د. هاني نسيرة يكتب عن كتاب الطور والزيتون

بقلم: د. هاني نسيرة

هاني-نسيرة-2- د. هاني نسيرة يكتب عن كتاب الطور والزيتون

تمتد علاقتي بالكاتب والأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد القادر الخياط، مؤلف هذا الكتاب سنوات بعيدة، كنت ألحظ فيها رغم ابتسامته وأناقته شيئًا لم اعتد عليه كثيرًا، صفاء من غير تصوف وتدين من غير تعصب، علاقة خاصة بكتاب الله وآياته، تنعكس في سلوكه وتصرفاته وتأملاته، دون أدلجة أو دعاية أو استعلاء، بل في محبة وتواضع ترى الله في كل شئ…فالدين تفكر وتخلق وتدبر مستمر..وهو دقيق الملاحظة متسع القراءة..

من هذه الطبيعة كنت أتفهم شروعه في تأليف هذا الكتاب”الطور والزيتون: نظرات وتفسيرات” كالعادة، الذي صدر قبل اسبوعين عن مركز الاهرام للنشر، قبل أسبوعين فقط، رغم محدودية العنوان، الطور والزيتون، كلمتا العنوان وبجوارهما النظرات والتفسيرات، إلا أن ما يحتويه بين دفتيه أوسع من ذلك بكثير، فهو يتكلم عن منهج تكاملي في قراءة القرآن وتفسيره، ويلتحم بنقد الرواية والراوي، شأن نقده قتادة بن دعامة الذي كان أكمه- أي ولد أعمى- ويفسر آيات تتعلق بالنظر والتشابه وعدم التشابه، ويؤكد الكاتب أنه من المهم وجود منهج تكاملي في قراءة النص القرآني، يجمع بين المنقول من المدونة التفسيرية واللغوية للقدماء، وكذلك معارفهم في الجغرافيا والتاريخ بجوار منتوجات العلم الحديث.

وهنا يلتقط عبد القادر الخياط إشكالية مهمة وهي أن القدامى عملوا في جزر منعزلة أحيانًا كثيرة، فكان كل مجال علمي شأن التفسير واللغة يعمل منفصلًا عن الجغرافيا والتاريخ وعلم الفلاحة والزراعة كما كان معروفًا في زمانهم، مما أفقد المفسرين إضافات مهمة في هذا الصدد.

ودليلًا على هذه الإشكالية الجوهرية، يشير المؤلف، لمعرفة الأقدمين بخط الاستواء، وتعريفه أنه الخط الافتراضي الذي يقسم العالم، وتتعامد عليه الشمس بشكل مستمر، ولكن ارتبك المفسرون عند تفسير قوله تعالى في وصف الشجرة المباركة الزيتونة أنها” لا شرقية ولا غربية ” ( سورة النور- آية 35) ارتباكا عظيما، لم يتضح به معناها، ولو أدركوا لقالوا استوائية وقالوا شجرة تخرج في مناخ استوائي، أو تزرع في المناطق الاستوائية كما ذكر الكاتب..

ومما يشير إليه الكاتب بعد أن يستوعب موقف المتكلمين والعلماء المسلمين حول كروية الأرض وكيف أكد معظمهم عليها، في نصوص كثيرة، يشير لتفسير قوله تعالى: ” فلا أقسم برب المشارق والمغارب، إنا لقادرون” ( المعارج-40) لأدراك كروية الأرض، وأن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس، كما كان مفهوم في القرون الأولى.

إن عمل الدكتور عبد القادر الخياط يأخذ القارئ في رحلة فكرية عميقة، متعددة المحطات، وتتجاوز التفسيرات التقليدية للنصوص القرآنية بعد استيعابها ومناقشتها، بدأت من تعمقه في دلالة ذكر “الزيتون” في القرآن الكريم، وتحديدًا في آيتي سورة الأنعام: “والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه” (الآية 99) و”والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه” (الآية 141)، حيث نبهنا إلى حقيقة لم ينتبه إليها الكثيرون قبله، وهي أن الزيتون لا يمكن أن يشتبه بالرمان ولا أن يشبهه، نظرا إليهما أو أكلا منهما كما تقول الآيتان,,

وهنا، وفي مقاربة جريئة، يفترض د. عبد القادر أن “الزيتون” المذكور في بعض الآيات لا يشير إلى شجرة الزيتون المعروفة في بلاد الشام والمسمى شعبيا بالزيتون الأخضر، بل إلى شجرة “زيتون الجوافة”، فالجوافة تسمى الزيتون، في بعض اللهجات العربية مثل الإمارات وعُمان واليمن والحبشة، من هنا، يخوض المؤلف رحلة ترجيحية بينهما، أيهما الزيتون القرآني المقصود؟!، مستعينًا بمصادر التفسير واللغة، ومستند إلى معارف علوم النبات والكيمياء، بعد ان استخلص أولا عشر خصائص وصفات قرآنية للزيتون، وقارن بين الفرضيتين من خلالهما..وانتهى إلى ترجيج أن زيتون الجوافة هو المقصود وليس الزيتون الشامي في هاتين الآيتين ووفق الصفات المذكورة..

1000038250-300x203 د. هاني نسيرة يكتب عن كتاب الطور والزيتون

وقد اعتنى المؤلف في كتابه بضبط مفاهيم قرآنية أخرى كثيرة، مثل الثمر والينع وعلاقتهما بالإزهار وعملية الإثمار، وكذلك الفروق بين النور والضوء والزيت والدهن، وفق النص القرآني، ووفق العلوم الحديثة، ضبطا للفهم وليس تسليما غير تفكري كما يفعل دعاة ما يسمى الاعجاز العلمي للقرآن.

ثم انتقل النقاش والبحث بالمؤلف إلى أفق أكثر اتساعا بالتوازي مع اتساع المدلول اللفظي للنص القرآني. فتطرق إلى مناقشة مسألة جبل الطور التي وردت في غير موضع في القرآن الكريم، خاصة فيما يرتبط بالشجرة التي تنبت بالدهن، في قوله تعالى (وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين) (المؤمنون-20). هنا، يتحدى الباحث التفسير التقليدي الذي يربط الآية بشجرة الزيتون فقط، استنادا لتفسيرات منقولة بتتابع بين قدامى المفسرين، ويقترح بدلاً من ذلك أنها تشير إلى شجرة “نخيل الزيت” الاستوائية، التي تتميز بدهونها الطبيعية وصبغياتها الغنية بالفيتامينات. كما يناقش المؤلف موقع “طور سيناء” الجغرافي، متتبعًا الجدل القديم والحديث حوله وحول جغرافية التوراة بعموم متابعا ومناقشا لها، ومستنتجًا أن بيئته الاستوائية تتماشى بشكل أقرب مع سياق النص القرآني.

خلال مطالعة الكتاب نجد المؤلف ينتقل بنا بسلاسة ودقة بحثية ملحوظة بين السرديات الدينية والتاريخية المختلفة، بحثا عن حقيقة جبل الطور وجغرافيته المتخيلة لدى الكثير من الباحثين ورجال الدين العرب والمسلميين على وجه التحديد، ليس بغرض تأكيد أو نفي رواية بعينها ولكن استجلاءً للحقيقة بقدر الإمكان، حقيقة تساير العقل ولا تخالف النص الديني الصحيح. فتناول قصة خروج بني إسرائيل وما شابها من تأويلات مختلفة بين الصواب والأسطورة متتبعا خريطتها الجغرافية بين الأديان السماوية الثلاثة.

هذا الكتاب، هو كتاب يخلو من الأدلجة ومن الدعاية، قد ما يلتحم بالعلمي والإيماني، من مسلم كان تساؤله على نصه المقدس من منطلق تخصصه في علوم الفيزياء والأحياء، وسعى للإجابة دون تحيز مسبق ودون إجابات جاهزة، ليقدم اجاباته وتوصياته المنهجية التي تضيف لمعارف القارئ والقراءة والكتاب..

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات