في مطبخ نصر حامد أبو زيد.. الاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة (١)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

صدر هذا الكتاب لأول مرة ١٩٩٦، إلا أنه كان رسالة الماچستير التي قدّمها نصر أبوزيد في عام ١٩٧٦. وفيها يعرض التأويل العقلاني الذي قدّمه المعتزلة كمنهج للتعامل مع النص، باستخدام أدوات كان من أهمها المجاز، الذي ساهموا في تطوير مفهومه.
الإطار التاريخي لنشأة الفكر الاعتزالي
في التمهيد يقدِّم نصر أبوزيد عرضًا تاريخيًا يؤصل فيه لفكرة أن نشأة المعتزلة كانت بغرض توحيد قوى المعارضة للحكم الأموي وظلمه، فبعد فشل العديد من الثورات مثل ثورة عبد الله بن الزبير وزيد بن علي زين العابدين بسبب عدم القدرة على التوافق على قضايا في الأساس سياسية كالموقف من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، رغم الاجتماع على رفض الظلم الأموي، كان هناك عدة جهود لتقليل الفجوة بين المواقف المختلفة.
كان هناك المرجئة وهم مفكروا الحزب الأموي، ورغم أنهم لم يتناولوا فكرة الإمامة بشكل صريح إلا أنهم اهتموا بتعريف الإيمان حيث يتم بالقول والقلب ولا يشترط العمل، كما اعتبروا أن باب الغفران مفتوح دون ضوابط. في حين اشترط الخوارج العمل مع القول لصحة الإيمان، وقالوا بكفر مرتكب الكبيرة. هذا الخلاف مرتبط بشكل أساسي بالحاكم الجائر والتعامل معه، فالمرجئة يعتبرون أنه مؤمن مهما فعل، فلا يجوز الخروج عليه بينما الخوارج يقولون بمقاومة الحاكم الجائر.
نشأت عقيدة الجبر كمحاولة لمداعبة التصور المرتبط بالتقوى والذي يرى أن الكون خاضع لإرادة الله، واستغله الأمويون لتثبيت دعائم حكمهم. وقف حكام الأمويين موقفًا صارمًا ممن يقولون بحرية الإرادة الإنسانية. فقتل عبد الملك بن مروان معبد الجهني، وذبح خالد بن عبد الله القسري الجعد بن درهم، وقتل هشام بن عبدالملك غيلان الدمشقي.
رغم التعارض الظاهري بينهما فلم يعتبر القائلون بالقدر أن هناك تعارضًا بين التوحيد والعدل قد ينتج من إثبات حرية الإرادة الإنسانية بأن تحد من القدرة الإلهية، لأن القول بالجبر حاول نسبة الشر والظلم إلى إرادة الله، بينما نفى ذلك من قالوا بقدرة الإنسان على الاختيار، ففصلوا الصفة الإنسانية عن الإلهية، ونفوا مشابهة الله للبشر، فالظلم والشر من الإنسان وليس من الله. فتحقق التوحيد والعدل.
أما الجهم بن صفوان فقال بالجبر والإرجاء لكنه شارك في الثورة على الأمويين بسبب سوء معاملة الموالي من غير العرب، واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية. لكن تناقض موقفه وقلة المصادر التي تفسر تحوله من الإرجاء والجبر للثورة تحتاج إلى بعض التخمين، الذي يقول أن جبرية جهم لم تكن كجبرية الأمويين لكنها تفترض للإنسان بعض الفاعلية، كما أن الإرجاء لم يكن للحكام بقدر ما هو لجماهير الناس من المسلمين.
على الهامش: أحد الأشياء التي أختلف معها في هذا السرد التاريخي هو الحديث عن عبد الله بن سبأ ودوره الكبير في الأحداث، لأنني أراه شخصية وهمية تم صنعها تاريخيًا ليقوم بدور محرك الأحداث نيابة عن الصحابة لتبرئتهم.
يقر نصر أبو زيد أن المؤثرات اليهودية المسيحية لعبت دورًا في تطور أفكار الشيعة. هذا التأثير لا يعني نظرية المؤامرة، فالفكر الشيعي نشأ في أرض عربية على يد عرب، ولم تمتد إلى غير العرب إلا خلال ثورة المختار الثقفي، الذي تهاجمه المرويات السنية عبر تأويل حديث النبي يتنبأ بظهور كذاب في ثقيف. وهو الحديث الذي ترويه أسماء بنت أبي بكر أم عبد الله بن الزبير، قاتل المختار!
عندما ثار عبد الله بن الزبير حاول الاستعانة بالخوارج لكن موقفه الموالي لشخص عثمان عفان جعلهم يرفضون دعمه، وحاول الاستعانة بمحمد بن الحنفية لكنه رفض. وبعد ذلك بدأ الإحساس بأهمية التوحد في مواجهة العدو الأموي المشترك.
فرضت الضربات المتلاحقة للشيعة أثرها في تأكيد قداسة المهدي المنتظر، فغلب الجانب الديني على الجانب السياسي. أما مؤسس الإمامية فهو المختار الثقفي الذي طالب بدم الحسين ودعا إلى محمد بن الحنفية الذي اختار العزلة. وكانت هذه الدعوة أول انشقاق في صفوف الشيعة بعد أن كانت الإمامة مقصورة في أولاد فاطمة الحسن والحسين.
أما الزيدية الذين يُنسبون إلى زيد بن علي زين العابدين فقد بايعه الناس في الكوفة، ثم سرعان ما انفضوا عنه بسبب موقفه الرافض للطعن في أبي بكر وعمر. ويُعد الزيدية أقرب لفكر المعتزلة والخلاف بينهما كان على مبدأ الإمامة.
الشاهد هنا أن الخلاف حول الموقف من الأئمة والخلفاء ظل خلافًا يفرق بين الاتجاهات المختلفة حتى داخل طائفة واحدة مثل الشيعة.
بلغ الجبروت في عهد عبد الملك بن مروان أشده. وكان لاستناده على مبدأ الجبر دور في توجه الآخرين إلى مبدأ القدر، وعلى رأسهم الحسن البصري وتلميذيه واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مؤسسا المذهب الاعتزالي. بدأ الحسن بتعديل قول معبد وغيلان والجعد، فقال بالقضاء والقدر بينما نسب المعاصي إلي قدرة فاعلها. فنفى الشر عن الله وجعل فاعله مسئولًا عنه، ودعم آراءه بتأويل آيات القرآن.
كان الخلاف بين واصل بن عطاء والحسن البصري على مرتكب الكبيرة، وهو ما يقابل الإمام الجائر عند الخوارج. كفّر الخوارج مرتكب الكبيرة وكل من خالفهم، بينما كان مرتكب الكبيرة مؤمنًا عند المرجئة، واعتبره الحسن البصري منافقًا. وهو رأي يضمن استمرار الوضع على ما هو عليه، لأن المنافق يعامل معاملة الدنيا طالما لم ينكر الإيمان بلسانه.
الخلاف على مرتكب الكبيرة لم يكن خلافًا فقهيًا، ففي الخلفية كان الموقف من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والكبير جزءًا من الخلاف بين الفرق. وكان السؤال عن موقف شخص منهم عاملًا أساسيًا في تحديد الموقف منه، مثلما سأل الحجاج الحسن البصري عن رأيه في علي وعثمان، وربما ذلك هو ما جعله يلجأ للتُقية أغلب الوقت.
أما واصل بن عطاء فقال أن مرتكب الكبيرة فاسق يُخلَّد في النار إذا لم يتُب. وهو رأي أقرب الخوارج في خلوده في النار ويتشابه مع الحسن البصري مع اختلاف التسمية، ويتعارض مع المرجئة. سعى واصل إلى توحيد الحكم على مرتكب الكبيرة، فقد أجمع المختلفون على فسقه لكنهم أضافوا له إما الكفر أو الإيمان أو النفاق، فكان الحل هو الاكتفاء بكونه فاسقًا. كما مثلت التوبة باب الأمل المشروط الذي يمكن أن يصل بين الخوارج والمرجئة.
أما الحكم على المتحاربين فقد أرجأ المعتزلة حكمهم إلى يوم القيامة لسابقتهم في الإسلام، رغم إقرارهم بوجود طائفة مخطئة لم يحددوها. وأما الموقف من الأمويين، فالمعتزلة يبرأون من عمرو بن العاص ومعاوية. وفي ذلك يتفقون مع الشيعة والخوارج ويختلفون تمامًا مع المرجئة.
كان هناك تأثرًا متبادلًا بين المعتزلة والشيعة، فقد أخذ واصل وعمرو بن عبيد عن عبد الله بن محمد بن الحنفية. وتتلمذ زيد بن علي -صاحب أول ثورة مسلحة علوية بعد مقتل الحسين- على يد واصل بن عطاء. وربما نفهم تأثير واصل على زيد من خلافهما مع آل البيت على اشتراط القدرة على الخروج والثورة شرط للإمامة. واستمرت مساهمة المعتزلة في ثورات الزيدية المتعاقبة حتى ضد العباسيين.
ترتبط مبادئ المعتزلة بالموقف السياسي، فمرتكبوا الكبيرة هم الأمويين وعُمالهم، والوعد والوعيد يرتبط بمسئولية الإنسان عن أفعاله لإثبات عدالة الله بتحقق وعده للمؤمنين ووعيده الكافرين. وهو موقف يتفق مع الخوارج ويختلف مع المرجئة. ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا خلاف عليه كمبدأ لكن الخلاف يكون في التطبيق. يرى الخوارج تطبيقه بالسيف، وربط زيد بن علي بين الخروج والإمامة. وبذلك قرن بين الخوارج والشيعة. كما يرتبط مبدأ التوحيد بنفي مشابهة الله للبشر، أي نفي مشابهته للحاكم الأموي الذي كان عنوان الشر. ويرتبط مبدأ العدل بنفي الجبر الذي يعفي الحاكم الأموي من مسئولية الظلم والطغيان.

المعرفة والدلالة اللغوية
نشأ الفكر الاعتزالي استجابة لظروف اجتماعية وسياسية ذات صبغة دينية، لكن تطوره بسبب احتكاكه بثقافات دينية أخرى كان لابد أن يقوم على وسائل استدلالية تميِّز بين أدلة العقل وأدلة النقل. كما كان للعصبية التي ظهرت بين العرب والفرس في أواخر الحكم الأموي وبداية الحكم العباسي دور في وقوف المعتزلة موقفًا يحتكم إلى شيء يملكه الناس جميعًا، لرفع التفاخر بالأنساب والأجناس.
ارتبطت قضية المعرفة بقضية الإيمان عند المرجئة الذين انقسموا إلى قسمين: جبرية على رأسهم جهم بن صفوان، وقدرية وعلى رأسهم غيلان الدمشقي. وكان موقف جهم الجبري يهدف إلى إثبات القدرة لله ونفي مشابهته للإنسان، بينما اعتبر غيلان أن معرفة الإنسان لله تنتج عن النظر، وهو فعل خاضع لقدرة الإنسان وإرادته.
يَعتبر أبو الهذيل العلّاف -شيخ المعتزلة البصريين- أن المعارف نوعان: نوع باضطرار وهو معرفة الله ومعرفة الدليل الداعي إلى معرفته، ومعرفة اختيار وهي ما بعدهما من العلوم الواقعة عن الحواس والقياس. ويعتبر العلّاف أن معرفة الله هي المعرفة الأولى، أن أنها معرفة ضرورية جبرية، وهو ما يكشف التصادم بين أهم مبدأين من مبادئ المعتزلة: التوحيد والعدل.
أما إبراهيم النظّام -تلميذ العلّاف- فانطلق من توحيد الله عبر نفي قدرته على فعل الشر تنزيهًا له. إلا أن ذلك يحتوي على مغالاة تجعل الله مجبورًا على أفعاله. أما الفعل الإنساني عنده فينقسم إلى مباشر وهو ما يفعله الإنسان في ذاته، ومتولد وهو ما يتجاوز ذاته. كأن يرمي الإنسان حجرًا في بحيرة (فعل مباشر) فيتحرك الماء بحركة الحجر (فعل متولد). عند النظّام لا يكون الإنسان مسئولًا عن الفعل المتولد، فهو من فعل الله بإيجاب الخلقة. أي أن القدرة الإلهية هنا تعبر عن نفسها بقوانين طبيعية من صنعها وغير مفروضة عليها من الخارج. ويصبح الإنسان نفسه بكل قدرته على الفعل جزءًا من ذلك القانون. فيكون الإدراك فعلًا لله لأنه متولد عن الرؤية، والمعرفة متولدة عن النظر.
أما عند الجاحظ، فالإنسان يتميز بالقدرة والاستطاعة، والعقل تابع للاستطاعة والمعرفة تابعة لهما. غير أن الجاحظ يربط العقل والمعرفة بالحاجة الإنسانية لهما. وهو يرى أن المعرفة الضرورية طباع من عند الله، والإنسان له الإرادة، وأفعاله تحصل منه طباعًا. وهنا نجد معضلة عدم قدرة الكافر على الإيمان لأن ذلك من طبعه، لكن الجاحظ يحلها بالقول أن الكافر تحققت له المعرفة الضرورية بالله وصفاته لكنه أنكر وعاند.
العقل والمعرفة
يُعد كتاب العقل للحارث المحاسبي المُنتسِب للمدرسة الكُلّابية أول كتاب يتناول تعريف العقل. وتعتبر هذه المدرسة أن كل أفعال العباد يخلقها الله. وقد حاول الأشاعرة الذين يعتبرون هذه المدرسة أساس مذهبهم التخفيف من جبريتها بالقول بأن فعل الإنسان خلقه الله واكتسبه الإنسان بالقدرة التي منحها الله له. في إطار هذه النظرة للقدرة الإنسانية يصبح العقل غريزة فطرية يستخدمها الإنسان للوصول للمعرفة عبر النظر في الأدلة التي وضعها الله، سواء أدلة مادية تدل على وجود الخالق، أو أدلة خبرية على ألسنة الرسل.
يتشابه الحارث الصوفي مع الجاحظ في اعتبار أن المعرفة حاصلة لكل البشر، لكنه يرد العصيان والكفر إلى إرادة الله الشاملة لأن الله يختص بالتوفيق من يشاء من عباده.
أما الباقلاني فرغم أنه أشعري إلا أنه أحدث نقلة في مفهوم الكسب بأن أثبت تأثير القدرة الحادثة في تأثير الفعل، ليُحمِّل الإنسان مسئولية حسن الفعل وقبحه، ونفي ذلك عن الله نفيًا تمامًا. فسد الفجوة بين التوحيد والعدل عند المعتزلة. العلم عند الباقلاني نوعان: علم قديم وهو علم الله وهو ليس علم ضرورة ولا استدلال، وعلم مُحدث يعلم به المخلوقون وهو إما علم ضرورة يصل إليه الإنسان بالحواس أو كعلم مبتدأ في النفس وما يحدث بها من أحاسيس، والبديهيات مثل أن الضدين لا يجتمعان. فهو يجمع المعرفة الحسية والبديهية ويعتبرهما لا يمكن الشك فيهما.
أما العلم النظري فهو ما يتم التوصل إليه بالنظر والاستدلال، و من الممكن الشك في نتائجه، وهو علم كسبي خاضع لفعل الإنسان، وهو مبني على العلم الضروري بجانبيه الحسي والبديهي. والاستدلال يكون بالنظر في الدليل الذي يقسّمه الباقلاني إلى ثلاث أنواع:
- عقلي مدلوله يتعلق بدلالة الفعل على فاعله وصفاته وقدرته.
- سمعي شرعي من طريق النطق بعد المواضعة.
- لغوي دال من جهة المواطأة والمواضعة على معاني الكلام ودلالات الأسماء.
يقدم الباقلاني كأشعري الأدلة الشرعية على الدليل العقلي، بينما تتطابق أفكاره عن المعرفة والعلم مع أفكار القاضي عبد الجبار.
الفارق الأساسي بين المعتزلة والأشاعرة هو تقديم المعتزلة للدليل العقلي على الدليل النقلي، ويعود الفصل بين الدليلين وتحديد الأسبقية بينهما إلى أبي علي وأبي هاشم الجبائيين، اللذان اعتبرا أن العقل قادر على الوصول للتوحيد والعدل ومعرفة الحسن والقبيح، بينما الشرع يحدد مقادير الطاعات ومواقيتها كالصلاة والزكاة. بالنسبة للمعتزلة لا يعني الفصل بين النقل والعقل وجود تعارض بينهما، بل كل ما في القرآن يوافق العقل. ولتأكيد هذا الاتفاق كان لابد من تحديد ماهية العقل، والتعرف على طبيعة الوصول إلى المعرفة اليقينية، وتحديد طبيعة الأفكار التي يمكن للعقل الوصول إليها.
العقل عند المعتزلة ضرورة من ضرورات التكليف الإلهي للبشر، بحكم مسئولية الإنسان وقدرته على الفعل. وكما يحتاج الإنسان القدرة على تنفيذ ما كُلف به، يحتاج إلى معرفة ما كُلف وصفاته. هذه المعرفة اعتبرها العلّاف والنظّام ضرورية، بينما اعتبرها القاضي عبد الجبار من فعل الإنسان ووسيلتها العقل. والعقل عنده مجموعة من العلوم الضرورية، كالعلم بالمدركات أي الوصول بالاستدلال إلى مرحلة تجعله كالمدرك بالحواس.
هناك من يقول أن لا حقيقة للأشياء في ذاتها وأن المدرِك هو من يحدد حقيقة الشيء حسب ما يعتقده ويدركه. ويتصدى القاضي عبد الجبار لذلك لأن الفصل بين المدرِك والمدرَك هو ما يثبت وجود الواقع الخارجي الذي يُستدل بوجوده على وجود الصانع. ويحدد شروط المعرفة الحسية بسلامة الحاسة وارتفاع الموانع التي قد تخدع الحواس. والعقل هو من يحكم على صحة الإدراك الحسي.
يعتبر القاضي عبد الجبار أن من المعرفة الضرورية معرفة حال المدركات لارتباطها بأدلة التوحيد وإثبات الله بصفاته من القدرة والعلم والحياة. كما أن من العلم الضروري معرفة القبيح والحسن، ووجوب شكر النعمة، لأن ذلك يُثبت العدل. والحقيقة أن كل ما يتم اعتباره هنا من العلوم الضرورية هو محل نظر.
يُعد الاستدلال والنظر هو وسيلة الانتقال من العلوم الضرورية التي يتساوى فيها الناس إلى العلوم المكتسبة التي يتفاوت فيها الناس حسب قدرتهم على الاستدلال. وسلامة صحة النظر هو الشك. فالعالم والجاهل بالشُبهة لا يمكن أن يقع منهما النظر، لأنهما لا يجوّزان عكس ما يعتقداه.
وعلى هذا تقوم المعرفة عند القاضي عبد الجبار على أساسين: نفسي وهو الخوف من الخطأ والجهل، ومعرفي وهو الشك وتجويز أن يكون الواقع على خلاف ما يعتقده الشخص. والغاية الدينية للمعرفة لها شقين: دنيوي أخلاقي بفعل الحسن وتجنب القبيح، وأخروي بمعرفة خالقه وأداء تكليفاته للخلاص من العذاب المحتمل.
الباعث على النظر عند القاضي عبد الجبار يأتي من خارج الإنسان خوفًا من العقاب الخارجي، ويأتي من داخله في نفس الوقت وهو الشك. ولا يرى القاضي أن النظر قد ينتج عنه جهلًا، لكن من الممكن أن يقود إلى غالب الظن أو إلى الشك مرة أخرى في أسوأ الأحوال، طالما كان النظر من عاقل في دليل معلوم على الوجه الذي يدل.
والأدلة عند القاضي عبد الجبار ثلاث أنواع:
- أدلة التوحيد وهي أدلة الصحة والوجوب حيث يقود الفعل إلى وجود الفاعل. وتستند إلى العلوم الضرورية.
- أدلة العدل وهي أدلة الدواعي والاختيار، وهي ترتبط بأحوال الفعل والفاعل، والقول بأنه يفعل الحسن ولا يفعل القبيح.
- أدلة النبوات والشرائع أو أدلة المواضعة، أو الوحي.
ويقسمها تقسيم آخر إلى:
- أدلة تدل على مدلولها بغض النظر عن اختيار فاعلها، كدلالة الأعراض على حدوث الأجسام.
- أدلة تدل على مدلولها بشكل يرتبط باختيار الفاعل، كالكلام الشرعي لا يُفهم إلا بفهم قصد المتكلم. ولا يمكن فهم قصده إلا بعد معرفة التوحيد والعدل، أي معرفة الله بصفاته وما يجوز وما لا يجوز، وهذا هو الشرط الأول لفهم الدلالة الشرعية. أما الشرط الثاني فهو المواضعة.
الدلالة اللغوية وشرط المواضعة
فصَل المعتزلة بين صفات الذات وصفات الفعل، واقتصرت الصفات الذاتية عندهم على العلم والقدرة والحياة والقِدم. أما الكلام فهو من صفات الفعل، يجوز فيها القياس. هي صفة حادثة مع وجود الحاجة الكلام. ولأن الله يتنزه عن العبث، فالكلام لابد أن يكون مفيدًا، وذلك لا يتم إلا إذا تقدمت المواضعة عليه.
رغم الاتفاق على المواضعة كشرط، إلا أن هناك خلاف على طبيعتها، هل هي توقيف من الله كما يقول الأشاعرة، أم اصطلاح من البشر كما يعتقد المعتزلة؟
ومحور القضية هي آية سورة البقرة {وعلم آدم الأسماء كلها}. وهي آية اضطرب أمامها المعتزلة بشدة، فقال أبو علي الجبائي بالتوقيف، في حين خالفه ابنه أبو هاشم وقال بالاصطلاح بعد تأويل الآية.
ويعتبر ابن جني والقاضي عبد الجبار أن توقيف المواضعة يتطلب إشارة أو إيماءة بالجوارح نحو موضع المواضعة، والله قديم لا جارحة له، فلا يصح أن تكون المواضعة على اللغة منه. بينما يجوز أن يتواضع الناس على لغة، وتكون المواضعة الثانية على لغة أخرى من الله؛ لأن لا حاجة هنا إلى إشارات حسية.
تُعد الإشارة الحسية -شرط المواضعة- قرينة المعرفة الضرورية، حيث ارتباط الاسم بالإشارة الحسية يحوله إلى معرفة ضرورية إدراكية. وكما لا تجوز الإشارة الحسية على الله، فإننا لا يمكن أن نعرف قصده اضطرارًا. على عكس المتكلم العادي الذي يمكن أن يزاوج بين الكلام والإشارة. واعتبر القاضي عبد الجبار أن المواضعة حدثت للملائكة أولًا ثم علم آدم الأسماء بهذه اللغة. أما أبو الحسن الأشعري ومن بعده الأشاعرة فاعتبروا المواضعة توقيف من الله. وهذه القضية تعود إلى قضية خلق القرآن كما ترتبط بمبدأ القصد ودور الاستدلال العقلي عند المعتزلة. فإذا كانت المواضعة توقيفًا، لم يصبح للعقل دور في معرفة القصد الذي أصبح معرفته اضطرارية. ومن جانب آخر يلغي التوقيف قدرة اللغة على التطور.
رغم اتفاق المعتزلة والأشاعرة في غاية التنزيه والتوحيد، فإن ذلك انتهى بالأشاعرة إلى اعتبار الكلام أزليًا؛ لأن نفي الكلام عن الله في الأزل يعني وصفه بنقيض الكلام وهو الخَرَس، وذلك لا يجوز. وهذا لم يكن واردًا عند المعتزلة لأنهم لم يعتبروا الكلام من صفات الله ذاته، عكس الأشاعرة.
الدلالة اللغوية وشرط القصد
يمكن مناقشة مفهوم القصد عند المعتزلة بمناقشة علاقة الاسم بالمُسمى أو الدال بالمدلول. يساوي الأشاعرة بين المعنى النفسي والكلام، وبالتالي يساوون بين الاسم والمُسمى، على عكس المعتزلة. يعتبر الجاحظ أن العلاقة بين الاسم والمُسمى هي تضمن الاسم لمعنى، وهي علاقة شبيهة بالقصد عند القاضي عبد الجبار. وبالتالي لا يتم الفصل بين المواضعة والقصد، حيث ترتبط المواضعة بقصد المتكلم كبديل للإشارة الحسية بهدف الإنباء عند القاضي أو الإبانة عند الجاحظ.
الخلاف هنا بين الأشاعرة والمعتزلة أن معرفة قصد الله يتم بمعرفة صفة أفعاله وما يجوز منها وما لا يجوز، أي الدلالة اللغوية تابعة للدلالة العقلية. أما الأشاعرة فاكتفوا بالمواضعة واعتبروا أن معرفة القصد تتم بدلالة الكلام؛ لأنهم وحدّوا بين الكلام -الدلالة- والمعاني النفسية -المدلول- واعتبروهما شيئًا واحدًا أزليًا قائمًا بالله.
في النهاية يؤكد أبو زيد على فصل المعتزلة بين المعنى النفسي البشري والقصد على المستوى الإلهي كنتيجة للفصل بين الاسم والمُسمى والفصل بين اللفظ والمعنى على مستوى الكلمات المفردة، وبين العبارة والمعنى على مستوى التراكيب.
وهنا يأتي دور المجاز عند المعتزلة..
إلى لقاء في الجزء الثاني من الاتجاه العقلي في التفسير عند المعتزلة ….
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد