في مطبخ نصر حامد أبو زيد.. الاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة (٢)

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 في مطبخ نصر حامد أبو زيد.. الاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة (٢)

مفهوم المجاز: نشأته وتطوره

يُعد الجاحظ هو أول من تبلور على يديه مصطلح المجاز كمقابلة للحقيقة. كما يُعد مصطلح المثل هو الأكثر ورودًا في القرآن سواء في أصله الثلاثي أو مشتقاته. فكان هو الأكثر استخدامًا عند المفسرين بحكم كثرة دورانه في القرآن ودلالته على معنى التشبيه، مقارنة بالكناية والاستعارة والمجاز لقلة ورودها.

شاع استخدام مصطلح المثل عند المفسرين كابن عباس ومجاهد وقتادة، وعند اللغويين مثل أبي عبيدة والفرّاء. وكان استخدامه يدل على التشبيه والتصوير. كانت مجهودات ابن عباس كبيرة في تفسير النص القرآني. حتى أننا نجد استخدامه لمصطلح الكناية عند تفسير مصطلحات كالرفث والمباشرة، بقوله أنها تعني الجماع. وفيه تعبير عن ترك المعنى العام الذي ترى فيه الجماعة خدشًا للحياء. ونجد مجاهد تلميذ ابن عباس يؤوِل آية مسخ اليهود على غير ظاهرها، واعتبره مثلًا ضربه الله لهم كمثل الحمار يحمل أسفارًا. وكان ذلك يحدث وسط الجدل الذي بدأ مع الخوارج ثم توسع ليشمل جدلًا بين فِرق المسلمين، وبينهم وبين غير المسلمين.

مقاتل بن سليمان -المعروف بميوله التجريدية الإرجائية- هو صاحب أول كتاب يصلنا متخصص في تحليل النص القرآني بعنوان “الأشباه والنظائر”. وهو يكشف عن الإحساس بتعدد دلالات اللفظ القرآني، ويقربنا خطوة من المجاز بمعناه الاصطلاحي. اللفظ عند مقاتل له معنى محدد، أما باقي المعاني فهي فروع لهذا المعنى.

أبو عبيدة معمر بن المثنى الخارجي هو صاحب كتاب “مجاز القرآن”. وكان دافعه لكتابة هذا الكتاب هو صعوبة تعامل رجال الدولة من أصل أعجمي مع القرآن تلاوةً وفهمًا. فكان عليه تناول النص القرآني من زاوية التركيب إلى جانب الألفاظ، وكذلك تناول الجانب الإعرابي. وكان منهجه هو شرح التركيب القرآني والاستدلال على صحة شرحه بأمثلة من الشعر أو العبارات القرآنية الأخرى. وهو نفس مسلك ابن عباس في رد غريب القرآن إلى الشعر فهو “ديوان العرب”.

ضم المجاز عند أبي عبيدة الحذف مثل قوله ” فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم”. الحذف عنده الاختصار بشرط عدم الإخلال بالمعنى. أما وسائل التعبير التصويرية كالتشبيه والتمثيل والاستعارة، فلجأ أبوعبيدة إلى تبسيط تراكيبها بدلًا من تحليلها وكشف الجمال فيها. وهو هنا إن كان لم يدرك الفارق بين مستوى التعبير المجازي والتعبير الحقيقي، إلا أن توقفه أمام تلك النماذج ووضعها تحت دائرة المجاز يُعد نقلة في تطوير مفهوم المجاز. والتفت أبوعبيدة إلى التشخيص في القرآن بإطلاق صفات إنسانية على الحيوان والجماد، واستخدام ضمائر العاقل بدلًا من ضمائر غير العاقل عند التعامل معها.

عاصر أبو زكريا الفرّاء -صاحب كتاب معاني القرآن- أباعبيدة، وانطلق من نفس دوافعه. ورغم أنه لم يستخدم مصطلح المجاز لكنه استخدم الفعل “تجوّز” عند التعامل مع آيات مثل “ربحت تجارتهم”. وهو يقبل التجاوز في المعنى هنا لأنه لم يؤدِ إلى غموض المعنى، بينما يرفضه في تركيب مثل “خسر عبدك” لأنه يحتمل معنيين أن يتاجر العبد بمال سيده ويخسر، وان يكون العبد نفسه تجارة خاسرة. ولا توجد قرينة ترجح أحد المعنيين على الأخر. ومن التجاوز عنده أيضًا التجاوز في الدلالة الصرفية باستخدام صيغة اسم الفاعل للدلالة على المفعول، مثل “في عيشة راضية”، فهو يعيش عيشة فيها الرضا. ويتوقف الفرّاء عند المجاز المرسل والمجاز بالحذف والتشخيص والكناية والتورية. وكان توقفه مثل أبوعبيدة عند جانب الكشف عن المعنى متأثرًا بكونه نحوي في تحليله.

أما الجاحظ فكانت وظيفة اللغة عنده هي الإبانة، فهو يعتبر أن من حق الناس استخدامها مجازًا كما يحلو لهم بشرطين: أن يكون هناك علاقة بين المعنى المنقول إليه اللفظ والمعنى المنقول عنه. وأن يتبع الفرد الجماعة في تراكيبه وأساليبه. تداخلت المصطلحات عند الجاحظ، فكلمات المجاز والمثل والتشبيه والكناية والاشتقاق عنده تشير إلى معنى واحد. وكان مركز تحليله هو وضوح الكلام حتى يؤدي وظيفته عند الجاحظ وهي الإبانة. كان شرط اتباع الفرد الجماعة في استخدام المجاز قيدًا على الشعراء، حيث ألزمهم بما سبق استخدامه في الشعر القديم وأوقف تطور المجاز. كما واجه هذا الشرط معضلة المجاز في القرآن الذي جاء بأساليب مجازية لم يكن لها مثيل في الشعر السابق، لهذا أعطى الجاحظ القرآن كامل الحرية في وضع اللغة أينما شاء، فهي ملك الله العارف بكل شئ. استخدم الجاحظ مصطلح المجاز لأول مرة كنقيض للحقيقة، وصار هو المصطلح المفضل للمعتزلة في تأويل الآيات التي يوهم ظاهرها بالتعارض مع أفكارهم العقلية.

كانت نقطة انطلاق أبوالحسن الرّماني -أحد كبار النحاة- هي إعجاز القران، لذلك لم يتبع أسلوب من سبقوه في العودة للشعر العربي، بل حاول إبراز التباين بينهما. كما لم يكن التأويل هو الهدف عند الرّماني، بل كان يأتي عرَضًا في سياق التحليل البلاغي. ولم يكتفي بوظيفة الإفهام مثل من سبقوه، لأن الفهم يمكن أن ينتج من كلام بليغ وكلام عيي. والبلاغة عنده هي إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ. وقسّم الرمّاني البلاغة إلى عشرة أقسام، منها الإيجاز والاستعارة والمبالغة -سواء بصيغ المبالغة أو استخدام ما سيُعرف بالمجاز المرسل- والتشبيه. ويركز على الأثر النفسي والبلاغي لكل نوع. واستطاع أن يفرّق بين التشبيه والاستعارة بوجود أداة التشبيه، وأن يكشف عن علاقة الاستعارة بالمجاز بجعلها مقابلة للحقيقة، وأن يفرق بين الاستعارة والمجاز المرسل، في جهود بلاغية متصلة بالتأويل المعتزلي.

مفهوم المجاز عند القاضي عبد الجبار

تقوم الدلالة اللغوية للمجاز عند القاضي عبدالجبار بشرطين: المواضعة وفهم قصد المتكلم. ورغم أنه يعتبر الدليل اللغوي دليلًا عقليًا، إلا أنه يتأخر عن انواع الدلالات الأخرى بسبب قابليته للاشتراك والاحتمال، فكان لابد من وضع شروط لضبط هذا الاحتمال والمجاز والاستعارة. شرط المواضعة الذي لا يقلب المعنى مع مراعاة قصد الجماعة. ويشترط القاضي أن يكون للإسم معنى أصلي أي مواضعة أصلية تحدث عليها مواضعة طارئة تنتج المجاز. وشرط قصد المتكلم يعبر عنه اتفاق قصد المتكلم مع ما تتكلم به الجماعة. على أن المجاز الذي يدخل المواضعة يرتبط بالأسماء المفردة، بينما المجاز في التركيب يرتبط بقصد المتكلم وإرادته.

وواجه المعتزلة انتقادات على اعتبارهم اللغة دلالة بسبب المجاز والاشتراك في اللغة. فاللغة مع ما يدخلها من الاتساع والمجاز قد تضل بدلًا من أن تدل، كما أن اللجوء للمجاز يعبر عن عجز المتكلم وهو محال على الله. وتضمن رد المعتزلة التفرقة بين المتكلم والكلام. فالمتكلم إذا كان يستحيل كذبه فكلامه يدل لا محالة. وإذا كان المتكلم ممن لا يُعرف حاله، فكلامه طريق للتثبت واليقين. أما الكلام، فإذا وقع مجردًا عن قرينة، فيدل بظاهر المواضعة. وإذا وقع مقترنًا بقرينة تصرفه عن ظاهر المراد به، فيدل بالقرية على اعتبار أنها جزء من الدلالة.

وكما فرق المعتزلة بين المتكلم الذي ثبتت حكمته وهو الله وبين باقي المتكلمين، فرقوا بين القرينة التي نحتاجها لنستدل على كلام الله وهي معرفتنا بحكمته وأنه لا يفعل القبيح، وهي معرفة عقلية سابقة على الشرع، بينما في حالة باقي المتكلمين فالقرينة تكون لفظية من الكلام نفسه.

يحرص القاضي عبدالجبار على أن يحافظ على الحدود بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي عند قياس الشاهد على الغائب. ويؤكد على أن المجاز لا يكون في أسماء الأعلام لأنها لا تفيد أي معنى سوى دلالتها الإشارية، وإنما يكون في الصفات. والحفاظ عن الحدود هدفه الحفاظ على الوظيفة الدلالية للغة. وخصوصًا لعدم الإخلال بين عالمي الغيب والشهادة عندما يكون المجاز في صفات الله وأحواله. كان انطلاق المعتزلة من وسط الجدل الديني، وتركّز البحث حول الله باعتباره متكلمًا، والقرآن كلامه، له تأثيره في توجيه مبحث المجاز للاهتمام بالدلالة أكثر من الصورة. وللحفاظ على الدلالة منعوا استخدام الألفاظ التي لم يتم استخدامها من قبل مجازيًا، واشترطوا أن يكون المجاز مما استعملته الجماعة. وعلى عكس ما يشاع عن أن المعتزلة يتوسعون في التأويلات المجازية، فهم يمنعون حمل اللفظ على المجاز إذا أمكن حمله على الحقيقة. وكل الأمر أنهم يعتمدون إلى جانب القرينة اللفظية على القرينة العقلية التي تسمح لهم بتأويل كل ما يخالف تصورهم لله وعدله. فالمجاز عند المعتزلة هو مواضعة سابقة للجماعة لا يجوز الفرد أن يخرج من إطارها أو أن يقيس عليها. وبهذا تعتبر المواضعة المجازية مساوية للمواضعة الحقيقية في قوتها، تثبت الدلالة اللغوية ولا تحمل إيحاء أو تخضع لهوى.

اصطدم المعتزلة ببعض الصور المجازية التي لم يجدوا لها أصلًا في الشعر العربي، فاعتبروا أنها كان لها أصلًا في الشعر العربي لكنه لم يصلنا عبر الرواة، بدلًا من الاعتراف بأن القرآن استحدث صور مجازية جديدة. وذلك بهدف تثبيت الدلالة المجازية وربط القرآن ربطًا ميكانيكيًا باللغة العربية ووسائلها التعبيرية.

ويلتمس أبوزيد العذر المعتزلة في ذلك بسبب الصراع والجدال مع الخصوم، الذي جعلهم يربطون تأويلهم للتعبيرات المجازية بمثيلات لها في اللغة، وافترضوا وجود ما لم يستطيعوا الوصول إليه. أما الألفاظ الشرعية كالصلاة والزكاة، فقد اعتبروها ابتداء مواضعة من الله لا يحتاج البحث عن أصل له. وهم هنا يسلمون بجواز أن يكون في القرآن ما لم يتم المواضعة عليه سابقًا، استنادًا للحكمة الإلهية. وهو افتراض كان كفيلّا بإخراجهم من المأزق السابق.

لا يمكن وجود تناقض بين العقل والنقل، لذلك هم يرون وجوب التأويل بالمجاز لكل ما يوحي ظاهره بالتناقض مع أدلة العقل.

وكان التركيز هنا على المجاز في اللفظ المفرد، لكن ولأن هدف اللغة عند القاضي عبدالجبار هو الإخبار، فلابد من معرفة قصد المتكلم لإدراك ما يخبرنا به وهو ما يحتاج قرينة لفظية أو عقلية. ويعتبر المعتزلة آيات التشريع تحتاج قرينة لفظية، بينما آيات التوحيد والعدل تدل بالدلالة العقلية أولًا، وهذه الآيات هي محل خلاف المعتزلة مع خصومهم، فوجدوا في التأويل طبقًا للتفرقة بين المحكم والمتشابه أساسًا دينيًا يرتكزون عليه للتأويل.

المجاز والتأويل

كان الارتباط بين التأويل والمجاز خافتًا جدًا في الفترة المبكرة، وارتبط التأويل بالخلافات السياسية والعقائدية من جهة، وبالمحكم والمتشابه من جهة أخرى. فيروي الطبري عن ابن عباس قوله “يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه” يقصد الخوارج.

ويعود أصل المحكم والمتشابه للجدال مع أهل الكتاب. ويُروى عن ابن عباس أن المتشابه هي الحروف في بدايات السور. وهي رواية ضعيفة. ورواية أخرى تجعلها في سياق الجدال مع نصارى نجران لتمسكهم بما ورد في القرآن بكون المسيح كلمة الله. رواية تُنسب إلى ابن عباس تعتبر المحكم هو ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يُؤمن به وما يُعمل به. أي أن المحكم هو آيات التشريع. أما المتشابهات هي منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يُعمل به.

يختلف مجاهد تلميذ ابن عباس مع هذا التعريف للمتشابهات فهو يرى أنها يصدق بعضها بعضًا في رؤية قريبة من التأويل الاعتزالي. أما محمد بن جعفر بن الزبير فيعتبر المتشابهات هي ما يشوبها الغموض، وهي ابتلاء من الله للعباد، وهي فكرة سيتوسع فيها القاضي عبدالجبار لاحقًا. وهناك روايتان لإمكانية تأويل المتشابه، الأولى أن الراسخين في العلم معطوف على الله فيمكنهم معرفة التأويل وهو ما ذهب إليه مجاهد وسبقه ابن عباس بالقول أنه يعلم تأويله. والثانية باعتبار المتشابه هو حروف بداية السور فيكون تأويله هو العاقبة وبالتالي لا يمكن معرفة تأويله إلا يوم القيامة من الله. وهو رأي الإمام مالك وعبدالله بن عباس أيضًا في تلك الرواية الضعيفة، فيكون الراسخون في العام مقطوع عما قبله ولا يعلمون تأويله.

تعد رسالة الحسن البصري في القدر هي أقدم ما وصل إلينا من وثائق الخلاف العقائدي، ويمكن أن نلمس فيها بذور نهج الفكر الاعتزالي من تقرير الفكرة ثم تأويل آيات الخصوم لتثبت رأيه. كل ذلك بدون استخدام مصطلحات صار لها وزن عند المتأخرين كالمحكم والمتشابه والمجاز. في مقابل رسالة الحسن البصري كان هناك كتاب الأشباه والنظائر لمقاتل بن سليمان وهو من المجسِّمة نقيض الفكر الاعتزالي. وهو كتاب لم يتناول المحكم والمتشابه بالمصطلح الاعتزالي، بل اهتم بالجانب اللغوي لنفي التناقض عن القرآن. ويذكر مقاتل رواية تأويله بمعنى العاقبة المتعلقة بالحروف في أول السور. يُثار عن مقاتل قوله بالتجسيد والإرجاء، ولكن من عدة أمثلة أوردها نصر أبوزيد ينتهي إلى أن مقاتل أقرب للظاهرية من أهل السنة، وبعيد عن المجسمة والمشبهة. بينما تظهر ميول مقاتل الارجائية في فصله بين القول والعمل في الإيمان، وموقفه من عدم خلود صاحب المعصية في النار.

كان أبوعبيدة أول من سلط الضوء على كلمة مجاز ليصبح مع التشبيه والمثل وسائل للتأويل لإخراج الآية عن ظاهرها الذي يوهم بالتشبيه أو الظلم. ولأن أبي عبيدة خارجي فهو يتفق مع المعتزلة في أصول كثيرة من التوحيد والعدل. فأوّل أبوعبيدة أيات التشبيه والجبر لينفي عن الله إرادة القبيح. أما الفرّاء فرغم أنه نحوي إلا أنه في كتاب معاني القرآن تغلب عليه نزعته الاعتزالية في تأويل الآيات المرتبطة بالعدل والتوحيد. ويشير نصر أبوزيد إلى فكرة طرحها الفرّاء وهي المخاطبة على حسب اعتقاد المخاطب، وهي فكرة يرى أبوزيد لو أن المعتزلة توسعوا فيها واعتبروها أساس لمناقشة آيات المتشابهات، لاقتربوا من التحليل السليم لهذه الآيات، ولأدركوا جوهر المشكلة التي واجهتهم وهي أن الوحي خاطب البشر بلغة يفهمونها وهي بطبيعتها بشرية محدودة لا تتسع إلا لمدارك البشر وعلومهم. وللأسف كانت هذه الفكرة جزئية يلجأ المعتزلة أحيانًا مثل الفرّاء لينفي عن الله الجهل في “وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة”.

المشكلة أن المفسرين كانوا يلجأون للشعر في لإثبات تأويلهم، والشعر يستخدم اللغة بتعبيراتها الحسية الكثيرة التي لا يمكنها استيعاب التصور الجديد الذي جاء به الدين لله ووضعه المعتزلة في مبدأ التوحيد، فلم يكن هناك مهرب من التشبيه عند استخدام اللغة.

المحكم والمتشابه كأساس للتأويل

لم يتم ربط كل المحاولات السابقة للتأويل بقانون عام أو قواعد ثابتة، وحاول المعتزلة وضع تلك القواعد التي تسمح لهم بالتأويل بما يتناسب مع أصولهم العقلية في التوحيد والعدل، وتمنع خصومهم من التأويل بعكس تلك الأصول. ووجدوا في مسألة المحكم والمتشابه ضالتهم. واعتبروا كل ما يؤيد وجهة نظرهم محكمًا، وما يخالفها متشابهًا يجب تأويله. ولجأ خصومهم إلى نفس السلاح وقاموا بجعل محكم المعتزلة متشابهًا والعكس.

وأول محاولة تربط بين الأصول العقلية للمعتزلة في العدل والتوحيد بمسألة المحكم والمتشابه هي رسالة القاسم الرسي -وهو إمام شيعي- بعنوان كتاب أصول العدل والتوحيد. وفيه أصبحت مهمة المفسر ليس مجرد التوضيح والشرح، ولكن معرفة ما يجوز على الله وما لا يجوز لتأتي المعرفة العقلية سابقة على المعرفة اللغوية. ويذكر أبوزيد مثالًا على تأويل القاسم الرسي في تأويل آية “وكلم الله موسى تكليمًا” بأنه ليس الكلام يخرج من الفم ولكن الله “أنشأ كلامًا خلقه كما شاء فسمعه موسى وفهمه”. ونلاحظ هنا إثارة قضية كلام الله وإثبات خلق القرآن بآيات من القرآن، وهي قضية أساسية للمعتزلة حيث يثبتون لذات الله صفات العلم والقدرة والحياة والقدم، وما دون ذلك هي صفات أفعال.

أما ابن قتيبة فهو ينفي إمكانية تأويل الفعل بالمجاز إذا لحقه المصدر على سبيل التأكيد، ويعتبر أنه يدل على ظاهره حقيقةً.ويرد القاضي عبدالجبار على ذلك بأن مصادر الأفعال حادثة، فالتكليم دليل على أن هذا الكلام حادث.

في النهاية صارت التفرقة بين المحكم والمتشابه ورد المحكم المتشابه قانونًا على يد المعتزلة يحكم تأويلاتهم بناء على أصولهم العقلية، التي يُقال أن أبا هذيل العلّاف هو أول من وضعها في صورتها الكاملة في كتاب اسمه الأصول الخمسة.

وعلى عكس الجاحظ الذي لم يربط بين المحكم والمتشابه وبين التأويل، ربط معاصره ابن قتيبة بين التأويل والمجاز والمحكم والمتشابه، لكن مفهوم المتشابه عنده اتسع ليشمل كل الآيات التي كانت محل للطعن في القرآن الكريم. لهذا نعتبر أنه خالف المعتزلة في مسألة المحكم والمتشابه واعتبر المجاز وحده المدخل للتأويل، لذا اتسع مفهوم المجاز عنده.يظهر تناقض ابن قتيبة في تعامله مع الطاعنين في القرآن بردود تعتمد على التأويل والمجاز اعتمادًا يصل إلى حد اعتبار المجاز ضرورة تعبيرية، بينما في ردوده على المعتزلة يظهر متحمسًا لأخذ الآية على ظاهرها دون تأويل. يتفق مسلك ابن قتيبة في تأويل آيات القرآن مع المعتزلة فيما يتعلق بالتوحيد ماعدا إسناده الكلام لله إسنادًا حقيقيًا. وكان الشرح التبسيطي ظاهرًا عنده أكثر من التحليل. لكنه يختلف معهم اختلافًا ظاهرًا في قضية العدل. ويظهر ذلك في تأويل آيات مثل “يضل من يشاء ويهدي من يشاء” وأمثالها حيث يعتبرها ابن قتيبة محكمات لا تحتاج التأويل على عكس المعتزلة. أما الزمخشري فيتعامل معها بمنطق اللطف والخذلان. فالله يلطف بمن علم أنه يختار الهدى ويخذل من علم أنه اختار الكفر، فبنى الأمر على الاختيار ولم بينه على الإجبار الذي لا يستحق عليه شيئًا.

تميزت تأويلات الإمام يحيى بن الحسين الشيعي المعتزلي بتنبهه لفكرة السياق كأساس يرد به على المحتجين. وإذا لم يسعفه السياق لجأ إلى آية محكمة تُرد إليها الآية التي يحتج بها خصومه مثل “إن الله لا يرضى لعباده الكفر”. كما قام الإمام يحيى بأبحاث دلالية حول معاني بعض الكلمات مثل الهدى والضلال والعبادة. وهي جهود تتشابه مع جهود مقاتل وابن قتيبة، إلا أنه أضاف إليها فكره الاعتزالي. فهو مثلًا يعتبر الهدى من الله هديان: هدى مبتدأ لكل البشر وهو العقل والرسول والكتاب. وهدى ثاني جزاء على عمله ومكافأة. ويكون الإضلال خذلان من الله على مكابرة العقل وتكذيب الرسول ورد الكتاب. وكل ذلك يدور في إطار إثبات حرية الاختيار للإنسان ونفي الجبر. وبهذا نجد أن التأويل والمحكم والمتشابه وجهان لعملة واحدة عند الإمام يحيى كما كانا عند الإمام القاسم الرسي، وإن لم يستخدما مصطلح المجاز لأن التأويل عند الشيعة كان يشمل المجاز.

1000040417-208x300 في مطبخ نصر حامد أبو زيد.. الاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة (٢)

المجاز والتأويل عند القاضي عبد الجبار

أفاد القاضي عبدالجبار من كل الجهود السابقة وصاغ بشكل نهائي العلاقة بين التأويل والمجاز والمحكم والمتشابه من جهة، وبين الأسس العقلية والفكرية للمدرسة المعتزلية من جهة أخرى. وقد انطلق القاضي عبدالجبار لضبط عملية التأويل من عدة مبادئ مرتبطة ببعضها:

  • القرآن كلام الله.
  • كلام الله محدث فهو صفة فعل وليس صفة ذات.
  • كلام الله هدفه منفعة الناس وهدايتهم، فلابد أن يكون له دلالة.
  • كلام الله بلغة مخصوصة، وكي يدل لابد من شرطين: وجود مواضعة سابقة ومعرفة قصد المتكلم.
  • قصد المتكلم لا يُعرف إلا بمعرفة كل صفاته من العدل والتوحيد.
  • معرفة هذه الصفات تتم بالاستدلال العقلي، لذا لابد أن يخضع القرآن للنظر العقلي.
  • لا يمكن أن يدل العقل على خلاف ما يدل عليه القرآن؛ لأن كليهما من عند الله. فالله منح الناس العقل الضروري الذي يمكنهم من خلاله الوصول للمعرفة الضرورية. وعلى أساس ذلك كلفهم بعد نصب الأدلة.
  • خطأ من يستدل بالقران ناتج عن خطأ في الاستدلال العقلي أو عن إهماله له بالكامل.
  • اللغة كدلالة سيكون فيها الواضح (المحكم) والغامض (المتشابه). وإذا كان كلام البشر الغامض يحتاج إلى قرينة حتى يدل، فكلام الله يحتاج التأويل برد المتشابه للمحكم حتى يدل. والمجاز هو الأداة الرئيسية للتأويل.الاختلاف بين وضوح بعض الأدلة وغموض بعضها هدفه إثارة العقل.

يفرّق القاضي بين الخطاب وما يدل عليه من أحكام عقلية وسمعية. والخطاب ينقسم إلى جانبين: أحدهما يستقل بنفسه في الإنباء عن مراده، مثل الأحكام الشرعية والعبادات. والثاني يحتاج إلى غيره للدلالة. وهذا الجانب الثاني نوعان: الأول يعرف مراده ومراد ما يحتاج إليه للدلالة كمجموعة واحدة، أي بتركيبه الذاتي وقرينة ملازمة له عقلية أو لفظية. والثاني يُعرف مراده بذلك الغير على انفراده، فيكون الخطاب لطفًا وتأكيدًا. أي لا يدل الخطاب بذاته ولكن القرينة العقلية المنفصلة عنه هي التي تدل. وأما ما يدل عليه الخطاب من أحكام عقلية وسمعية فينقسم إلى نفس الأنواع السابقة، إلا أنها مرتبطة بمضمون الخطاب وليس بنيته كالأنواع الأولى.وبالتالي يعتبر القاضي أن الخطاب هدفه الحث على النظر والبحث والاستدلال الذي يؤدي للمعرفة. فهو كما ذكرنا لا يُفرّق بين القرينة اللفظية والقريبة العقلية.

معيار المحكم والمتشابه عند القاضي عبدالجبار هو ما تثبته من صفات لله، فإذا أثبتت الآية صفة على وجه لا يحتمل غيره عند السامع في أصل اللغة أو بالتعارف أو بشواهد العقل، كانت محكمة. وإذا أثبتت صفة تشتبه على السامع لشئ يرجع للغة أو شواهد العقل فهي من المتشابه.

يقوم نصر أبوزيد بعرض جهود القاضي عبدالجبار في التأويل من خلال قضيتين: رؤية الله وخلق الأفعال. رؤية الله لأنها قضية خلافية تظهر فيها مشكلة التأويل بشكل واضح ومتصلة بمبدأ التوحيد، وخلق الأفعال لأنها أساس نشأة الفكر الاعتزالي ومتصلة بمبدأ العدل.

التوحيد وقضية رؤية الله

ترتبط رؤية الله بمبدأ التوحيد ونفي المشابهة والجسمية عن الله. لذا سعوا إلى نفي إمكانية رؤية الله بأي صورة في الدنيا والآخرة. ووجدوا آيات تدعم وجهة نظرهم وآيات تعارضها فاعتبروها من المتشابه وقاموا بتأويلها. وقام الخصوم بالأمر نفسه مع اعتبار المحكم عند المعتزلة متشابهًا، والمتشابه محكمًا. واتفق الطرفين على أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، إلا أن كل طرف اعتبر نفسه هم الراسخون في على سبيل الحصر.

المُلاحظ في هذه القضية تساهل المعتزلة في الحكم على من يخالفهم الرأي فيها فلم يكفرّوهم على عكس تشددهم في قضايا خلق الأفعال وخلق القرآن. بل التمسوا لهم العذر إذا اعتقدوا في الرؤية بدون تشبيه أو تجسيد.

يبدأ المعتزلة بإيراد أدلتهم ب “لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير” يوردونه كدليل سمعي محكم، ويدفعون اعتراضات الخصوم، وذلك عن طريق الخوض في مسائل لغوية ودلالية حول معنى اللفظ منفردًا ومعناه في تركيب معين. ثم يتطرقون لقصة النبي موسى وطلبه رؤية الله، وهي قصة آثارت الجدل لدى المعتزلة لحل التعارض بين اعتقادهم بأن معرفة توحيد الله وعدله هي معرفة عقلية لا تستند إلى دليل، وطلب موسى النبي المعصوم رؤية الله “رب أرني أنظر إليك”. تأول المعتزلة النظر ما يدل على اعتبار الآية من المتشابه، بينما اعتبرها الخصوم دليل على إمكانية الرؤية بدليل أن موسى طلبها.

في البداية ينكر المعتزلة أن يكون موسى قد طلب الرؤية، ثم لم يسلم القاضي عبدالجبار بهذا التأويل لأن الإجابة ب “لن تراني” تؤكد طلب موسى الرؤية، فقام القاضي بتحويل المتشابه إلى محكم ليكون دليلًا في صف المعتزلة، ولكنه اضطر للرد عن كون موسى طلب الرؤية له أم لقومه، وتبرير توبة موسى عن سؤاله. كل هذا يؤكد تنازع كل الأطراف حول الاستدلال بالدليل الواحد كٌل لصالح وجهة نظره. بعد تناول أدلتهم، يتوجه المعتزلة نحو أدلة الخصوم السمعية من القرآن والحديث، والتعامل مع الحديث عندهم يكون بثلاث وسائل:

  • رفض الأحاديث باعتبارها أحاديث آحاد لا يؤخذ بها في أصول الدين، وإن أُخذ بها في فروعه.
  • تعارض هذه الأحاديث مع أحاديث أخرى تؤكد وجهة نظر المعتزلة.
  • تأويل الأحاديث.

وأخيرًا يتصدى المعتزلة للأيات التي أوردها خصومهم كأدلة على صحة رأيهم بجواز الرؤية. ومثال على ذلك التعامل مع آية “وجوه يومئذ ناضرة*إلى ربها ناظرة” حيث يتعامل القاضي عبدالجبار مع تأويلين : الأول أن النظر هنا بمعنى الانتظار على سبيل المجاز وهو رأي لم يفضله القاضي، والثاني كما فسره المفسرون السابقون على أنه الانتظار أيضًا ولكن من وجه آخر، حيث هو انتظار ثواب الله.

وهو هنا يحاول حل معضلة مبدأ أن العبارة لا يمكن أن يُراد بها معنيان مختلفان، فيقول أن لا مانع من أن تعبر العبارة عن معنيين. وهو هنا يتجاهل فكرة السياق ودلالة التركيب وتأثير ذلك على المعنى الكلي للعبارة. وعندما عورض بذلك حاول اعتبار النظر والانتظار معنى واحد، ليقر أبوزيد أن القاضي قد وقع في اضطرابات وتناقض مع نفسه عند تأويل هذه الآية.

مبدأ العدل وقضية خلق الأفعال

ترتبط قضية خلق الأفعال بشكل أساسي بكل أصل من الأصول الخمسة للمعتزلة. فهي ترتبط بالعدل لأن كون الله عادل يقتضي أن يثيب المحسن ويعاقب المخطئ. وأن يكون كلًا منهما حرًا مختارًا في فعله مسئولًا عنه. ويرتبط بالتوحيد لأن إثبات فاعل قادر في الغائب يحتاج إثبات فاعل قادر في الشاهد. لأن لو كان الله هو فاعل أفعال العباد، لما أمكن الاستدلال عليه، لأن طريق معرفته هو الاستدلال بفعله عليه. فالاستدلال على القديم يتم من خلال مُحدَث تعذر التعرف على مُحدِثه. ويرتبط بالمنزلة بين المنزلتين لمرتكب الكبيرة لأن القول بها يفترض سلفًا مسئوليته عن أفعاله. ويرتبط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه يهدف إلى التأثير في سلوك الناس بالإقناع، فإذا لم يكن الناس مسئولون عن سلوكهم، فكيف يمكن إقناعهم بتغييره؟ ومبدأ الوعد والوعيد يرتبط بالوعد للمحسن والوعيد للمخطئ أي أنه مرتبط بالعدل الإلهي، وبالتالي يتطلب مسؤولية الإنسان عن أفعاله.

يشير القاضي إلى البعد السياسي للقضية عندما قال معاوية بالجبر وتبعه حكام بني أمية. واعتبر أن القول بالجبر يؤدي إلى انهيار النظام الاجتماعي، وهدم قانون السببية، وهدم الشرع والدين.كانت المعضلة هنا هي تصوير المواجهة بين إرادة الإنسان وإرادة الله، واعتبار كل اتساع في إرادة الإنسان الحرة يقابله خصم من إرادة الله ومشيئته. فيكون الكافر قد اختار الكفر خلافًا لإرادة الله. وهو ما يعتبره الأشاعرة إثبات لغفلة أو لضعف لله عن بلوغ ما يريد، وهو ما لا يجوز. لذلك لا يجوز أن يحدث فعل لا يريده الله في سلطانه. ولا يرى الأشاعرة أن ذلك يقدح في عدل الله لأنهم يفرّقون بين الله والبشر، فلا يُقبِّحون أي فعل من أفعال الله. وذلك ما يخالفهم فيه المعتزلة، فالفعل عندهم يُقبح لصفته لا لفاعله. فما يُقبح من الإنسان، يُقبح من الله. وبما أن الله عالمًا فهو يعلم قبح القبيح ولا يفعله. وبما أن القبيح يُفعل لجلب مصلحة أو دفع ضرر، فلا يحتاج الله إلى فعله لأنه ليس جسمًا يزيد أو ينقص، فيستحيل وقوع القبيح منه.

ولرفع التناقض نفى المعتزلة أن تكون الإرادة صفة قديمة الذات وقالوا أنها من صفات الأفعال، عكس ما يقول الأشاعرة. وذهبوا إلى أن إرادة الله تنقسم إلى قسمين: الأول من مقدوره وهو ما إذا أراده فلابد من وقوعه، والثاني من مقدور العباد وهو نوعين: ما يريده على جهة الإلجاء والإكراه، فيجب وقوعه عند حدوث الإلجاء. والثاني هو ما يريده من غيره على سبيل الاختيار مثل ما يريده من المكلفين، وعدم حدوثه لا يوجب النقص أو الضعف. يستدل المعتزلة ببعض الآيات التي تدل على خيرية الله حيث تنفي عنه إرادة القبيح، ثم تحميل الإنسان مسؤولية أفعاله.ويعرض أبوزيد بعض الأمثلة الخلافية لبيان وظيفة المجاز التأويلية وعلاقته بفكر المعتزلة.

“وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”

الآية تدل على أن الله لا يريد من الناس إلا الطاعة والعبادة. وأنه يريد ذلك منهم على سبيل الاختيار ومعنى ذلك أنهم مسئولون عن أفعالهم، فلو أراد الله منهم العبادة على سبيل القصر والإلجاء لوُجدت من جميعهم، بينما طرح الأشاعرة ثلاث تأويلات لهذه الأية: الأول أن الإرادة تقع على بعض الإنس والجن بدليل موت البعض قبل سن التكليف. وهم يستدلون بآية “ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الإنس والجن”. ويرد القاضي على ذلك بأن تضمين الغير مكلفين بالعبادة في “إلا ليعبدون” يدل على أنهم كانوا مكلفين بالعبادة وهو مالا يصح لأنهم لم يبلغوا الحد. وهو يقول بأن الله لم يرد المعصية، فيعتبر اللام في “لجهنم” هي لام العاقبة -نتيجة عملهم- عكس اللام في “ليعبدون” التي هي لام الغرض التي تعبر عن إرادة. وكما يستدل به المعتزلة “والله لا يحب الفساد” حيث وحدوا الحب والإرادة، بينما فرّق الأشاعرة بينهما ليعتبروها دليلًا لهم. واعتبروا الحب هنا مرتبطًا بالإثابة وليس الإرادة. وعلى العكس يستدل الأشاعرة بآيات مثل “ولو شاء ربك لآن من في الأرض كلهم جميعًا” التي تربط مشيئة العباد بمشيئة الله المطلقة. ويتأوَّل المعتزلة هذه الآيات بالفصل بين إرادة الله لفعل نفسه، وإرادة الله لفعل غيره بالإلجاء والقصر.يعتبر أبوزيد أن وصف الإنسان أنه “خالق” لأفعاله كان له أثر في رفض أهل السنة والأشاعرة لذلك، نظرًا لارتباط الخلق بالله، ومايثيره نسبة الخلق للإنسان من شرك. حاول المعتزلة نفي تلك التهمة بالتحليل اللغوي للفظ الخلق. وأشاروا لآيات مثل “تبارك الله أحسن الخالقين” و ” إذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذني”. التي اعتبرها الأشاعرة ليست خلقًا لأنه لم يتم من العدم. وهذا يتسق مع نسبتهم الفعل الإنساني لله، ونسبتهم اكتسابه للعبد. فعيسى لم يخلق الصورة من عدم، بل قدّرها على هيئة موجودة سابقًا، وهنا يهمل الأشاعرة أن الخلق الذي يقصده المعتزلة مجرد اسم لا يفيد الخلق من العدم.وهنا أيضًا يؤكد نصر أبوزيد فكرته فكما وجد المعتزلة آيات تدل على جواز إطلاق لفظ خالق على غير الله، وجد الأشاعرة آيات استدلوا بها على عدم جواز ذلك. وتأول كلا الطرفان أدلة الآخر في إطار تقسيم المحكم والمتشابه طبقًا لوجهة نظره.ومن أدلة الأشاعرة “خالق كل شئ” وكل شئ عندهم تتضمن أفعال العباد، بينما كلامه ليس مخلوقًا بل صفة من صفات ذاته يخرج من عموم الآية.بينما يستثني المعتزلة أفعال العباد من عموم الآية ويُدخلون فيها القرآن.

وهو مثال يوضح به أبوزيد كيف تحول القرآن لساحة جدال يتأول آياته كل طرف وفقًا لرأيه. ويتم إخراج الآية عن عمومها وظاهرها عند المعتزلة لأن الآية وردت للتمدح ولا مدح بأن يكون الله خالقًا لأفعال العباد وفيها الكفر والظلم.ويستند الأشاعرة إلى ” والله خلقكم وما تعملون”، أما المعتزلة فاستخدموا السياق للرد على ذلك بأن سياق الآية مرتبط بعبادة الأصنام، وما تعملون هنا تشير إلى الأصنام كونها من عمل الإنسان. وتأولوا ما تعملون إلى ما تنحتون باعتبار أن هناك محذوف بعد تعملون تقديره فيه، والحذف مجاز.وغير ذلك من الأدلة التي يستند إليها الأشاعرة ويردها المعتزلة بالتأويل والمجاز.ثم يورد المعتزلة أدلتهم التي تثبت مسئولية الإنسان عن فعله، وهي أدلة إثبات وأدلة نفي. وأدلة الإثبات ثلاثة أنواع: آيات يضاف الفعل للعبد بصيغة الفاعل بصورة واضحة، “هدى للمتقين”. آيات تعلّق الجزاء بأفعالهم، “جزاء بما كانوا يعملون”. آيات الذم والتوبيخ على أفعالنا، والتوبيخ ينتج عن مسئولية وإلا كان كالتوبيخ لأحد على قصر قامته أو طولها، “وما منع الناس أن يؤمنوا”. وهي آيات يرد عليها الأشاعرة بردها إلى الكسب. يرى الأشاعرة أن الإنسان لا يمكن أن يخلق شيئًا من العدم فلا خالق إلا الله، والإنسان مُحاسَب على الكسب والإرادة وليس على خلق الفعل ذاته. أما المعتزلة فرأوا أن الله عادل ونفوا عنه إرادة الكفر وخلقه إياها في العبد وكان هذا جُل اهتمامهم.أما أدلة النفي وهي أدلة يتنازعهم فيها خصومهم مثل “ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت” ويعتبر المعتزلة أن أفعال العباد متفاوتة، فلا تكون من خلق الله.

ويذكر هنا أبوزيد رد المعتزلة على رد الأشاعرة على هذا الدليل، حيث استدل القاضي عبدالجبار بآية من آيات الأحكام في تناقض مع ما قاله القاضي نفسه بإخراج آيات الأحكام من دائرة المحكم والمتشابه. ويورد العديد من الأدلة التي يستدل بها المعتزلة وردود الأشاعرة عليها.

وينتهي أبوزيد إلى تأكيد تحول المجاز لسلاح للتأويل لرفع التناقض بين نصوص القرآن من جهة، وبينها وبين أدلة العقل من جهة آخرى. وأن المعتزلة لم يفلحوا دائمًا في رفع هذا التناقض وذلك لمحاولتهم في أغلب الأحيان لي عنق النص القرآني وإخراجه عن سياقه ليتحول إلى دلالة عقلية نظرية. لكنه لا ينفي إخلاص المعتزلة في جهودهم، التي كانت إنجازًا له آثارًا عديدة في مجالات اللغة والمعرفة والمجاز.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات