في مطبخ نصر حامد أبوزيد… الشافعي وتأسيس الأيديولوچية الوسطية
بقلم: عمرو عبد الرحمن

صدر هذا الكتاب لأول مرة عام ١٩٩٢، وواجه بسببه هجومًا عنيفًا. ويمكن اعتباره نواة لمشروع بحث يرتبط بالسُنة، لكنه لم يكتمل.
في مقدمة الكتاب يتحدث نصر حامد أبوزيد في عدد من الصفحات يعادل نصف عدد صفحات الكتاب نفسه بلهجة يغلب عليها الأسى والغضب نتيجة استقبال الكتاب بالهجوم على شخص الكاتب وعقيدته ومدى أهليته لمناقشة الموضوع. وقد خص بالذكر محمد بلتاجي عميد كلية دار العلوم وأستاذ الفقه وأصوله، وعبدالصبور شاهين الأستاذ بدار العلوم. يطرح نصر عدة أسئلة هامة في البداية:
- هل يمكن تجديد الفكر الديني دون تناول تراث هذا الفكر تناولًا تحليليًا نقديًا يتجاوز التناول التقليدي الاحتفالي؟
- هل شرط الاجتهاد والتجديد أن يدور الباحث في إطار اجتهادات وتجديدات السابقين؟
- هل الموقف الدفاعي ضد تحليل بعض أفكار الشافعي هو دفاع عن الشافعي أم دفاع عن التقليد؟
وللإجابة على هذه الأسئلة يؤكد أبوزيد على بعض الأمور:
- أن الدراسة هنا هي تحليل لخطاب وأفكار الشافعي وليست دراسة في الفقه والشريعة، فالعلوم لا تعيش في جزر منعزلة، والتخصص لا يعني عدم إمكانية تناول الأفكار والخطابات من زوايا مختلفة، ولا يعني الحق الحصري في البحث والدراسة.
- الفارق بين الفكر الديني الحالي والفكر الديني الكلاسيكي في عصور الازدهار هو الفارق بين التقليد والإبداع. وأن التراث يتجدد بمداومة بحثه وتحليله كلما استجدت مناهج، واتسعت قدرة العقل الإنساني معرفيًا على إدراك ما لم يمكنه إدراكه من قبل.
- موضوع الكتاب هو آليات التأصيل التي أقام عليها الشافعي استدلالاته ومنهجه، وليس الأصول الفقهية أو التشريعية التي يستنبط منها الأحكام. هو دراسة في المنهج الذي نجده في كل كتابات الشافعي لأن مجالات المعرفة لا تنفصل في سياق ثقافة محددة. يمكننا أن نضم الشافعي والأشعري والغزالي في سياق معرفي واحد، يجمعه المنهجية الوسطية التي بها صاغوا الأفكار والمفاهيم في مجالات مختلفة وكلٌ بطريقته الخاصة.
- النشاط الفكري ليس منعزلًا عن المشكلات الاجتماعية التي يواجهها المفكر. فلا يمكن النظر للشافعي بوصفه مفكرًا معلقًا في الفراغ، ولا التعامل مع فكره كحقائق طبيعية لا تقبل النقاش أو الرد. فالحقائق الطبيعية نتاج قوانين حتمية وهو ما لا ينطبق على الحقائق المعرفية في العلوم الإنسانية.
- الأهم من مناقشة تلك الحقائق من منظور الصواب والخطأ هو البحث عن تفسير لها بالرجوع إلى جذورها الاجتماعية لنفهم مثلًا لما ألحَّ الشافعي على “عربية القرآن”؟ ولماذا ألحَّ على الدفاع عن السُنة؟ لنفهم طبيعة الدوافع الاجتماعية المُحركة لفكره والمُحددة لآليات خطابه.
- الصدق وعدم الصدق لمنهجية الفكر أمور نسبية أو تاريخية بالمعنى الاجتماعي ترتبط بالنظرة للعالم، وهي نظرة تختلف بين المعتزلة والأشاعرة والشيعة، لذلك يمكن الحديث عن أيديولوچيات مختلفة داخل النظام الفكري الإسلامي ووضع فكر الشافعي داخل الأيديولوچية الوسطية التي تفترض أيديولوچيات أخرى تتوسطها.
- كل الخلافات الاجتماعية بين الجماعات المختلفة في تاريخ الدولة الإسلامية كانت صراعًا على ملكية النصوص، واستنطاقها لتؤيد هذا التوجه أو ذاك؛ لأن النصوص كانت حلبة الصراع الوحيدة المتاحة. ما يعني أن تاريخ الفكر الإسلامي ليس نزاعًا حول الحقيقة، وهيمنة اتجاه فكري على باقي الاتجاهات لا تعني امتلاكه الحقيقة.
- سيطرة اتجاه فكري معين لفترة طويلة لا تعني أن باقي الاتجاهات ضالة كافرة؛ لأن نفي الاتجاهات الأخرى هو من آليات السيطرة السلطوية لفرض حقائق على الوعي الجماعي. إن ما يميز منهج تحليل الخطاب هو أنه لا يفصل الفكر عن جذوره الاجتماعية ولا يتعامل مع اتجاه ما على أنه “الحقيقة” لمجرد السيطرة والانتشار.
- للأفكار تاريخ، وحين يتم عزل الأفكار عن تاريخها تتحول إلى “عقائد”، فيدخل في مجال الدين ما ليس منه، ويصبح الاجتهاد البشري ذو الطابع الأيديولوچي نصوصًا مقدسة، لذلك فالصراع بين منهج تحليل الخطاب ومنهج القراءات التكرارية التقليدية هو صراع حول الوعي الإسلامي الراهن: هل يظل في حالة جمود أم ينطلق باحثًا لفهم التراث والاشتباك معه والإضافة إليه؟
ثم يشرع نصر أبوزيد في شرح بعض المصطلحات والبداية مع مصطلح “النص“. في مجال علم العلامات -السيميوطيقا- النص هو كل نسق من العلامات اللغوية وغير اللغوية -مثل الشعائر والأزياء والفنون السمعية والبصرية- يؤدي إلى إنتاج معنى كلي، أما علم الخطاب فيقتصر على أنساق العلامات اللغوية، والعلاقة بينهما علاقة الكل والجزء. في مجال علم الخطاب هناك فرق بين النص الأصلي والنص الثانوي. في حالة التراث الإسلامي يكون القرآن هو النص الأصلي والنصوص الثانوية التي تراكمت حوله تبدأ بالسُنة النبوية إذ هي في جوهرها بيان للنص الأصلي. ثم تكونت نصوص ثانوية أخرى من اجتهادات الأجيال المتعاقبة من الفقهاء والمفسرين. والقول بأنها نصوص ثانوية لا يعني التقليل، بل هو وصف وليس حكم قيمي.
حين يقول نصر أبوزيد أن العقل العربي الإسلامي يعتمد سلطة النصوص، يقصد النصوص الثانوية التي تحولت إلى نصوص أصلية بفعل عوامل اجتماعية تاريخية، فانحصر مجال الاجتهاد في فهم النصوص الثانوية والترجيح بين آراء الفقهاء والمفسرين، وتراجع بشكل تدريجي التعامل مع النص الأصلي. كان عصر التدوين هو عصر صياغة الذاكرة -وهو العصر الذي ينتمي إليه خطاب الشافعي- والذاكرة هنا يمكن أن تعتمد على التكرار والحفظ أو أن تتجاوز ذلك إلى الاستنتاج والتفكير وفق أصول منهجية، ويحدث ذلك في عصر الانتقال من الشفاهية إلى التدوين. ومن هنا يصبح عصر التدوين هو عصر تأسيس الأصول في تاريخ الأمة. وهو تأسيس يحدث وسط صراع بين اتجاهات فكرية مختلفة حول تأصيل تلك الأصول في كل المجالات المعرفية. أي أنها عملية اختيار من متعدد. والكتاب هنا هو تحليل لبعض جوانب الصراع بين “أهل الرأي” و”أهل الحديث” ودور الشافعي في “التوسط” بينهما، وهو توسط لا يخلو من انحياز أيديولوچي لمذهب أهل الحديث، وهو ما ندركه نتيجة تحليل خطابه.
كان الصراع على من له الأولوية: العقل أم النقل؟ التأويل عند أنصار أولوية العقل أم الدلالات الحرفية بتوسيع مجالات النصوص والتأكيد على شموليتها عند أنصار أولوية النقل؟ ومن هنا نشأ مصطلح “سلطة النصوص”. وهنا يفرِّق نصر أبوزيد بين النصوص وسلطتها المعرفية التي تمارسه بما تقدمه من جديد بالنسبة للنصوص السابقة، وبين السلطة الاجتماعية الثقافية التي تمارسها جماعة تتبنى هذه النصوص وتحولها إلى إطار مرجعي. السلطة هنا لا تنبع من النص بل من الفكر الذي يمارس الهيمنة بتوسيع دلالاته خارج الزمان والمكان. يظهر ذلك الموقف بوضوح شديد في رد الإمام علي الخوارج حين قالوا “لا حكم إلا لله” عندما قال “القرآن بين دفتي المصحف لا ينطق وإنما يتكلم به الرجال”. أي أن عقل الرجال ومستوى معرفتهم هو من يحدد الدلالة ويصوغ المعنى. فلا تصادم بين العقل والنص، إنما التصادم بين العقل وسلطة النصوص. وبما أن العقل هو السلطة الوحيدة التي يمكننا بها فهم النصوص، يصبح التقليل من شأن العقل بمثابة عقد ملكية يُمنح لبعض العقول التي تمارس هيمنتها باسم النصوص، ليصبح الخلاف معها كفرًا وهرطقة.
أما مفهوم “شمولية النص” -الذي بدأ برفع الأمويين للمصاحف فوق أسنة السيوف- لكل نواحي الحياة فهو يلغي المناطق الدنيوية التي تركها للعقل والخبرة والتجربة، ما يؤدي للقول بالحاكمية في الخطاب الديني المعاصر، وتحكيم المفهوم الحرفي للنصوص في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما نراه في الأسئلة الغريبة التي يسألها الناس لرجال الدين طلبًا للفتوى في كل صغيرة وكبيرة من شئون حياتهم. وهو ما رأيناه في البداية بتحكيم الرجال: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري. احتاج الشافعي إلى تأسيس مشروعية اعتبار السُنة مصدر ثاني للتشريع، ولو كانت هذه المشروعية قطعية لما احتاج الشافعي كل هذا الجهد الفكري في الرد على من ينكرون استقلال السُنة بالتشريع. وأصبحت سيادة اجتهاد الشافعي بعد رده على فقهاء آخرين كان لهم موقف مخالف ظاهرةً تاريخية يمكن دراستها وتحليل أسبابها؛ لأن الاجتهاد وإن هيْمن لا يكتسب منطق اليقين المطلق.
لكي يؤسس الشافعي للسُنة باعتبارها وحي، صاغ مفهوم العصمة المطلقة، ثم حاول إيجاد سند لذلك من القرآن فاعتبر أن “الحكمة” إذا جاءت معطوفة على القرآن فهي تعني السُنة، ثم جعل مفهوم “الإلقاء في الروع” إذا جاء في الحديث مساويًا لمفهوم الوحي. لكن أخطر ما قام به الشافعي هو توسيع مفهوم السُنة ليشمل كل أقوال النبي بصرف النظر عن سياق القول، فصار كل قول للنبي وحيًا اعتمادًا على تأويله للآيات “وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى” رغم أن الضمير هو يعود على القرآن. إن انتقال مصطلح السُنة من حيز الدلالة اللغوية إلى حيز المصطلح الأصولي لم يحدث في حياة النبي، فحين سأل النبي معاذ بن جبل حين أرسله لليمن: “بم تحكم؟” لم يكن الحكم بمعناه السياسي وإنما بمعنى القضاء، وحين أجابه معاذ “بكتاب الله” ثم “سُنة رسول الله” لم تعني السُنة هنا البحث في أقوال وأفعال مسطورة في كتب، وإنما هي العادة المقبولة التي قضى بها النبي.
إن قراءة هذه الواقعة بأثر رجعي يؤدي للالتباس بين السُنة في حياة النبي أو حتى بعد وفاته وبين السُنة كما أسس لها الشافعي في كتبه. وهو التباس أصبح متجذرًا في العقل المسلم باعتباره حقيقة لا يجوز مناقشتها. يبدأ البحث بالتساؤل عن سر انحياز الشافعي لأهل الحديث ضد أهل الرأي خلافًا للاعتقاد السائد بأنه توسط بينهما من خلال منهج توفيقي. ثم يقود ذلك السؤال إلى التساؤل عن الحرص على تدشين السنة نصًا مُشرّعًا، وحرصه على الدفاع عن “عربية” القرآن، وهل هو دفاع عن “العربية” أم “القرشية” التي استقرت كلهجة معتمدة في قراءة القرآن بعد استبعاد قراءات أخرى؟ وهل كان ذلك جزءًا من النزعة القرشية التي أرادت السيطرة على المشروع الإسلامي منذ وفاة النبي؟ ذلك باعتبار أن فكر الشافعي ليس مفارقًا لزمانه ومكانه، بل فكر بشري أنتجه إنسان في سياق الواقع الذي يعيش صراعاته وإشكالياته. وينتج عن ذلك انحيازات أيديولوچية طبيعية تجعل فهم خطابه يحتاج إلى إعادة زرعه في سياقه التاريخي بعد ان انفصل عنه وأصبح مطلقًا مقدسًا. ويدلل أبوزيد على ذلك بقبول الشافعي للمرويات الموضوعة عن فضل قريش على الناس ويعلّٓق على وجود إشكاليات تتعلق بالسند والمتن والدلالة حيث أنها نصوص أُنتِجت في ظل صراعات أيديولوچية بدأت في السقيفة وحتى غزو المغول لبغداد.
والسؤال هنا هل هناك علاقة بين النزعة العربية القرشية للشافعي وخطابه الفكري الذي أنتجه؟
إن الإجابة تظهر في وضع السُنة كمرجع تفسيري للقرآن، ثم جعلها وحيّا مساويًا للقرآن في المكانة التشريعية بعد توسيع دلالاتها، لتشمل التشريعات والعادات والأعراف التي هي ممارسات قرشية يمارسها النبي باعتباره إنسان يعيش في التاريخ والواقع. وإذا كان الإمام مالك يعتبر عمل أهل المدينة من السُنة، فإن الشافعي حوَّل هذه العادات والأعراف إلى وحي ودين ملزم للناس جميعًا. وليس الدافع هنا عند الشافعي تآمريًا أو نفعيّا، لكن من تحليل خطابه يجد نصر أبوزيد ظهورًا للنزعة الصوفية باستدعاء مفهوم الحقيقة المحمدية الأزلية الموجودة قبل خلق آدم، فيجمع بين الأزلي والتاريخي في شخص محمد، وتتحول السُنة بدلالتها الواسعة جدًا إلى وحي.

يبدأ الكتاب بتقديم رواد الوسطية الثلاثة في التاريخ الإسلامي: الشافعي في الفقه، والأشعري في العقيدة، والغزالي في الفكر والفلسفة. ويلفت أبوزيد النظر إلى أن سيادة هذا التيار ترجع لأسباب تاريخية، وأن القول بمركزية الوسطية في الفكر الإسلامي يرجع إلى دوافع أيديولوچية لوضع هذا التيار في ثياب القداسة و الإطلاق. وأزيد أن الدليل على ذلك هو التلازم بين الوسطية وتيار بعينه مع مرور قرون من الزمان لإيقاف أي بحث عن وسطية حديثة بعد نفي كل الآراء التي تم التوسط بينها في الماضي، وإيقاف عجلة الاجتهاد في الحاضر.
لا يمكن فهم أطروحات الشافعي بمعزل عن مستويات الصراع التي وُلدت منها، فكان هناك الصراع الفكري بين أهل الرأي وأهل الحديث في مجال الفقه، والصراع بين المعتزلة والمِشبِّهة والمُرجئة في مجال العقيدة، والصراع الشعوبي بين العرب والفُرس والذي تداخل مع تلك الصراعات الفكرية، ومستوى الصراع الاجتماعي السياسي الذي يتخذ شكل الصراع الديني حول تأويل النصوص. تركزت أصول الشافعي الفقهية في أربعة أصول يؤسس مشروعية اللاحق منها على السابق: الكتاب والسُنة والإجماع والقياس. فأصبح الكتاب والسُنة بناءًا دلاليًا واحدًا يمكن للشافعي بناء الإجماع عليه. ويأتي القياس ليصبح استنباط من النصوص الثلاثة السابقة عليه ليتم تضييق مساحة الاجتهاد وربطها باللانص الذي أصبح نصًا.
أولًا: الكتاب
يبدأ الشافعي بالتأصيل لعربية الكتاب التامة بنفي وجود ألفاظ غير عربية في منطوقه، مبررًا ذلك باتساع اللسان العربي اتساعًا لا يحيط به إلا نبي. ينطلق الشافعي من التوسع ليستخدم أدواته في الإحكام والتضييق. وبما أن القرآن صورة مصغرة للغة العربية بالغة الاتساع، فنحن بحاجة للسُنة في تفسير القرآن إلى جانب اللسان العربي. يقارن نصر أبوزيد بين موقف القاسم بن سلام من الألفاظ الأعجمية في القرآن حين قال أن أصولها أعجمية لكنها استقرت بين العرب حتى صارت عربية، فهي تحتمل القول بأنها عربية أو أعجمية. أما الشافعي فقال بأنها من الألفاظ التي تتفق فيها لغات وألسنة مختلفة، ويقارن هنا أبوزيد بين وسطية توفيقية حقَّة ووسطية تلفيقية.
طبقًا للحديث المتواتر فالقرآن نزل على سبعة أحرف حددها الطبري بعد نقاش مستفيض بأنها سبع لهجات من اللسان العربي، وهو تعدد يخلو منه القرآن الموجود بين أيدينا؛ لأن القراءة والحفظ تم على حرف واحد أو لغة هي لغة قريش بناء على تعليمات عثمان بن عفان للجنة التي كوّنها لتثبيت القراءة بعد خلافات حدثت حولها. لذا يمكن اعتبار دفاع الشافعي عن عروبة القرآن دفاعًا عن اللهجة القرشية التي استقرت -بدافع أيديولوچي- إذا وضعنا ذلك بجانب احتفائه بالمرويات التي تؤكد سيادة قريش على الناس كافة ، والاتفاق على أن الخلافة في قريش حتى من غير بيعة أي بغلبة الشوكة. ويظهر هذا الانحياز للقرشية في أن الشافعي كان الفقيه الوحيد في عصره الذي تعاون مع السلطة راضيًا. فمالك بن أنس كان يرى بفساد بيعة المُكرَه وطلاقه، وأبوحنيفة تم سجنه وتعذيبه لرفضه التعاون مع الأمويين، ولم يختلف موقفهما كثيرًا من العباسيين. أما الشافعي فقد تعاون مع العباسيين حتى تولى المأمون السلطة فرحل إلى مصر التي كان واليها قرشيًا هاشميًا. وكان للشافعي موقفًا متشددًا ضد المتكلمين، وأخرج علم الكلام من دائرة العلم الذي حصره في العلم بالكتاب والسُنة. وقد ظهر موقفه المناصر للعروبة النقية في آرائه الفقهية فاشترط القراءة بالعربية في الصلاة كشرط لصحتها بالإضافة إلى القراءة بترتيب الآيات للفاتحة وإلا بطلت الصلاة، في مقابل قول أبي حنيفة – ذي الأصول الفارسية- بجواز القراءة بلغة غير العربية.
ويعتبر أبوزيد أن الخلاف هنا خلاف حول هوية النص القرآني: هل هي المعنى وحده أم المعنى متلبسًا بالألفاظ كوحدة واحدة، والألفاظ هنا عربية قرشية. أما على مستوى الدلالة فقد أقر الشافعي مبدأً خطيرًا وهو أن الكتاب يدل بطرق مختلفة على حلول لكل المشكلات في الماضي والحاضر والمستقبل، وهو مبدأ لم يؤسسه الشافعي لكنه أعطاه صياغته النهائية التي كلفت له الهيمنه والسيادة.
أسس الشافعي للمبدأ بالعقل في سبيل إلغاء العقل وقصر دوره على تأويل النصوص بحثًا عن الدلالات، فكل الحلول موجودة داخل الكتاب وما عليك سوى البحث؛ لأن الكتاب عربي تتسع دلالاته اتساعًا لا يحيط به إلا نبي، وهو ما سيحيلك إلى السُنة. فالكتاب لا يستقل دلاليًا إلا في “النص” الذي يستغني فيه بالتنزيل عن التأويل، ودون ذلك فتحتاج إلى دلالات السُنة واللسان العربي -القرشي- لتفسيرها وتأويلها.
ثانيًا: السُنة
ألحق الشافعي السُنة بالكتاب عبر ثلاثة أوجه: التشابه الدلالي من حيث هي تكرار للخطاب القرآني، علاقة التفسير والبيان كما في تخصيص العام وتفصيل المجمل، انفرادها بالتشريع بوصفها نصًا مستقلًا. وكان انفراد السُنة بالتشريع وأنها ليست وحيًا محل خلاف أصبح كأن لم يكن بسبب هيمنة منطق الشافعي. اعتبر الشافعي السُنة وحيًا من نمط مغاير، كونها إلهام وليس عن طريق جبريل. وقام بالتأصيل لذلك بتأويل كلمة “الحكمة” التي ترد في القرآن كثيرًا على أنها السُنة “وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا”، إلى جانب تأويل مبدأ عصمة النبي باعتبارها مطلقة، رغم أنه يتجاهل مبدأ آخر وهو بشرية النبي، ليتسع مفهوم السُنة ليشمل الأقوال والأفعال والموافقات والعادات والتقاليد.
والسؤال هنا ما الفرق بين الشافعي والمتكلمين الذين أسسوا لأفكارهم بتأويل بعض نصوص الكتاب؟
رغم أن الشافعي يربط بين الكتاب والسُنة باعتبارهما وحيًا، لكنه لا يجعلهما متناسخين، فلا تنسخ السُنة القرآن. ولا ينتبه الشافعي أنه بذلك يناقض نفسه حين اعتبر السُنة وحيًا، ولا يجعله يتفكر في كونها اجتهادات من النبي لفهم الوحي الذي يبلِّغه كنبي ويفهمه ويتفاعل معه كبشري. ويعتبر أبوزيد أن ذلك من قبيل التردد لا التوسط. والتردد هو سمة الفكر التلفيقي الذي يحاول التوفيق بين نهجين على أساس أيديولوچي لا على أساس عقلي معرفي، فينتهي إلى إنتاج مركب أقرب من أحد النهجين وهو هنا نهج أهل الحديث، بينما يرى نهج أهل الرأي أن السُنة نصٌ شارح للكتاب لا يستقل بالتشريع. وحتى بإقراره للقياس قيده الشافعي بالإحالة إلى نص ليحتاج إلى توسيع نطاق السُنة فلا يبقى للعقل دور يقوم به سوى الربط بين الحالة والنص.
عند الأحناف كل ما ورد بالقرآن قطعي الدلالة وكل ما ورد بالسُنة ظني الدلالة عدا السنن المتواترة المشهورة لأن السُنة ظنية الثبوت. وفي هذا تفرقة بين مستويات التحليل والتحريم في كلا النصين. وينتهون إلى أن هناك ثلاثة أنواع من البيان يمكن أن تقوم بهم السُنة: الأول والثاني متزامنان مع الخطاب ومنفصلان عنه وهما بيان المجمل وبيان التخصيص، والثالث هو بيان النسخ والذي يكون متراخيًا عن الخطاب بالزمان، معارضًا لبيان ما فيبدله. أي أن السُنة يمكنها أن تنسخ الكتاب من جهة البيان وليس جهة التشريع.
يرى نصر أبوزيد أن الصراع لم يكن في الحقيقة حول السُنة وأن الشافعي لم يتخذ موقفًا وسطيًا من شئ، وأن الصراع أعمق من ذلك بين قوى التغيير والتقدم وقوى التثبيت والهيمنة، وتعود أصوله إلى سقيفة بني ساعدة حيث تم تدشين سلطة قريش على المسلمين. وعلى المستوى الفكري اتخذ الصراع مع الشافعي شكل محاولة السيطرة على الذاكرة الجمعية حيث تُصاغ هذه الذاكرة على أساس مرجعية النصوص فتتحول إلى قوة حافظة مهمتها استدعاء النص على الواقع، بدلًا من صياغتها على أساس العقل فتصبح قوة مفكرة تعتمد على الاستنباط والاستدلال.
تَركّز الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث حول حُجية أحاديث الآحاد وتقديم أهل الرأي للقياس عليها، وهنا القياس المقصود ليس القياس كما يحدده الشافعي وإنما القياس المعتمد على القرائن والأحكام الكلية التي عُرفت بعد ذلك بالمقاصد الكلية للشريعة. اعتبر أهل الرأي أن ظنية الدلالة الخاصة بالقياس أقوى من ظنية أحاديث الآحاد، في حين تمسك الشافعي بإثبات حُجيتها وتقديمها على القياس. لطالما أثارت السُنة مشكلات تتعلق بالدلالة، فغالبيتها ليست متواترة وتم تدوينها متأخرًا كما لم تحظ الملابسات الخارجية لتكوّن السُنن بنفس القدر من التوثيق الذي حظي به القرآن، ما أدى إلى صعوبة في إنتاج الدلالة، التي ارتبطت بدرجة التواتر. واعتبر الشافعي أن الحديث بدرجاته الثلاثة من متواتر ومشهور وآحاد قطعي الدلالة، وهو ما رفضه أهل الرأي. ولم يقف الخلاف عند أحاديث الآحاد بل هناك من قلل من حُجية المتواترات لأن التواتر جمع آحاد اجتمعوا على رواية ما بالتواتر وليس عيانًا، والتواتر لا يفيد الطمأنينة، فكم من تزوير للتاريخ أصبح متواترًا؟ بل أن أحداثًا شهدناها بأعيننا نجد لها رواية مستقرة في الأذهان وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة؟
يرى نصر أبوزيد أن “التواتر” ظاهرة تحتاج دراسة من زوايا أخرى غير التي تم تناولها في التراث، زوايا نقدية تتعلق بقدرة السلطة السياسية على فرض روايتها وحجب الروايات المعارضة.
يحكم الشافعي على صحة الحديث من عدالة الرواة في سلسلة الإسناد واتصال هذه السلسلة، فترتبط صحة المتن بصحة السند، إلى جانب معقولية الدلالة -التي لم يحدد الشافعي معيارها ويستنج أبوزيد أنه “كليات القرآن”- وعدم مخالفة المتن متنًا أخر أوضح دلالةً. فإذا تحققت هذه المعايير في الحديث/السُنة أصبح من المستحيل الإجماع على خلافها. ويعتبر أبوزيد هنا أن الشافعي يقوم بعملية تبرير واضحة باعتباره عدم الإجماع على ما يخالف الحديث/السُنة يؤدي إلى حجيتها بدلًا من الاعتماد على قبولها وهو الشئ الذي يؤكد الواقع عدم وجوده. فتصبح المتواترات الأعلى حجية تليها المشهورات فالمتصل ثم المراسيل وهي المرويات التي يرويها التابعي مُسنِدًا إياها إلى الرسول مباشرةً. وبهذا يكون الحكم على السُنة وسيلته الإجماع حتى لو كان الإجماع مبني على عدم الإجماع، لتدخل أحاديث الآحاد في إطار السُنة، وتتوسع فاعلية النصوص، وتتبقى فقط مشكلة اختلاف السُنن التي حاول الشافعي حلها.
ناقش الشافعي قضية اختلاف السُنن من زاويتين: اختلاف المرويات في دلالتها، واختلاف جيل الصحابة في العمل. والزاوية الثانية تكشف مشكلة منهج الشافعي من وجهة نظر نصر حامد أبوزيد، فكما كان إجماع الصحابة سُنة، أصبح اختلافهم سُنة، وهذا ناتج عن اعتبار الشافعي للصحابة كجيل من المثاليين لا يتصرفون إلا طبقًا للسُنة. وكما ألغى بشرية النبي ألغي بشرية الصحابة واختلافهم، وجعل حل المشكلة أن يقوم المُحدِّث بمزيد من الاستقصاء والتحري في إطار موافقة نفس الآليات من كتاب وسُنة وإجماع. والمشكلة الحقيقية في رأي أبوزيد في مساواة القرآن بالسُنة رغم غياب سياق القول عن الراوي وهو ما يوازي أسباب النزول بالنسبة لدلالة القرآن، ما يؤثر بالسلب على إمكانية إدراك دلالة السُنن. وبعد أن كانت السُنة نصًا شارحًا للقرآن، أصبحت تحتاج إلى نص شارح لها نتيجة استقلالها بالتشريع. وهو ما يخالفه الأحناف الذين نظروا للسُنة كنص شارح للقرآن. ولا يعتبر أبوحنيفة إجماع الصحابة سُنة واجبة الاتباع، بل يختار من أقوالهم وأفعالهم ما يهديه إليه العقل والقياس شرط ألا يكون ورد فيه حكم في الكتاب أو السُنة، كما يعتبر القياس العقلي حاكمًا على صحة المرويات وخاصًة روايات الآحاد.

ثالثًا: الإجماع
لا يأخذ الإجماع مساحة كبيرة في نقاش نصر حامد أبوزيد، وذلك لأننا سنجد أن الإجماع لا يختلف عن السُنن المروية عن النبي سوى أنه رواية غير ملفوظة. إن الشافعي يعتبر الإجماع هو ما اجتمع عليه الناس مما ليس فيه نص من الكتاب أو السُنة، فهذا الاجتماع يعني عنده إما أنه سُنة لم ترد فيها رواية، أو غير ذلك، وفي الحالتين يقول الشافعي باتباعه -أي اجتماع الناس وهم هنا الصحابة- اتباعًا لهم.أي أن الإجماع هو مظهر من مظاهر توسع السُنة لتشمل إجماع الصحابة والتابعين دون تحديد لآلية الحكم على حدوث الإجماع فتضيق مساحة الاجتهاد أكثر وأكثر.
ويشير هنا أبوزيد إلى أن ذلك سببه هاجس الشافعي في البحث عن اليقين والحجة لكن ذلك أدى إلى منهج لا يخلو من تلفيق؛ لأنه كان موقفًا أيديولوچيًا يواجه موقفًا أخر يعلي من دور العقل في الوصول لذلك اليقين.
رابعًا: القياس/الاجتهاد
يقسِّم الشافعي الأحكام إلى نمطين: “الحكم بإحاطة” وهو الذي يكون مبنيًا على الظاهر والباطن، و”الحكم بغير إحاطة” وهو مبني على الظاهر فقط وهو دائرة عمل القياس. وينحصر دور القياس في اكتشاف حكم موجود بالفعل في النصوص الدينية وإن كان مستترًا، وذلك لأن كل مسألة يتعرض لها المسلم لها دليل في كتاب الله، به يهتدي، حيث أن الله أنزل في الكتاب تبيانًا لكل شئ. ويبقى دور الإنسان ـليس كل إنسان- في إدراك العلاقة بين الدليل/العلامة والمدلول/الحكم وهي علاقات تندرج بين المماثلة -علاقات القلة والكثرة- والمشابهة. وبهذا يضيّق الشافعي مساحة الاجتهاد في دائرة اكتشاف ما هو موجود في النص من أحكام وربطها بما يستجد من وقائع، بينما يحكم على أي اجتهاد يقع خارج دائرة النصوص ودلالتها الحرفية بأنه استحسان وقول بالرأي وللشافعي كتاب عنوانه يكفي لبيان موقف الشافعي من ذلك وهو “إبطال الاستحسان”.
إنني أرى في الشافعي چان چاك روسو عندما يؤصل للعقد الاجتماعي. أراد الشافعي أن يؤسس عقدًا يربط بين المسلمين والسلطة التي تصدر الأحكام عصمةً من الخلاف، وفي غياب السياسة بسبب الاستبداد كان النص الديني هو مساحة صناعة ذلك العقد، غير أنه عقد أبدي بين رجال الدين والنص الذي ترتبط مرجعيته بالله بشكل أو بآخر ليتم تطبيقه على العامة، في مقابل عقد روسو الذي يعتمد السياسة مسرحًا لصناعته، ويصبح من الممكن تغييره متى توافق عامة الناس المتأثرون به على ذلك.
الاستحسان عند الشافعي قرين للتنازع الذي أشار إليه القرآن وطلب رد الأمر المتنازع فيه إلى الله والرسول وهو ما يفهمه الشافعي على أنه القياس. هذه الرؤية للعالم التي فيها الإنسان يحتاج في كل تفصيلة من حياته إلى ثابت يرجع إليه لا تختلف كثيرًا عن مفهوم الحاكمية في الخطاب الديني السلفي المعاصر. ويشير نصر هنا إلى تلفيقية الشافعي عندما يتعرض لاحتمالية الخلاف الناتج عن القياس باختلاف من يقوم بالقياس، بأن هذا الخلاف رحمة في حين اختلاف الاستحسان هو خلاف محرم، ما ينفي أي وسطية عن منهج الشافعي في التوفيق بين أهل الرأي وأهل الحديث. ولا يرى نصر أبوزيد جدوى في مناقشة كون الاستحسان لا يخالف نصًا أو سُنة قائمة، لأن المفاضلة لم تكون على أساس معرفي بل على أساس أيديولوچي، لكنه يذكر اختلافات الصحابة خاصةً التي لم يكن لم لها أصل سابق يتم القياس عليه مع تأسيس الدولة، ورغم أن هذه الخلافات ليست خلافات حول قضية فقيهة مرتبطة بحكم ديني، إلا أن الشافعي يفرغها من دلالاتها الاجتماعية ويحبسها في إطار اختلاف القياس.
انتهى الأمر عند الشافعي إلى شمولية النصوص بعد توسيع النص الثانوي وإلحاقه بالأصلي، ثم إلحاق الإجماع بالسُنة، وتضييق دائرة القياس لتدور في إطار الدلالة الحرفية للنصوص لتكتمل سلطة النصوص وتحكم سيطرتها على كل نواحي الحياة، ما يدل على توجه الشافعي في المحافظة على ما هو مستقر وثابت، وتكريس الماضي بإضفاء طابع ديني أزلي على كل تفاصيله. ثم جاء الأشعري ومن بعده الغزالي ليصوغا ذلك السياق الأيديولوچي في نسق متكامل له أبعاد فلسفية وأخلاقية، وأتما صياغة الذاكرة لنفي كل الاتجاهات الأخرى، لينتهي بنا الأمر في واقعنا المعاصر إلى الزوج يطلب فتوى من “رجل الدين” حول “رأي الدين” في تطليق زوجته لأنها مريضة!
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد