عين نمرة وفرشاة جرَّاح..عرض كتاب هبة خليفة .. بقلم: منى حسنين

عرض الكتاب المصور “عين النمرة” للفنانة هبة خليفة بملامسة التجربة الشعوربة للكاتبة منى حسنين.

436961210_1109421293629929_2138419842192079444_n-e1769984607271-751x1024 عين نمرة وفرشاة جرَّاح..عرض كتاب هبة خليفة .. بقلم: منى حسنين

الطريق الوحيد للخارج يمر عبر الداخل، هكذا افتتحت هبة خليفة كتابها عين النمرة الصادر 2025 عن دار نشر وزيزو.

والكتاب هو مزيج من السرد الذاتي باللغتين العربية والإنجليزية، يتقاطع فيه النص المكتوب مع سرد بصري مبني على مجموعة صور مصنوعة بطريقة الكولاج التي اُستخدمت فيها صور عائلية.

65a6671a-d8ec-4afb-9cd9-e574436e02cf-1-240x300 عين نمرة وفرشاة جرَّاح..عرض كتاب هبة خليفة .. بقلم: منى حسنين
غلاف الكتاب

هبة خليفة هي فنانة تشكيلية تخرجت من كلية الفنون الجميلة، جامعة القاهرة لعام ٢٠٠٠، ولها مشروع سابق بعنوان صنع في البيت أو Homemade، الذي قامت فكرته على مشاركة مجموعة من النساء لذكرياتهن ومشاعرهن مثل الخوف ورهاب الجسد، ثم مشاركتهن في جلسات التصوير لترجمة تلك المشاعر لصور بصرية. 

“المشروع ده عملية قلب مفتوح، جراحة ذاتية، فتحت قلبي وخيطته.”

بهذه الكلمات لخّصت هبة خليفة مشروعها وهي تروي أحداث حياتها وتعرّي صدماتها النفسية بكل شفافية، منذ خروجها وهي ابنة الست سنوات من منزل “أهل أبيها” بعد وفاة الأخير، ورحلتها كأنثى في مجتمع شرقي حالها حال الكثير من نساء هذا المجتمع اللواتي يواجهن عالماً كأنه مصنوع خصيصاً لإلقاء التهم على نون النسوة، ويعامل كل من حمل لقب ذكر بأفضل الطرق.

“العار عمره ما اتشال من على جسمي، فضل موجود وبيكبر معايا.”

ifn-150x150 عين نمرة وفرشاة جرَّاح..عرض كتاب هبة خليفة .. بقلم: منى حسنين
هبة خليفة

تعبِّر رحلتها  باقتدار عن معنى الأنوثة المجروحة، التي طالما صاحبها الخوف لتجبر من تلبستها على الفرار، سواء بمحاولات الدخول في علاقات تعلقية قلقة، أو خلق عالم موازٍ خيالي لذلك الواقع كاستخدامها لدخان مياه الاستحمام الساخنة، أو حتى الاختباء خلف حجاب الرأس لستر عار الجسد.

ورغم خلع الكاتبة للحجاب أثناء رحلة بحثها عن أنوثة لا تخشى الظهور، لكن حسها الصوفي الظاهر في تلك المصطلحات التي تستخدمها مثل “التأمل” و”الامتنان”، كان – في اعتقادي – من أبرز محاولاتها للتوازن أمام كل هذا الضجيج، أو كما قال لها طبيبها النفسي: “التجارب التي تحملها روحها القديمة.”

“جوعي إني أتشاف.”

بالفعل استطاعت المؤلفة على حسب تعبيرها، أنها “تتشاف”، عندما خلقت من تلك الصور عالماً موازياً آخر كأنه ثقب دودي فتح سرداباً بين صور عائلية وأبعاد نفسية مستترة خلفها.

استخدمت فيه فن الكولاج والفوتومونتاج بتركيب صور من مصادر مختلفة في لوحة واحدة، وإضفاء روح سريالية غير واقعية على اللوحة وكأنها حلم.

أبرزت الفنانة من خلال صورها مفاهيم عدة، أبرزها – من وجهة نظري – مفهوم ضياع الهوية، سواء باستخدام صور قد مُحيت فيها ملامح الوجه تماماً، أو صور أخرى استُبدلت فيها الملامح بعناصر أخرى مثل قطعة دانتيل، وهي جزء تراثي منزلي قديم، وكأنها تعبر عن طمس الهوية خلف الموروثات.

كما أبرزت في أعمالها فكرة صراع الهوية الداخلي والخارجي عن طريق إظهار عدة ملامح للشخص ذاته في نفس الصورة، أو تمويه تلك الملامح، وكأنها محاولة لتوضيح طبقات نفسية أو إبراز تجربة نفسية معقدة على السطح.

من أكثر الصور التي لفتت انتباهي عمل يجمع ما بين أريكة قديمة معروفة بتراثيتها – حيث احتوت أغلب البيوت القديمة على مثل تلك الأريكة – وقد نُثرت عليها مسامير، مما حمل في طياته تناقض الشعور ما بين الأريكة المريحة والمسامير المؤلمة.

مسامير-على-الكنبة-هبة-خليفة عين نمرة وفرشاة جرَّاح..عرض كتاب هبة خليفة .. بقلم: منى حسنين

كتاب عين النمرة فتح لي شخصياً بوابة زمنية كنت أظن أنني قد أوصدتها منذ عقود؛ بوابة من الألم الممزوج بمشاعر رفض مجرد التفكير في أشباح الماضي. في مجتمع لا نستطيع إنكار أن أغلب نسائه قد واجهن نفس التحديات والظروف. أعترف أنني في البداية تجنبت النظر للصور كاملة، وكأنني أحاول إيقاف نهر من مشاعر الألم والخذلان. ثم ما لبثت أن تلبست عين النمرة، والذي – بالمصادفة – كان والدي ينعتني بلفظ شبيه لها، أن لي “عين جئرة”، والتي لا أعرف من معناها سوى أنه كان يطلقها عليّ لأن عيوني على حسب قوله “لا تنكسر” وهو يشابه السبب الذي أطلقت عائلة هبة خليفة ومدرسها عليها “عين النمرة” لانها هى أيضاً لها أعين لا تعلن الخضوع، المهم أني تلبست تلك العيون ونظرت للصور كاملة دون أن أجفل.

آلمتني صورة الأريكة المغطاة بالمسامير وكأنني سقطت فى حضن مليء بالأشواك. فجعتني صورة رأس الفتاة المحجبة المزروعة على جسد أنثوي مرسوم، وذكرتني بسنين من فكرة نكران الجسد. وتلك الأقدام الواقفة على شاطئ بحر تتدرج ألوانه ما بين الأحمر والبرتقالي وكأنها تقف على حافة صدمات مرحلة  البلوغ.

تلك المشاعر التي استطاعت الفنانة إيصالها بقوة بمشروعها الذي تجاوز حدود التجربة الذاتية  لا تعبر سوى عن قدرتها الكاملة على فتح ثقب في الباب السري الذي تخفيه كل أنثى بداخلها.

عن برنامج حواديت الشارع مع أكمل صفوت اضغط هنا

انضم مع 82 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات