل صفوت قدمت د. لمياء النحاس هذه المداخلة عن نص “تلك الرائحة”.
بقلم: لمياء النحاس

مساء الخير. أول مرة أقدم عرضًا عن رواية، وخصوصًا إن مجال عملي كطبيبه بيبعدني شوية عن الأدب، فكانت رحلتي مع صنع الله إبراهيم جديدة ومثيرة.
أول ما عرفت عنه كان من مسلسل “ذات” اللي اهلي كانوا متحمسين ليه وقالو لي إن الكاتب ده كبير. فلما جاتني الفرصة أقرأ ليه في مهرجان نادي كتاب تفكير، كانت فرصة رائعة.
رواية “تلك الرائحة” دي أول رواية كتبها صنع الله إبراهيم بعد ما خرج من السجن سنة 1966. الطبعة الأولى اتسحبت وراحت على المخازن من غير ما تشوف النور بسبب محتواها الجريء والناقد للسلطة ووصفه لحياة السجن. لكن الطبعة الثانية ظهرت سنة 1993، واللي قريتها أنا كانت ضمن مجموعة قصص قصيرة.
في القراءة الأولى، حسيت بنفس إحساس من قرأ رواية الجليد -محمد عوض- الرواية مالهاش خط درامي واضح، والأحداث متقطعة وتبدو كأن كل حدث ليس له علاقة باللي قبله ومش عارفة القصة بدأت فين وخلصت فين. لكن بعد ما سمعت عروض الزملاء عن سيرته الذاتية وأسلوبه وفهمت طريقته، قرأتها تاني واستمتعت بيها أوي.

عن الرواية:
يوسف إدريس كتب في مقدمتها إن “تلك الرائحة ليست مجرد قصة، لكنها ثورة… ثورة فنان على نفسه”.
الرواية بتبدأ بمشهد قوي جدًا: “قال الضابط: ما هو عنوانك؟ قلت: ليس لي عنوان. تطلع إلي في دهشة: إلى أين إذن ستذهب؟ وأين تقيم؟ قلت: لا أعرف. ليس لي أحد. قال لي الضابط: لا أستطيع أن أتركك تذهب هكذا. قلت: لقد كنت أعيش بمفردي. قال: لا بد أن نعرف مكانك. لنذهب إليك كل ليلة.”
من أول سطرين بنعرف إن البطل (الراوي اللي من غير اسم) خرج حديثًا من السجن بعد اعتقاله ولم نعرف مدته من الرواية. لكني عرفت أن صنع الله إبراهيم كان معتقل لمدة 5 سنين، وتم الإفراج عنه لكن تحت “الرقابة القضائية”. وهذا ما حدث في رواية تلك الرائحة. اكتشفت أن أحداث الرواية مبنية على أحداث حقيقية حصلت لصنع الله إبراهيم. كان يختار حدث ما ويبني حوله قصة أو عدة حكايات ورؤى منسوجة بخفة نسيج بين الواقع والخيال.
في الرواية الشرطي بيجي كل يوم قبل المغرب يوقّع له في دفتر حضور، وده بيكون بمثابة “ريتم عسكري” ثابت بيقطع حبل الأحداث في الرواية كل صفحتين أو ثلاثة، فتشعر أن الحياة تقف عند خبطة العسكري على الباب، ثم تعود الحياة على وضع أو مشهد ليس نفس الذي كان قبل ظهور العسكري. ده الريتم ساعدني أجد تماسك للرواية.
الراوي بطل الرواية بيرجع لمجتمع مش عارف يتأقلم معاه. بيحاول يتعرف على القاهرة من جديد، ويواجه غربة شديدة. مش بيذكر أي سياق تاريخي واضح يستطيع القارئ تخمين الزمن الذي وقعت فيه أحداث الرواية. لا يذكر أسماء رؤساء ولا أحداث كبرى. لكن تستطيع معرفة الحقبة الزمنية من الوصف الاجتماعي للحياة في الشوارع والترام وسماع الراديو الترانزستور. في القراية التانية، بعد ما تعرفت على خلفية صنع الله إبراهيم السياسية، بدأت ألتقط التلميحات وفهمت بعض الحوارات التي لم تكن مفهومة في قراءتي الأولى.
عنوان “تلك الرائحة”: في المرة الأولى لما قريت الرواية بحثت: فين الرائحة؟! لكن في القراءة الثانية فهمت إن الرائحة موصوفة ومحسوسة من خلال وصف البيئة. مش لازم الكلمة تظهر، لكن الوصف بيخلّيك تحس بيها: رائحة السجن مثلا في وصف البلل، الدم، البقّ، الرطوبة العفن. كل دي تفاصيل بتخلق رائحة ما، يتخيلها القارئ.
وصف المرأة في الرواية: في البداية، كنت متحفظة شوية على وصفه الدقيق لأجساد النساء. لكن في القراية التانية، اكتشفت إن نظرة الراوي للمرأة غالبًا بتكون لها صبغة “اجتماعية” أكثر منها “جسدية”. هو بيشوفها ككائن موجود في المجتمع، بيوصف مشقتها ووضعها الاجتماعي في الحقبة دي من خلال وصف شكلها وتصرفاتها.
مثلاً، وهو في المترو بيقول: “وقفت بجوار حجرة السيدات. وجعلت أتأمل واحدة واحدة. كانت شعورهن مصففة بأشكال معقدة. وأجسادهن مثقلة بالصباغ”. ده وصف للمعاناة اليومية، مش تفحّص جسدي. وبعدين ينتقل فورًا لمشهد نساء بتولول على رجل ميت في الشارع. المرأة عنده جزء من المشهد العام للحياة الصعبة، أكثر من مجرد متعة.
حتى لما بيصف سيدة معينة، زي “نهاد”، بيقول إنها “كانت باسمة في رقة”. التركيز على البسمة والوجه، مش على الجسد. كانت هناك سيدات أخريات وصف ملامح وجوههن وبشرتهن واهتم بوصف الشفايف.
الموضوعات المتكررة: الاغتراب: البطل ضايع في مدينته بعد غياب طويل. الحب غير المتحقق: في كل القصص الثانوية عن العلاقات (زي اللي صاحبه في السجن كان يحكي عنها) أو اللي هو بيشوفها، كلها قصص إحباط وفشل.
الطبقية: في مشهد قوي بيزور فيه عيلة أرستقراطية. لما يعرّف عن نفسه بقوله “أنا ابن فلان”، الستات بتستخفّ به وتشاور على أنفها (إشارة للكبر). وهو بيحس إن مستواه الاجتماعي الحقيقي هو مستوى “الوصيفة السمراء الممتلئة” اللي قاعدة جمب العجلة، ومش حتى دي قدر يوصل ليها.
المشاهد اليومية الصغيرة: الرواية عبارة عن يوميات: بيخرج، بيكلم أخته عن خطوبتها، بيزور ناس، بيتنقل بالمواصلات. من خلال التفاصيل الصغيرة دي، بنفهم الحياة في الفترة دي.
المشهد الأخير المؤثر: الرواية تنتهي بمشهد زيارة الراوي لبيت جدته، اللي كان بيدور عليه. بيوصف العمارة والشقة بتفاصيل دقيقة. بيقابل هناك تلات ستات متحجبات بالسواد: جدته وخالتين. بيتعرف عليهم، وبيعرف إن أمه ماتت من أسبوع بالضبط، وبيحاول يسأل عن تفاصيل مرضها وموتها، لكن الوقت بيضيّق عليه عشان “موعد العسكري” بيقترب. مضطر يودعهم وينزل عشان يرجع يوقّع في الدفتر.
المشهد ده ختام قوي بالعسكري زي ما بدأ به.
الخلاصة: “تلك الرائحة” رواية صعبة على القارئ الجديد، لأسلوب صنع الله إبراهيم، لكنها عميقة وجميلة جدًا بعد ما الواحد يتعود على الريتم ويفهم الخلفية.
شكرًا، وكان دا عرضي للرواية.
تلك الرائحة: عرض وقراءة لمياء النحاس.
للاستماع للتسجيل الصوتي على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل الفيديو عبر الرابط التالي:
لمشاهدة تسجيلات فيديو للمهرجان كله اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد