ضحكة نصر أبو زيد: المفارقة والفرح والتراث.. د.وليد الخشاب… بقلم: محمود عماد
كتب عضو تحرير مجلة تفكير محمود عماد:
هذه تغطية لندوة د/ وليد الخشاب في موسم ندوات تفكير عن نصر أبو زيد بمناسبة مرور عقد ونصف على رحيله تقديم أ/ أسماء ذكي تحت عنوان ضحكة نصر أبو زيد: المفارقة والفرح والتراث.
محمود عماد

ألقى الدكتور وليد ندوة حول انتصار نصر أبو زيد، مؤكداً على أهمية الفكاهة والمفارقة في عمله. وناقش نهج أبو زيد تجاه النصوص المقدسة، وانتقاداته للحركات الإسلامية المحافظة، واستخدامه للسخرية لتسليط الضوء على التناقضات. كما تطرق وليد إلى منهجية أبو زيد في التعامل مع التراث، مؤكداً ضرورة مقاربته بمفاهيم معاصرة مع مراعاة السياق التاريخي. فقد صرح قبل الندوة أن خطته أن يتكلم عن مبدأ المفارقة وارتباطه بضحكة نصر، أو خفة دمه، سواء في كتابته أو محاضراته أو حياته، لكنه ركز على كتاباته الاجتماعية/ الثقافية مثل كتابته عن المرأة المعاصرة، دون إهمال كتابته عن التراث ومفهوم النص المقدس أو النص بشكل عام.
مقابلة نصر بصلاح جاهين
استهل وليد حديثه بوجود رابط في ذهنه عندما يتفكر فيمن يشبه نصر من الفنانين وقد أوجد تشابهاً بين نصر والشاعر صلاح جاهين من حيث شكل الجسم وخفة الظل وحبهما للحياة وعطائهما الذي لا ينضب.
المفارقة وعلاقة نصر بالضحك والفكاهة
يبين د/ وليد في مستهل حديثه أنه اختار كلمة المفارقة لوصف النكات التي كان يلقيها نصر في ندواته لانتقاد أفكار معينة واختيار كلمة المفارقة يأتي من كون الأمر يبدو وصف شيء في الواقع يقابله شىء مختلف تماما يقف على الشط المقابل في التصورات الذهنية لأصحابها وهنا تتجلى أهمية خفة ظل نصر الذي يختار بعناية مفارقاته لبيان فساد التصورات بطريقة ساخرة وذكية.
الفكاهة ليست الهدف الأهم في خطاب نصر
بالطبع يستخدم نصر المفارقة لأسباب كثيرة منها أن تكسر الحاجز بينه وبين جمهوره سواء في الندوات أو في محاضراته مع الطلبة، أو للرد على مخالفيه ومن يهاجموه كنوع من الافحام، ويستخدمها أيضاً كحلية وحيلة لإنشاء خطاب أكثر جذباً وامتاعاً لكن هدفه الأهم من استخدام الفكاهة وخفة الظل بحسب ما يقره وليد أنها سياسة الفرح والأمل لدى نصر أبو زيد.

اسبينوزا داخل مشروع نصر
مفارقة أخرى يلقيها د/ وليد بدوره هو الآخر حيث يقول أن مشروع نصر يتشابه بشكل كبير مع أفكار اسبينوزا بوصفه من أعلام نقد النص الديني ويتعجب من عدم ذكر نصر لاسبينوزا مطلقاً في أي من كتاباته، لكن يذكر أيضاً أن نقد النص الديني لم يكن يمثل بداية مشروع نصر الفكري رغم وجود هذا التشابه بين أفكار نصر واسبينوزا فهو حاضر داخل مشروع نصر بشكل واضح. غير أن الأمانة العلمية تقتضي التوضيح بأن انطلاق نصر كان من التراث العربي ودراسة عقلانية المعتزلة وليست نقد النص الديني مثل مشروع محمد أركون وجلال العظم على سبيل المثال.
نصر الأكاديمي المشتبك مجتمعياً
يوضح وليد أن نصر لم يكن مجرد باحث يعكف على البحث والتدريس وإنما كان يمثل حالة المثقف المهموم الذي يشتبك مع قضايا المجتمع من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية أيضاً وكان يكرس أبحاثه للتصدي لمشكلات المجتمع ومحاولة إيجاد حلول جذرية لها.
ما خلف ضحكة نصر
يرى وليد أنه لا ينبغي أن نتوقف أمام الطرفة أو النكتة الذي يطرحها نصر ولكن علينا أن نرى خلف هذه الضحكة احتفاء نصر بفكرة المفارقة: المسافة بين زمنين/المسافة بين مفهومين، وضرب مثال قاله نصر أبو زيد في ندوة كان بها عدد من المتحدثين وكان أخرهم فعندما جاء دوره قال “المقرء الأخير يا يحسن ختام الليلة يا يبوظها” في إشارة لتشبيه الأمر كما لو كانت جلسة من جلسات الإقراء.
مفارقة دوائر الخوف
ومثال أخر في كتاب دوائر الخوف الذي كان يشبه نظرة الإسلاميين للرأس مالية ب”القبلة” وكأنه يعبر بمفارقة التيارات الإسلامية وغيرها في مصر في فترة السادات أن الرأس مالية تحولت إلى دين بمفارقة وطرافة تبرز التناقض الواقع فيه أصحاب الإسلام السياسي. وأيضاً هناك مفارقة ثانية في ذات الكتاب حينما أطلق عضو مجلس شعب مبادرة لإعطاء المرأة راتب شهري في مقابل تركها للعمل وعودتها للجلوس في المنزل فقام بانتقاد هذه الدعوة ووصفها “بالردة عن النهضة” فهو يقوم بتشبيه تراثي خالص وهو الردة لكنه يستخدمها بشكل جديد ليس بمفهوم حد الردة عن الدين بل أنه اعتبر أن النهضة واجبة كالدين وأن هذه الدعوات تعد ردة -بالمعنى الحرفي لا الشرعي- عن النهضة والحضارة.
ضحكة نصر بعيون وليد الخشاب
يرى وليد أن نصر أبو زيد رحمه الله اتعرف بوصفه أستاذ أدب عربي متخصص في التراث وتعرض لحملة بسبب آراء اعتبرت وقتها -بتعبير بعض مهاجميه – تنكر المعلوم من الدين بالضرورة.
الحقيقة إن أطروحات نصر لم تكن أكثر جرأة من بعض الآراء المتداولة في بدايات الدولة المسلمة. يكفي أن نذكر إنه كان يدلل على أهمية تأويل النص
حفاظا على حيوته وعلى استمرارية تفاعله مع الحاضر, باسترجاع مناقشات تراثية مثلا عن فكرة النسخ في القرآن: إن آيات أحدث تنسخ آيات أقدم لتغير السياق أثناء مرحلة الوحي نفسه. لكن نصر كان يصر دائما على تأكيد مصدر الوحي الإلهي و لا يتوقف عند مبحث تغير بعض الكلمات حسب روايات وقراءات القرآن إلا في حدود رصد لأن اختلاف بعض الألفاظ في الرواية الفلانية عن الرواية العلانية للقرآن تستدعي ضرورة التأويل المصاحبة لتأسيس النص نفسه كمادة مجموعة بين دفتي كتاب هو المصحف.
بينما في عصور الدولة المسلمة الأولى كان في آراء تقيس على تأسيس الكتاب المقدس لا سيما العهد الجديد وتذهب إلى أن النص إلهي بروحه ومعناه وبشري بلفظه. ده رأي شديد الراديكالية بقدر أكبر بكثير من رأي نصر اللي كان يركز فقط على التأويل.
ومع ذلك, في زمن كانت الدولة تسمح بتسيد خطابات تخلط بين الدين والإيمان وبين آراء المذهب الحنبلي, كان مفهوم إن ناس تتصور إن نصر كان صادم ومحطم للثوابت.
نصر كان فقط مؤمن بنظرة غير سلفية وغير حنبلية. وده لم يكن ينفصل عن خفة دمه.
نصر كان يقدم المثال على موقف معرفي وأخلاقي محب للحياة ويبتهج بها. لهذا فقراءته للتراث -في زعمي- تنتهج سياسة الفرح وتمارس الأمل دون أن تنفصل عن التراث, وبالتأكيد دون أن تسعى إلى إحداث قطيعة معه.
لهذا سمّى محاضرته عن ضحكة نصر أبو زيد محاضرة عن الفرح والتراث وأوضح أن خفة الظل موقف معرفي من التراث وموقف أخلاقي من الحياة كما يتبدى في مشروع نصر أبو زيد.
أخيراً
فقد أكد أن ضحكة نصر جزء لا يتجزأ من موقفه السياسي والأخلاقي، لأن البهجة والفرح على النقيض من سياسات العبوس والتجهم السلفية ولأن المفارقة المضحكة عند نصر تجذب المستمع للتفكير في وجاهة طرحه للتراث كموضوع للتأمل النقدي والتاريخي والتأويلي وفي وجاهة انتقاده لاستخدام متحيز للتراث يهدف إلى تخويف المرأة وقهرها في القرن العشرين.
المناقشة والأسئلة
ناقشت أسماء ذكي مقدمة الندوة أفكارها وتجربتها حول كتاب دوائر الخوف الذي قرأته بترشيح من جمال عمر الكلام، مع التركيز على التناقضات في خطاب ما يسمى بالشخصيات المعتدلة وتجاربها الشخصية كعاملة. وعلق وليد على أهمية أدوار المرأة في المجتمع، مستفيداً من تجاربه الخاصة وأمثلته التاريخية.
ثم علق جمال عمر عن العلاقة بين الدكتورة ابتهال والدكتور نصر، والتي أوضح وليد أنها ناجمة عن الاهتمام المشترك بكتاب حول قضايا المرأة وتمثيلها في التراث الإسلامي. وركزت المناقشة على أهمية الفكاهة والصرامة الأكاديمية، حيث أكد وليد على كيفية تحقيق نهج مصر في التراث والتعليم التوازن بين الخبرة التقنية مع إمكانية الوصول واحترام الطلاب.

الموازنة بين الفكاهة والصرامة الأكاديمية
أبرز دكتور محمد عيسى دور الفكاهة في تدريس اللغة العربية كلغة أجنبية، مشيراً إلى فعاليتها في جعل المواضيع المعقدة جذابة وأهميتها في الحفاظ على التواصل مع الجذور الثقافية للمرء. وشدد كلا المتحدثين على قيمة دمج الفكاهة في البيئات الأكاديمية دون المساس بجدية الموضوع، بالاعتماد على التجارب الشخصية لتوضيح هذا التوازن.
إرث أبو زيد الفكاهي الفطري
وركزت المناقشة على حياة حامد أبو زيد وإرثه، لا سيما أسلوبه في الفكاهة والتعامل مع الناس. تبادل وليد ومحمد رؤى حول شخصية أبو زيد، مؤكدين قدرته على استخدام الفكاهة بشكل فطري مع الحفاظ على مساعي أكاديمية جادة. وناقشوا التناقض بين نهج أبو زيد ونهج الأفراد الأكثر محافظة أو متطرفة، مع تسليط الضوء على مزجه الفريد بين الفكاهة والصرامة الفكرية والمواقف الإنسانية. كما تطرقت المحادثة إلى الموضوع الأوسع المتمثل في “سياسة الفرح” وكيف يمكن أن تكون الفكاهة أداة لفهم التراث والتواصل مع الآخرين.
وركزت المناقشة على الفكاهة ودورها في المجتمع المصري، لا سيما في السياقات الدينية والأكاديمية. واستكشف الدكتور وليد وم. محمد ياسين كيف يمكن أن تكون الفكاهة أداة للتفاعل ووسيلة للنقد، حيث ناقشوا شخصيات مثل الشيخ كيشك ونصر أبو زيد. ودرسوا الاختلافات بين الفكاهة الشعبوية والأشكال الأكثر تطوراً، فضلاً عن التحديات التي يواجهها الأكاديميون في سد الثغرات بين الثقافة الشعبية والخطاب العلمي. كما تطرقت المحادثة إلى السياقات التاريخية والثقافية التي تشكل الفكاهة في مصر، مبرزة الحاجة إلى مزيد من استكشاف دور الفكاهة في التقاليد الدينية والفكرية.
للاستماع الي تسجيل صوتي للندوة علي راديو تفكير علي تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة عبر الرابط التالي
لمتابعة كل محاضرات موسم عقد ونصف علي رحيل نصر أبوزيد اضغط هنا
شارك المحتوى



اترك رد