في مطبخ نصر أبوزيد… الخطاب والتأويل (٢)

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 في مطبخ نصر أبوزيد... الخطاب والتأويل (٢)

يتناول نصر أبوزيد محاولة المفكر الجزائري محمد أركون لبحث خصوصية اللغة الدينية، مع الاعتراف بصعوبة الفصل بين هذا الجانب والجوانب الأخرى في مشروع محمد أركون الفكري المركب والمتشابك. وينطلق هذا البحث من نقطة بداية هي قدرة اللغة الدينية على تحويل الاجتماعي التاريخي إلى مطلق أزلي عابر للزمان والمكان. ويتم ذلك البحث عبر تحليل آليات تلك اللغة التي تُمكنها من إحداث هذا التحول، لإنتاج ألسنيات/دراسة علمية للغة خاصة بها ومفهوم جديد للتيولوچيا/اللاهوت.

يقدم محمد أركون مشروعه على أنه يتجاوز ثنائية الخطاب الاستشراقي/الخطاب الإسلامي، فهو لا يقدم خطابًا حياديًا موضوعيًا كما يدّعي المستشرقون وكأن الفصل بين الباحث وموضوعه ممكنًا! ولا يقدم خطابًا أيديولوچيًا يتمسك بآليات الفهم والتحليل الكلاسيكية كما يفعل الخطاب الإسلامي. وإن كان لا ينكر قيامه ببعض الترضيات التي يعلن استعداده للتخلي عنها إذا انكشفت له أيديولوچيتها. وهي شجاعة يعتبر أبوزيد أنها الضمانة لعدم وقوع الباحث في فخ الأيديولوچيا بإبراز جانب النقد الحر في خطابه. يعي أركون وفقًا لنصر أبوزيد أهم شرطين من شروط إنتاج المعرفة: الأول هو الوجود الاجتماعي للمفكر وهو في حالة أركون مجتمع مسلم يعيش داخل المجتمع الأوروبي، وهو ما جعله ينظر للإسلام في سياق أوسع هو “مجتمعات الكتاب”. والشرط الثاني هو استخدام أفضل طرق الاجتهاد المتاحة في عصره. ينطلق مشروع أركون من التضامن مع الإسلام بوصفه مرجعية المجتمع الذي يعيش فيه، وذلك عبر ثلاثة مستويات:

  • المستوى الأول: هو المستوى النقدي، حيث ينقد الخطاب الإسلامي والاستشراقي، وكذلك خطاب التنوير العربي لاعتماده على العقلانية الوضعية الأوروبية التي ينقدها أركون من منظور المنهجية العلمية المعاصرة على أساس عدم التناقض بين العقلي والأسطوري.
  • المستوى الثاني: قراءة التراث قراءة نقدية بهدف إعادة موضعته في التاريخ للفصل بين الاجتماعي التاريخي والمقدس.
  • المستوى الثالث: قراءة القرآن قراءة تزامنية مضادة للقراءة الإسقاطية المستمرة في الفكر الإسلامي حتى الآن. وهي تناقض القراءة التجزيئية أيضًا؛ لأنها تنظر إلى القرآن في كليته بهدف اكتشاف آليات اللغة الدينية وطرق عملها.

ورغم تأكيد أبوزيد على صعوبة الحكم على مشروع أركون المتعدد الاتجاهات والغير مكتمل، لكنه يعتبره خطاب محافظ على طابعه الكلاسيكي، يستخدم أدوات متخلفة عن أدوات العلوم المعاصرة في الوعي الغربي. كان للخوف من تطبيق مناهج البحث العلمي في تطوراتها المعاصرة على مجال الفكر الديني أثره في جعل أركون دائمًا في حالة حذر؛ بسبب رغبته في الوصول إلى عقل القارئ المسلم وقلبه معًا.

لأن مفهوم التاريخية يتعامل مع النص مجزءًا ومرتبطًا بوقائع تاريخية أدت إلى تكونه على مدار بضع وعشرين سنة، بينما القراءة الكلية تتعارض مع ذلك المبدأ. لذا يعتبر أبوزيد أن كلية النص من حيث هي كلية ثابتة في طبيعته ربما كان من ضمن الترضيات التي تحدث عنها أركون.

بالتأكيد كان لاستخدام القرآن المجاز أثرًا في اكتساب اللغة الدينية رمزية قابلة دومًا للانفتاح عبر دائرة التأويل. لكن أركون توسَّع في فكرة كلية النص ليجعلها تشمل تحول النص إلى تلاوة تعبدية وشعائر دينية. كما أنه يرفض التفرقة المعروفة بين المكي والمدني، ويعتبر سورة التوبة استثناءً من الطابع المجازي للغة الدينية.

إن مفهوم الكلية يفرض نفسه على أركون ليحعل النص متجانسًا عبر استخدام اللغة الدينية للمجاز، نافيًا عنه أي توتر، وهو ما يتعارض مع القراءة التاريخية ليسقط في فخ القراءة الإسقاطية. وهو نفس ما حاولت أن تقوم به القراءات المتعددة للنص القرآني لإزالة تعارضات دلالية بين بعض أجزاء النص عبر التأويل، وإن اختلفت حول مركز إنتاج الدلالة والمعنى.

يعتبر أبوزيد أن أركون وضع يده على أهم آليات اشتغال اللغة الدينية، عبر تحويل التاريخي إلى مطلق باستخدام المجاز، وذلك بفضل منهجية من الألسنية والسيميولوچيا، لأنها تتعامل مع الإنسان ككائن منتج للمعنى ومستهلكًا له في الوقت نفسه، لكن أركون كانت تسيطر عليه خصوصية اللغة الدينية في تجاوزها للغة التوصيل، فلا يمكن اختزالها إلى مجرد لغة عادية أو حتى لغة أدبية. تتجلى هذه الخصوصية في استخدام تلك اللغة في الشعائر الدينية، منتجةً مجموعة من الحقائق الدالة لا يمكن تجاهلها.

لكن هل هذه الخصائص قاصرة على اللغة الدينية؟ الواقع يوضح أن كل نظام لغوي ثانوي قادر على إنتاج دلالاته الخاصة، متجاوزًا دلالة المنطوق اللغوي. الأناشيد الوطنية والشعارات السياسية وعبارات التحية والوداع كلها تتجاوز دلالتها دلالة ألفاظها. دعني أقل لك كلمة واحدة: “تحيا مصر”. وماذا إن قلتها ثلاث مرات؟ ألن تختلف دلالتها في عقل المتلقي؟ ألم تختلف دلالتها من عام ١٩١٩ إلى عام ٢٠٢٦؟

إن ما يميِّز اللغة الدينية عند أركون هو قوتها المستمدة من طابعها التيولوچي المحدِد للسيادة العليا التي تنبثق منها كل مشروعات السيادة في المجتمعات الكتابية، وخاصةً الإسلامية. هذه القوة يضيفها المجتمع المؤمن بمصدر تلك اللغة المفارِق في محاولة لتأسيس مشروعيته وهويته من تلك القوة العليا. وفي إطار المعركة على تلك المشروعية، تكتسب اللغة الدينية قدرة هائلة على الحشد. ونتيجة لهذا الصراع، أصبح تجديد التراث رفاهية، وتم الاكتفاء بمنهج أصول الفقه لرسم حدود التراث التي يمكن التحرك في إطارها، وهي منهجية تعجز عن استيعاب أي جديد أو مبتكر، لذا وجب تجديدها بشكل جذري.

يرى أركون أن التيولوچيا يجب أن تخضع للمناهج والقواعد التي يتم تطبيقها على أي معرفة علمية، وأن ذلك لن يتحقق إلا بدراسة الوحي وفق معطيات جديدة. والتيولوچيا هنا لا تقتصر على التيولوچيا الإسلامية، بل تمتد لتشمل تيولوچيا الكتاب التي تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، لكن ماذا عن كتب الأديان الأخرى خارج دائرة السامية؟

يرى أبوزيد أن الجواب يكمن في كون أركون باحث ككل الباحثين، هو كائن اجتماعي لا ينتج خطابه في الفراغ، ومهما بلغت درجة وعيّه فهناك خطابات أخرى تمارس عليه دور الرقيب وتحاول أن تضع له الحدود التي يتحرك في إطارها. وهاجس أركون المسيطر هنا هو وضع أسس التعايش بين الخطابات الدينية الثلاثة من جهة، وبين الخطاب الإسلامي السائد والخطاب العلمي لأركون من جهة أخرى، ليتحرك أركون بأدوات التحليل العلمي طبقًا لمنهجيات العلوم المعاصرة، محاولًا في الوقت نفسه الحفاظ على القوة الرمزية للغة الدينية. وما يُحسب له هو إدراكه واعترافه بتلك الهواجس.

1000044615-1-211x300 في مطبخ نصر أبوزيد... الخطاب والتأويل (٢)

يعتبر نصر أبوزيد أن جذور أزمة الثقافة العربية وُضعت في الماضي، حيث العقل العربي محصور بين طرفي كماشة تمنعه من الإنتاج الحر للمعرفة هما: سلطة النص الديني والسلطة السياسية الحاكمة. وتعود هذه الجذور إلى الصراع العلوي الأموي ورفع المصاحف للاحتكام إليها لحسم المعركة، فتحول الوعي بالصراع من الاجتماعي السياسي إلى صراع حول إدراك المعنى في النصوص الدينية بتأويلها. لكن هذا السلوك الأموي يجد جذورًا أعمق في سقيفة بني ساعدة، فبعد توحيد السلطة الدينية والسياسية في شخص النبي، وجد المسلمون أنفسهم بلا وحي مباشر يجيب أسئلتهم ويحكم بينهم. وهو ما فتح الباب لعودة الصراع الهاشمي/ الأموي الذي كان موجودًا قبل الإسلام، رغم محاولة الإسلام في عصر النبي إنهائه، وإنهاء كل صراع قبلي بتوحيد الجميع خلف راية واحدة.

عاد الصراع للظهور في عهد عثمان، الذي حرص على القضاء على تعددية النص بإلغاء كل القراءات لحساب قراءة قريش، وأسس للحكم الثيوقراطي عندما اعتبر الحكم السياسي قميص ألبسه الله إياه لا يجوز خلعه. واستثمر معاوية في ذلك برفع راية الثأر لعثمان استنادًا للأية “وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا”. وما أن تمكن من السلطة السياسية حتى جمعها إلى سلطة النص الديني، وهو الدرب الذي سار عليه الحكام من بعده، وأدى ذلك إلى جعل النصوص الدينية هي الإطار المرجعي الأول والأخير لكل القوى الاجتماعية والسياسية، وظل تأويل النصوص في اتجاه السلطة السياسية تأييدًا أو معارضة. وأصبح النشاط العقلي هامشيًا بل وتبريريًا يحاول إيجاد مرجعية دينية نصية لمواقفه الفكرية.

رغم ظهور بعض التيارات العقلانية إلا أنها ظلت على الهامش، وحين تمكنت من الوصول للمركز -كالمعتزلة في عصر المأمون- تحولوا إلى التواطؤ مع السلطة لفرض عقلانيتهم بأدوات قمعية لا عقلانية. هذا التحول لم يكن طارئًا فرضه الوضع السياسي، بل كان كامنًا في خطابهم بفعل الطبيعة التبريرية للمنهج العقلي الاعتزالي. كان ذلك بسبب صياغة نظام الحكم السياسي كامتداد للوحي والنبوة في شكل الخلافة، فعجزت العقلانية الدينية عن تأسيس رؤية عقلانية حقيقية للعالم والواقع والإنسان، تتجاوز تأويل النصوص الدينية. لم تكن التبريرية والتواطؤ السياسي سمة الفكر الديني فقط، فلم تنج منه التيارات العلمانية العربية في عصرنا الحديث، فاستخدم القوميون الدين بشكل أيديولوچي لضمان تأييد العامة، ومساجلة السلفيين. ولم يؤسسوا موقفًا منه بشكل علمي. واستخدم اليسار الدين لتبرير الاشتراكية العربية، وفي الخطاب السياسي المعاصر لا يختلف الموقف من مرجعية النصوص مع خصومهم السلفيين، فالدين مرجع لكل الاتجاهات، والاختلاف في التأويل فقط، وهو تأويل لا يتصل بالواقع لينتج حلولًا لمشاكله.

الحل لكل هذا التبرير والتردد والتواطؤ هو التحرير، تحرير العقل من سلطة النصوص لإنتاج المعرفة بالواقع وبالتراث، وبالسلطة بذاتها.

نحن نعاني من انقطاع في بنية الذاكرة بسبب تدَّخل السلطة بطابع أيديولوچي دائمًا لمحو القديم وإثبات الجديد نقيضًا وبديلًا له، ولا نجد هذا في تاريخنا العربي أو الإسلامي فقط، بل حتى في تاريخ مصر القديمة، بسبب توحد السلطتين السياسية والدينية. وربما نجد ذلك في واقعنا المعاصر أيضًا في محاولات “الكيميتين” محو جزء من ذاكرتنا وإثبات جزء واحد فقط، لولا أنهم لا يمتلكون السلطة لفعل ذلك، حتى الآن.

كانت عمليات المحو والإثبات تتم على كل المستويات؛ بهدف حسم الصراعات، فلا أوضح من انتصار يلغي وجود الآخر تمامًا في الحاضر والماضي. وكما كان انتقال السلطة لا يحدث إلا بالقوة العسكرية، كان انتقال الفكر يحدث بالقوة، ليلغي أفكارًا ويضعها على الهامش، كأن لم تكن. وزاد من تعقيد المشهد التحدي الثقافي الأوروبي، الذي أدى لظهور تيارين: أحدهما يتبنى مفهوم التقدم على الطريقة الأوروبية، والثاني لا يرى التقدم إلا بالرجوع إلى الماضي حيث النسخة النقية الصحيحة من الإسلام. أدى ذلك إلى انفصام في الشخصية، وأوجد من كل شئ نسخة إسلامية تواجه نسخة مدنية “غير إسلامية”، فهناك تعليم إسلامي، واقتصاد إسلامي، وزواج إسلامي، وامتد للعلوم والفنون والآداب. وهكذا يبدأ التاريخ عندنا دائمًا من نقطة الصفر، وتتوقف الذاكرة عن أداء دورها بفعالية، نتيجة رفض التعددية السياسية والفكرية، وفرض نمط وحيد مقبول مع كل مرة يبدأ فيها دورته الجديدة. والحل جلي أمامنا، تحرير العقل وقبول التعددية، وترك الذاكرة تقوم بدورها بشكل طبيعي لا فوقي مفروض عليها.

يبدأ نصر أبوزيد الحديث عن الخلافة من رسالة المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، تأكيدًا على أن إشكالية الخلافة ظلت حاضرة في الفكر الإسلامي المعاصر رغم اختفاء المنصب. ويشير إلى موقف الأزهر من التطرف الذي تغيَّر بين عام ١٩٧٧ حين قُتل أحد علمائه -الشيخ الذهبي- وعام ١٩٩٢ حين قُتل فرج فودة، ولم يصدر أي بيان للإدانة، وعلاقة كل ذلك بالنفوذ السعودي في المنطقة والدور السياسي الذي يطمح “خادم الحرمين الشريفين” إلى الاضطلاع به. كان هاجس استعادة الخلافة هاجسًا حاضرًا في خطاب الإسلام السياسي، عبَّر عنه الشيخ يوسف القرضاوي في تقرير شارك في صياغته الأستاذ طارق البشري حيث اعتبر تنصيب الإمام أو الخليفة واجب شرعي، وهو الذي ينوب عن الرسول في إقامة الدين وسياسة الدنيا به.

يفرّق نصر أبوزيد بين قرارين: الأول هو إلغاء الخلافة الذي قوبل بهجوم كبير، والثاني هو القرار الذي سبقه بفصل السلطة الدينية عن السياسية بفصل السلطنة عن الخلافة، والذي قوبل بارتياح في العالم العربي والإسلامي. والحقيقة أن العالم العربي والإسلامي عاش حالة انفصام لفترة زمنية طويلة حتى اعتاد عليها، وتتمثل هذه الحالة في خليفة لا يحكم ولا سلطة له، يصبح مجرد رمز أو صورة تجمع المسلمين، يتم الدعاء لها في صلاة الجمعة، و حاكم فعلي بيده السلطة السياسية ومقاليد الحكم الفعلية. وهو ما يعني أن ما فعله الكماليون بفصل السلطة الدينية عن السياسية لم يكن بدعة. أما قرار إلغاء منصب الخلافة -الشرفي- فأثار الغضب العاطفي لدى المسلمين، واعتبر تيار الإسلام السياسي أنه فرّق وحدة المسلمين، الوحدة المتوهمة التي لم يكن جمعها سوى رمز ليس بيده من الأمر شئ على مدار قرون، انتهت باحتلال تركيا بعد الهزيمة في الحرب العالمية الأولى.

بدأت مسألة الخلافة بعد موت النبي مباشرةً، وقسَّمت المسلمين إلى ثلاثة أقسام: الأول هو أبوبكر وعمر وعبيدة بن الجراح، والثاني هو علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومعهم بنو هاشم في رواية، والثالث هو الأنصار من أهل المدينة بقيادة سعد بن عبادة. دار النقاش في سقيفة بني ساعدة في إطار الأحقية الدنيوية، فقدَّم كل طرف مزاياه بين نصرة الإسلام والقرابة من رسول الله والانتماء لقريش. وتمت البيعة لأبي بكر وهي ما وصفه عمر بأنها فلتة، لإدراك عمر المخاطر التي كان من الممكن أن تحدث. وجاء عمر بالتعيين المباشر بعد مشاورة أبي بكر لاثنين من الصحابة هما: عبدالرحمن بن عوف وعثمان بن عفان. ثم جاء عثمان بشكل جديد ابتكره عمر بن الخطاب لاختيار من يخلفه عبر مجلس من ستة من الصحابة بهدف منع أي فرصة لحدوث خلاف، ليختار عبدالرحمن بن عوف في النهاية عثمان بن عفان خليفة. ثم جاءت بيعة علي بن أبي طالب بلا إجماع من المسلمين حيث عارضها منذ البداية معاوية ومن معه، ونقضها بعض من بايعوه وحاربوه بعدها، لينتهي الأمر إلى سيطرة معاوية بن أبي سفيان على زمام الأمور، بعد تنازل الحسن بن علي له، ليتحول النظام السياسي إلى نظام ملكي وراثي. هذا يعني أن تاريخ الخلافة كان تاريخ لنظام سياسي لا علاقة له بالدين، قام على موازين القوى الاجتماعية والقدرات السياسية والعسكرية، إلى جانب الاجتهاد البشري وفق المتاح من معرفة وخبرة تاريخية ثقافية.

بدأ تحول الخلافة من شأن إنساني إلى شأن ديني مع عثمان بن عفان عندما اعتبرها رداءًا ألبسه الله له، في حين يصرخ مروان بن الحكم في الثوار بأنهم جاءوا لنزع الملك من بين أبديهم -بني أمية-وأن ذلك لن يحدث. إنه صراع سياسي منذ البداية، وجد في الستار الديني فرصته لتأكيد المشروعية للانتصار على الخصوم، وهو ما جعل الشيعة يبتكرون مفهوم الإمامة ويربطونها بالنص عبر تراث متراكم يدعم حقهم في السلطة، ليواجههم خصومهم بتراث آخر تراكم بالاستناد إلى القرشية ثم الارتباط بأهل البيت عبر العباسيين.

مع ضعف سلطة الخلفاء السياسية وسيطرة العناصر العسكرية على الحكم، تبقت له السلطة الدينية الرمزية التي بقيت رمزًا في الخيال المسلم الحالم، ليصبح المساس بها كفرًا وتبعيةً للغرب الاستعماري. ومن ينظر نظرة عميقة متجردة يستطيع أن يرى أنها كانت انعكاس لفكرة الإمامة في مرآة التشيع، وهو ما ظهر جليًا في تنظير الغزالي لتأصيل خلافة المستظهر بالله -الشكلية- وسط سيطرة السلاجقة على مقاليد الحكم في مواجهة الشيعة الإسماعيلية. حيث انتهى الغزالي إلى اعتبار اختيار الخليفة هو اختيار إلهي حتى لو عن طريق رجل واحد أمال الله له القلوب، في مقابلة واضحة مع مبدأ الإمامة عند الشيعة الإسماعيلية. بهذا يؤكد نصر أبوزيد أن حل إشكالية الخلافة ليس بالأسانيد الشرعية، بل بالبحث في التراث الإسلامي لنرى كيف كانت أمرًا سياسيًا دنيويًا يتخذ من الدين ستارًا له كي يؤسس الأشخاص به شرعية سلطتهم، وأن الإجماع الذي يثبت وجوب تنصيب الإمام لا يرجع إلى نص شرعي، ولكن إلى قاعدة عقلية هي دفع الضرر، وإن استوعبتها الشريعة. وأننا لو ركزنا على العدل كواحد من مقاصد الشريعة، لأدركنا أن أمر اختيار السلطة وشكلها مرتبط بمتغيرات الزمان والمكان.

كانت الخلافة شكلًا تاريخيًا، تحوَّل في مخيلة المسلمين أثناء مرورهم بلحظات انكسار متتالية إلى مثل أعلى، وتيقنوا بأن خروجهم من لحظة الانكسار مرهون باستعادته، بالرغم من أنهم لو أمعنوا النظر في مراحل الخلافة التاريخية، لأدركوا أنها كانت منصبًا صوريًا في معظم فترات التاريخ.

يفتتح أبوزيد هذا الفصل بمقولة علي بن أبي طالب “القرآن بين دفتي المصحف، لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال”. وهي المقولة الحاضرة في أغلب أعمال نصر أبوزيد لدلالتها المركزية، وسياقها التأسيسي لما بعده، والذي تم اختزاله في الخطاب السلفي التقليدي في أنه فتنة أو بالعامية “ساعة شيطان” السكوت عنها أفضل، رغم أن هذه الساعة صاغت شكل الحياة والسلطة في قرون بعدها، وربما كان في دراستها بداية لإدراك الطريقة الأفضل للتعامل مع التراث.

يتحدث نصر عن مصطلحي التفسير والتأويل، وكيف أن البداية كانت مع التأويل الذي ورد في القرآن أكثر من عشر مرات مقابل التفسير الذي ورد مرة، إلى أن انتهى الأمر باكتساب التأويل دلالة سلبية في مقابل دلالة محايدة مفضلة للتفسير. يعتبر السيوطي أن التفسير هو شرح المعاني المفردة لغويًا، بينما التأويل هو استنباط دلالة التراكيب بما تتضمنه من حذف وإضمار وغيرهما. بينما الآن اتسع التأويل ليتناول إلى جانب النصوص الدينية كل العلوم المعرفية، وصارت التأويلية تعبيرًا عن قراءة أي ظاهرة تاريخية أو إنسانية بوصفها بناءً معقدًا من العلاقات تتضمن عناصر الذات والموضوع والسياق ونسق العلامات والرسالة. وتتفاعل هذه العناصر مع بعضها تفاعلًا يظهر عليه التوتر دون أن يخفي أحدها الآخر.

يوجد لدينا الآن ثلاث فرق رئيسية فيما يتعلق بالنظرة للتراث:

  • فريق يرى التراث شبح من الماضي عاجز عن مخاطبة مشكلات حاضرنا، مثال على ذلك قضية الحرية التي كانت في الماضي تتعلق بالبعد الديني بين الجبر والاختيار، بينما الآن أخذت الحرية أبعادًا جديدة قومية واقتصادية وحتى تكنولوچية مع السيطرة على وسائل الاتصال ونقل المعلومات. الحل هنا هو الانقطاع المعرفي التام عن التراث، وإقامة عازل بين الحاضر والماضي، وكأن هذا ممكن أصلًا.
  • فريق مضاد للفريق الأول، لا يميِّز بين الإسلام والتراث، حيث التراث إنجاز مقدس لا يجوز المساس به إلا تعظيمًا وفخرًا به. بصرف النظر عن أي تفرقة نظرية يقدمونها عند السجال مع الآخر، تظهر حقيقتها في التعامل مع أي منتج لا يتعامل مع مكونات التراث بالأدوات التقليدية. يستشهد أبوزيد بموقفهم من قضية “الاستواء” للتأكيد على أن علاقتهم بالتراث علاقة ترديد دون إفادة، فيقفون ضد أي تأويل عقلاني تراثي للآيات، مكتفين بترديد القول التراثي ” الاستواء معلوم والكيف مجهول والحديث عنه بدعة”، ويتساءل أبوزيد: لماذا يكون هذا القول التراثي دينًا؟ ولماذا هو مرجعية في مقابل أقوال تراثية أخرى؟ أو بشكل عام ما الذي يجعل قولًا من التراث دينًا وقولًا آخر ينتمي لنفس التراث هرطقةً؟ من خلال إعادة قراءة التراث في سياقه التاريخي نجد المتأخرين من العلماء بعد القرنين الرابع والخامس الهجريين يضعون حدودًا للفصل بين الرأي المقبول والرأي المذموم في التأويل، بوضع اجتهادات المسلمين من غير فقهاء أهل السنة والجماعة في دائرة الرأي المذموم المُحرّم، بينما الرأي المقبول خالصًا لهم. يعتبر نصر أبوزيد أن إشكالية تأويل القرآن نابعة من تجدد الحياة وحركتها مع ثبات منطوق النص. وقد حاول علماء الأصول حل هذه الإشكالية بمقولة “عموم اللفظ وخصوص السبب” فجعلوا عموم اللفظ قاعدة للفهم، وخصوص السبب قاعدة للقياس، لكن هذا الحل لم يتمكن من التعامل إلا مع آيات الحدود والشرائع التي تمثل أقل من سدس القرآن. على جانب آخر، حاول العقل المعتزلي مواجهة الإشكالية على مستوى آخر هو العقيدة، واعتمدوا على المجاز لحل الإشكالية على المستوى الظاهر، واعتمدوا على القياس -قياس الغائب على الشاهد- لإدراك مخالفة المطلق للمحدود من كل وجه. فصاغوا “العدل” و”التوحيد” كتأويلات عقلية توازن بين المعاني الدينية والعقلية، لكنهم واجهوا -ومعهم الفلاسفة والمتصوفة- معارضة الفقهاء ورجال الحديث. وبالعودة لمثال “الاستواء” فالمعتزلة يعتبرونه مجازًا، فلا عرش ولا استواء بمعنى الجلوس عليه، فالله ليس كمثله شئ. أما القول التراثي بأن الاستواء معروف والكيف مجهول والحديث عنه بدعة، فهو يحمل تناقضًا على عدة مستويات، فكيف نعرف شيئًا لا يمكن إدراكه سواء بالحس أو الخيال؟ وما علاقة الاستواء في الجملة التراثية كمفهوم ذهني، بالاستواء في الآية القرآنية كمفردة لغوية يُدرك معناها من خلال وجودها في تركيب لغوي وهو الجملة وسياقها؟ وكيف نُدين الحديث عن الاستواء رغم أن الآية القرآنية تحدثت عنه؟ يعتبر أبوزيد أن جزء من القيمة التي استقرت في العقول لقول تراثي مثل ذلك، يرجع إلى الإيقاع التنغيمي الثلاثي الذي يوهمك أنها تقول شيئًا، لكن في الحقيقة هدفها ألا تقول أنت أي شئ.
  • الفريق الثالث هو فريق التوفيق واستلهام التراث، الذي ينتهي إلى انتقاء عناصر فكرية من هنا وهناك والتلفيق بينها، لصناعة بناء واحد يصلح للحاضر. المشكلة هنا أن معيار الانتقاء هو المنفعة كمعيار لصحة الأفكار. فيتحول مجال الفكر إلى “سوق حرة” ويصبح الحديث اقتصادي أكثر منه معرفي. وفي هذه السوق يكسب أنصار شعار “الإسلام هو الحل”؛ لأنهم الأكثر قدرة على الترويج لسلعهم من خلال الإعلام الحكومي الذي يحاول منافستهم، ومنابر المساجد، ومستوى الوعي المتدني للجماهير. إذا كانت الفكرة صحيحة لأنها نافعة، يكسب أصحاب الشعار المخادع؛ لأنهم يبيعون سلعة رائجة ملائمة لسوق تقليدية، طال فيها التقليد حتى أصبح دينًا وعقيدة. في حين تكسد سلع تراثية أخرى كإنتاج المعتزلة وابن رشد وغيرهما. في هذه السوق الصراع أيديولوچي وليس فكري في مناخ حر.

ينطلق كل فريق من رؤية مختلفة للتاريخ والزمن، ففريق القطيعة ينطلق من مفهوم ينفصل فيه الحاضر عن الماضي انفصالًا تامًا، بينما تيار “الإسلام هو الحل” يرى في الحاضر تراجع واضمحلال والماضي نقطة كمال يجب العودة إليها، أما فريق التوفيق فهو يرى الحاضر نقطة التقاء الماضي بالمستقبل، لكنه يظل مسكونًا بهاجس التراث/الماضي الأكثر حيوية وهاجس الآخر/الغرب الذي يريد القضاء على الهوية.

يرى أبوزيد أن السبيل للتعامل مع التراث هو تغيير الشروط العلمية المعرفية وتحريرها، ليصبح التراث مجالًا للدرس العلمي النقدي، الذي يستنبط دلالة التراث في سياقه الاجتماعي التاريخي، ويميِّز بين المعنى السياقي التاريخي الذي يخاطب حاضره/ماضينا والمغزى الكلي العام الذي يخاطب مستقبله/حاضرنا. فيتوسع مفهوم التراث ليشمل التراث الإسلامي وما يتضمنه من تراث قبل إسلامي وغير إسلامي، والتراث الواقع في نطاقنا الجغرافي ونطاقات جغرافية أخرى لما يُسمى العالم الإسلامي. ويظل سؤال التراث مفتوحًا لأن أسئلة الحاضر والمستقبل تعيد صياغة أسئلة الماضي، فلا شئ مكتمل ولا شئ مغلق، إلا عقول البعض منا.

إن أزمة العالم الإسلامي المعاصر أن التحدي الذي واجهه كانت مرتبطًا بعوامل خارجية هي الاستعمار والإمبريالية. المشكل هو أن الاستجابة لذلك التحدي كانت رد فعل أكثر مما هي فعل. في حالة الفعل يكون التأويل مرتبط بالأفق المعرفي للمفسر، وسياق النص محل التأويل. إنها عوامل داخلية مرتبطة بالزمنين محل التفاعل، أما في حالة رد الفعل فيكون للعناصر الخارجية تأثير كبير في إرباك السياق الموضوعي لعملية التأويل. وقد كان للتحدي الأوروبي تأثيره على العالم الإسلامي، ليس بدايةً من القرن الثامن عشر فقط بل بدأ في القرن الحادي عشر مع الحملات الصليبية. وبينما لم يكن تحدي الحملات الصليبية بنفس القدر من التركيب والتعقيد الذي كان عليه تحدي الاستعمار الإمبريالي، كان لهزيمة الحملات الصليبية أثرها في محدودية تأثيرها المنتقل عبر الزمن، بينما كان للهزيمة الشاملة أمام الغرب الاستعماري أثرها الممتد.

أهم عناصر التحدي التي فرضها الغرب الاستعماري هي عنصر الدين، من خلال اتهام الإسلام بأنه سبب رئيسي في تخلف العالم العربي والإسلامي. أدى ذلك إلى توجه الإصلاحيين إلى اعتبار المشكلة هي سوء فهم المسلمين للإسلام، وتركز جهدهم على تقديم قراءة عقلانية للنصوص تستوعب النافع من المنجز الأوروبي. أي أنها كانت قراءة انتقائية نفعية. في حين اعتبرت الحركات السلفية أن الإسلام معطى جوهري ثابت المعنى، لا يقبل الاختلاف أو التعدد. وأن المشكلة هي ابتعاد المسلمين عن دينهم.

المحصلة هي ارتباط مفاهيم التخلف والتقدم بالدين، ليتحول الدين من عنصر من عناصر الهوية إلى الهوية ذاتها. وتحول الصراع إلى صراع بين إعادة تشكيل المعنى باستخدام الفكر وإعادة تشكيل الواقع باستخدام القوة الخطابية وقوة السلطة والإرهاب.

أدى غياب الوعي بنفي الارتباط الشرطي بين الدين والتخلف عند الغالبية إلى سيادة خطاب الإسلام ثابت المعنى مطلق الدلالة، الذي يحتاج لقوة السلطة لفرضه على الناس. ما أدى لشن حرب بأسلحة التكفير والوصم بالعلمانية كمرادف للإلحاد، ثم استخدام الأسلحة الفعلية مع المخالفين. هذه العسكرة تحتاج إلى طرف مقابل لديه القوة العسكرية وهو أمن السلطة الحاكمة. وساهم في إعطاء المشروعية لهذه العسكرة نموذج المثقف المبرِر دائمًا لفكر السلطة، والمدافع دائمًا عن مواقفها السياسية، ليظل هذا التفسير من جانب الإسلاميين قائمًا بهدف الحفاظ على حالة توتر تمنع وجود أي مساحة فكرية آمنة.

الحرب موجودة بالفعل، ولها ضحايا سالت دماؤهم بالسلاح الإسلامي، وضحايا في السجون ومراكز الشرطة، تنسبهم أجهزة الأمن للتيار الإسلامي، لكن السؤال هل هي حرب بين الإسلاميين والعلمانيين كما يزعم خطاب التيار الإسلامي؟ وجواب نصر أبوزيد أنها ليست كذلك. إن استخدام الإسلاميين لمصطلح العلمانية لوصم مخالفيهم ينطلق من فكرتين خاطئتين: الأولى أن العلمانية مرتبطة فقط بالدولة الدينية، وبما أن لا دولة دينية في الإسلام، فلا حاجة لنا بالعلمانية. والثانية أن العلمانية منتج غربي تمامًا يهدف لمحاربة الدين -هنا الإسلام- والمتأمل للتراث سيجد أن فصل السلطة السياسية عن السلطة الدينية كان جزءًا من تاريخنا. التاريخ الذي توحدت فيه السلطتين فقط في عهد الرسول؛ لكونه رسول، ثم أصبح اختيار الحاكم يتم بالاختيار عبر آليات مختلفة، ثم التوريث للفترة الأطول من تاريخنا. أي أن الحكم كان وراثيًا أوتوقراطيًا، واستخدام الحكام للفقهاء وفتاويهم لا يعني إسلامية الحكم.

الصراع الحقيقي هو بين إدراك الإسلام كصيرورة تاريخية اجتماعية مازالت مستمرة، وبين اعتبار الإسلام هو الواقعة التاريخية الأولى للوحي، وأن تحولاتها وانفتاحاتها ضلال وانحراف يجب الخلاص منه. ولا فرق في ذلك بين متطرف ومعتدل، فالجميع يتفقون على أن الإسلام له معنى ثابت مكتمل صاغه الفقهاء والمتكلمون قبل عصر الانحطاط، ويقصون من المشاركة في تلك الصياغة اتجاهات فلسفية وكلامية وسياسية كثيرة.

الصراع بين تقديس التاريخ وبين تحليله ونقده لمحاولة فهمه. بين تقديس الأئمة واعتبار اجتهاداتهم نهائية وصائبة، وبين اعتبارهم بشر جاءوا في لحظة تاريخية معينة تأثروا بها وأثروا فيها.

الصراع بين أسلمة المعرفة حيث كل شئ كامن ومضمَّن في النصوص، وبين التعامل مع المعرفة تعاملًا غير أيديولوچي لفهمها والاستفادة منها ومحاولة إنتاج معرفة جديدة بدلًا من الحرص على القراءة التراجعية للنصوص ليصبح كل شئ في الحاضر إسلاميًا.

والصراع في جانب آخر هو صراع على السلطة بين المشروع الإسلامي الذي يهدف للسيطرة على الحاضر اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وفكريًا عبر تضخيم القيمة الرمزية للحجاب، والنقاب، واللحية، وتقصير الثياب، وبناء المساجد في مقابل بناء المدارس والمستشفيات، وشرائط الكاسيت والفيديو التي يصرخ فيها الشيوخ، وبين مشروع الدولة/السلطة الحاكمة التي تستخدم القمع والاضطهاد والفساد. إنهما مشروعان شموليان اتفقا على إغلاق المقاومة الفكرية التي أطلقا عليها العلمانية، لأنها تناهض الشمولية بكافة صورها. إن مشروع مقاومة المشروعين المتصارعين هو مشروع فكري في الأساس، معرفي في جوهره، سياسي في دلالته ومغزاه، لا يقف خارج الإسلام أو خارج العلمانية التي تم تشويهها، وما يحتاجه هو “اللعب على المكشوف” كما أسماه أبوزيد، بمناقشة مفهوم الإسلام والعلمانية معًا، بالحرية اللازمة لإنتاج معرفة قادرة على الفهم والتدبر في النصوص والتاريخ والماضي والحاضر، الدنيوي والمقدس.

يقدم نصر أبوزيد رؤيته لمشروع قراءة جديدة للمقاصد الكلية التي بُني عليها المشروع الإسلامي. يبدأها بتقديره لقراءة علماء الأصول العميقة للنصوص الدينية ذات الطابع التشريعي، من خلال علاقاتها ببعضها وبالنصوص الأخرى، والتي توَّجها الشاطبي بالمقاصد الكلية الخمسة للشريعة: حفظ النفس والعرض والدين والعقل والمال. لكنها كانت قراءة محدودة بحدود الدلالة اللغوية، محاولةً استنباط الكليات من الجزئيات، دون النظر إلى الدلالات الكلية الناتجة عن حركة نصوص الإسلام في كليتها، وعلاقتها بما قبلها، وتطورها على مدار سنوات الوحي.

قراءة نصر أبوزيد للمقاصد لا تفصل التشريعي عن العقيدي، وتهتم بالدلالة الكلية الناتجة عن تفاعل النص مع واقعه الاجتماعي والتاريخي. إنها تتناول النص الإسلامي في كليته، والذي جزأته العلوم الدينية في التراث الإسلامي. في هذه القراءة الأولية يقترح أبوزيد ثلاث مبادئ أساسية تمثل الكليات التي تستوعب الجزئيات، وتستوعب المقاصد الخمسة التي استنبطها القدماء في قراءتهم العميقة، بحسب الإطار المعرفي المتاح لهم.

المبدأ الأول هو العقلانية كمقابل للجاهلية. الجاهلية التي هي العصبية القبلية، والتي جاء الإسلام نقيضًا لها على كل الأصعدة، ليؤسس العقلانية في السلوك والفهم والعلاقات الإنسانية. ويؤكد نصر أبوزيد على خطأ استنتاج أن الإسلام يناهض القومية أو الوطنية، وإنما يعارض العصبية والطائفية والعرقية، تأكيدًا على مفهوم الدعوة الإنساني الذي يساوي بين الناس. المبدأ الثاني هو الحرية نقيضًا للعبودية. فما فائدة العقل دون حرية؟ تؤكد النصوص أن الحرية مبدأ كلي في الإسلام، فحرية الاختيار المطلقة هي أساس الإسلام. واختيار الإنسان للإسلام لا يمكن أن يلغي حريته، لأن الحرية هي الأصل، وبدونها لا قيمة للاختيار وما ينتج عنه. إن الله لا يخاطب عبيدًا في القرآن، بل يخاطب عبادًا، والعلاقة بين الله والإنسان أعمق من علاقة عبودية. المبدأ الثالث هو العدل كمبدأ كلي للوجود الإنساني. إن استغناء الله هو جوهر الوحدانية، التي تميِّز الوجود الإلهي عن الوجود الإنساني. وهو ذاته جوهر مفهوم العدل الإلهي، فأينما وُجد العدل وُجدَت شريعة الله.

هذه المبادئ الثلاثة تستوعب المقاصد الخمسة لعلماء أصول الفقه، والقواعد الاجتهادية التي أنتجها الأصوليون. ويختتم أبوزيد رؤيته بالتوقف عند قاعدة “درأ المفاسد مُقدَّم على جلب المصالح” وقفة نقدية تتأمل السياق الذي صيغت فيه، وهو سياق الضعف والتمزق الذي أصاب بنية المجتمعات العربية والإسلامية، لذا يجب تجاوز هذه القاعدة إذا أردنا اللحاق بركب التقدم والمدنية. ويدعو نصر أبوزيد إلى قراءة النصوص الدينية وفهمها وتأويلها في ضوء تلك المبادئ الثلاثة للإنتقال من حالة الجمود والتقليد التي تمثل حصن الدفاع في المؤسسات التقليدية.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات