في مطبخ نصر حامد أبوزيد… فلسفة التأويل عند ابن عربي (١)

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 في مطبخ نصر حامد أبوزيد... فلسفة التأويل عند ابن عربي (١)

صدر هذا الكتاب عام ١٩٨٣، وهو الرسالة التي قدمها نصر أبوزيد للحصول على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية عام ١٩٧٩ من كلية الآداب جامعة القاهرة.

يحلم نصر أبوزيد بإعادة النظر في تراثنا الديني من خلال منظور علاقة المفسِر بالنص، لأن ذلك يمكن أن يضئ جوانب لا تزال مجهولة في التراث، وأن يصحح أفكار مستقرة في وعينا الديني. من هذه الأفكار المقارنة بين التفسير والتأويل، بتقدير التفسير وذم التأويل. على أساس موضوعية التفسير وذاتية التأويل. موضوعية متوهمة تفترض أن المفسِر قادر على تجاوز واقعه التاريخي بشكل مثالي، وأن يفهم النص كما فهمه المعاصرون لنزوله. النص صالح لكل زمان ومكان، لكن المفسر يعتمد على مرويات الجيل الأول والثاني، ويقف عند فهمهم للنص. أصحاب هذا التصور يعتبرون فهم النص علم، لكنه علم لا يتطور، معزول عن كل أنواع المعرفة من حوله. وفي الواقع، يعتمد أصحاب هذا التصور على الترجيح بين آراء المفسرين. هذا الاختيار هو تأويل يرتبط بالمفسِر ولحظته التاريخية، مهما ادّعى الموضوعية المطلقة.

ينتقد نصر أبوزيد التعامل مع الفلسفة الإسلامية -خاصةً من المستشرقين- الذي اعتمد على البحث عن أصول لها هنا وهناك، انطلاقًا من تراثهم المعلوم إلى تراثنا المجهول لديهم. كما خضع الباحثون المسلمون لنفس منطلق المستشرقين حتى وإن اختلفت النتائج. فأنكر البعض وجود فلسفة إسلامية لأن الروح الإسلامية تنكر الذاتية التي هي أساس التفلسف. ويمكن إيجاد هذه الروح في القرآن الذي انطلقت منه الفرق الإسلامية، ولا يعتبرون ذلك فلسفة. ويتخذ البعض العقل أساسًا لتحديد ما هو فلسفي. فيستبعدون علم الكلام والتصوف من مجال الفلسفة. علم الكلام لأن هدفه كان التوفيق بين النقل والعقل، والتصوف لأنه يعتمد على التجربة والحدس ولا يعتمد على العقل. والبعض يعتمد على أن تكون النشأة إسلامية خالصة دون تأثر بأفكار أجنبية. وبذلك تكون الفلسفة الإسلامية في علم الكلام وعلم أصول الفقه، حتى وإن تأثرا بعد نشأتهما بأفكار أجنبية. في عزل لحركة الفكر عن حركة الواقع. وهنا يقترح نصر أبوزيد منهج للنظر في الفلسفة الإسلامية من خلال علاقة جدلية بين ثلاث عناصر:

  • الواقع الاجتماعي والتاريخي الذي نشأت فيه تلك الفلسفة.
  • دور النص الديني بمعناه الواسع كتراث تفسيري في حركة متطورة يتجاوز المصحف وتجميعات الأحاديث.
  • التراث الفلسفي السابق الذي وصل للمسلمين دون الوقوف عند حدود الفلسفة اليونانية.

يهدف هذا المنظور إلى تجاوز ثنائيات العقل والنقل، والتفسير والتأويل وإزالة التوتر بين جوانب التراث المختلفة في أذهاننا، فلا يتم الحكم على الفِكر بإخراجه من دائرة الإسلام أو دائرة الفلسفة.

تقودنا قضية التأويل وما يرتبط بها من مفاهيم بلاغية ولغوية إلى الكشف عن مفهوم الرمز عند المتصوفة في كتاباتهم. وهذا قد يفتح آفاقًا لا تزال مجهولة في التراث. إن الهدف من دراسة التأويل هو فهم الواقع وليس دراسة التراث لتمجيده، عبر منظور جدلي بين الماضي والحاضر.

  • أهمية دوره كفيلسوف ومتصوف في التاريخ الإسلامي. فهو كان همزة الوصل بين التراث الصوفي والفلسفي السابق عليه، وبين كل من جاءوا بعده. فلم يمكن لاحد منهم تجاوز تأثير فلسفته سلبًا أو إيجابًا. كما أن قراءة قراءته للتراث السابق عليه قد تبدد الغموض الذي أحاط بأفكار هؤلاء المتصوفة، رغم أنه هو نفسه بلور هذه الأفكار بشكل ضمني غامض.
  • كون التفسيرات المتناقضة لفكره تثير معضلة التأويل.
  • أن التأويل عند ابن عربي ليس مجرد وسيلة في مواجهة النص، بل هو منهج فلسفي كامل يستوعب الوجود والنص معًا.

كان الموقف من ابن عربي على طرفي نقيض، فهو محيي الدين حرفيًا أو هو الكافر الملحد مميت الدين. وقد فهم المستشرقون ابن عربي في إطار وحدة الوجود في الفلسفة الغربية، وعندما وجدوا بعض نصوصه لا تستجيب لذلك اعتبروه من قبيل الحذر والتخفيف من حدة النظرية. لكن فهم ابن عربي يجب أن يكون مستقلًا عن أي مفهوم سابق عن وحدة الوجود، حيث ينطلق ابن عربي من ثنائية بين الله والعالم من جهة، وبين الإنسان من جهة أخرى.

أما المسلمون فقد هاجموا ودافعوا عن ابن عربي من منطلق تأويلهم للدين، فهاجموه إلى حد إخراجه من الدين، ودافعوا عنه إلى حد التغيير في فلسفته.

نشات معضلة التاويل هذه لأن السؤال كان خاطئًا. السؤال كان هل يتماشى فكر ابن عربي مع الإسلام أم لا؟ والإجابة حتى لو كانت من التراث فهي تأويلية ناتجة عن اختيار من متعدد، لأن التراث ليس شيئًا واحدًا.

يتحدث أبوزيد كثيرًا عن أبوالعلا عفيفي -مؤرخ مصري، متخصص بالفلسفة والتصوف الإسلامي- كمهاجم رئيسي لابن عربي، وعن منهجه في تأويل القرآن. يلاحظ أبوالعلا أن ابن عربي في تأويل آيات التشريع يراعي المستويين الظاهر والباطن. فيشرح المسألة وحكمها كأهل الظاهر، ثم يُعقب عليها بما يسميه الإشارة، ويبين أثرها في القلب. ويحكم على ابن عربي أنه يتظاهر بالظاهرية مع الظاهريين وهو باطني مع الباطنيين. كما يرى أنه يستغل آيات الاعتقاد لتمرير أفكاره، وأخضعها لمنهج خاص من التأويل لاستخلاص معاني تؤيد مذهبه في وحدة الوجود. وعندما يهاجم ابن عربي التأويل والمتأولين، يعتبر ذلك من قبيل التظاهر، لأن ابن عربي تأوّل القرآن بطريقة أسوأ منهم. وعندما يربط ابن عربي بين آيات القرآن، يعتبر أبوالعلا ذلك خلطًا. نظرية مؤامرة تهيمن على نظر الرجل لتراث ابن عربي دون محاولة فهم حقيقية لطبيعة منهج ابن عربي. والحقيقة هي أن النص حاضر دائمًا في فلسفة ابن عربي، لكن المشكلة في النظرة لفلسفته من خلال ثنائية النص والفكر، إلى جانب منظور وحدة الوجود من خلال مفهومه في الفلسفة الغربية.

من المهم فهم وحدة الوجود كما قدّمها ابن عربي في إطار العلاقة الثنائية بين الله والعالم وبينهما وسيط هو عالم الخيال بكل طبقاته. وهذا العالم الوسيط له ظاهر وباطن. ظاهر يقابل العالم الحسي، عالم الطبيعة والكون والاستحالة. وباطن يقابل الذات الإلهية. هذا الوسيط يقرّب بين طرفي الثنائية ويفصل بينهما أيضًا. ويمكن التعبير عن هذه الاعتبارات الثلاثة على النحو التالي:

  • وجود بشرط شئ. وهو الوجود الجزئي المقيّد بالزمان والمكان. (العالم)
  • وجود بشرط لا شيء. وهو الوجود الكلي المطلق مقارنةً بالوجود المقيّد. (الألوهة)
  • وجود لا بشرط شيء. وهو المطلق غير المقيّد بالإطلاق. (الذات الإلهية)

لأنه قادر على حل كتير من المشكلات العقائدية خاصةً المتعلقة بالذات الإلهية. فلو أدرك المعتزلة أن الوجود الإلهي هو وجود لا بشرط، كان من السهل أن يفهموا أن الله لا يمتنع عنه شئ حتى أدلتهم العقلية. العالم الوسيط عند ابن عربي هو عالم يتضمن كل التناقضات والثنائيات، يمتص الصراع بينها لتصبح الثنائية وجهين لعملة واحدة واعتبارين للحقيقة نفسها. ويصل ابن عربي للدين الكامل الشامل، الذي يشمل كل الأديان والمذاهب، وعندما يجد أن دعوته لا تجد صدى في الواقع، يتجاوزه مكوّنًا بناءً باطنيًا روحيًا.

يستند الأصل الفلسفي لابن عربي إلى حديث سُئل فيه النبي عن أين كان الله قبل خلق الكون فأجاب “كان في عماء. ما تحته هواء وما فوقه هواء”. كما يستند عالم الخيال أو كما يسميه ابن عربي “البرزخ” إلى مصطلح قرآني يربط البحرين ويفصل بينهما في ذات الوقت. ويمكن أن نجد تشابهات كثيرة بين فكر ابن عربي وتراث الشيعة فلا يوجد فكر بدأ من الفراغ، لكن فكر ابن عربي لم يكن فكر سياسي، بل اكتفى بعالمه الباطني الروحي الذي فيه الرحمة تسع كل الناس.

1000040645-206x300 في مطبخ نصر حامد أبوزيد... فلسفة التأويل عند ابن عربي (١)

التأويل والوجود

تنقسم الوسائط التي يحاول بها ابن عربي سد ثغرة الثنائية إلى أربع مراتب وجودية، وكل مرتبة منهم تحتوي على أربع وسائط: المجموعة الأولى هي البرزخ الأعلى أو برزخ البرازخ أو الخيال المطلق. وهي تتوسط بين الله والعالم.

المجموعة الثانية هي عالم الأمر أو عالم المعقولات. وهو يتوسط بين عالم الخيال المطلق وعالم الخلق المادي بمراتبه المتعددة.

المجموعة الثالثة هي عالم الخلق. وهي تتوسط بين عالم الأمر والعالم الحسي المشهود. هذا العالم هو علة كل ما يحدث في عالم الطبيعة والاستحالة؛ لأنه يتضمن كل التدرجات السابقة عليه، ويستمد علومه ومعرفته من عالم الأمر وعالم الحس والشهادة من الناحيتين الروحية والطبيعية.

المجموعة الرابعة وهي الأفلاك السبعة المتحركة من السماء السابعة إلى السماء الأولى إلى الأرض التي يسكنها الإنسان الذي يعتبره ابن عربي الكون الجامع الصغير الذي اجتمعت فيه كل حقائق العالم الطبيعية والروحية.

وهو تصور لا يتضمن أي تدرج زماني أو مكاني، بل هو مراتب مختلفة وتعينات متعددة لحقيقة وجودية واحدة، تنقسم بالنظر والاعتبار، وهي في ذاتها غير منقسمة أو متعددة. يصوّر ابن عربي الأمر بحدوث البرق ثم انصباغ الهواء به ثم ظهور أعيان المحسوسات ثم تعلق إدراك الأبصار بها. وذلك كله يحدث في نفس الزمان.

الإنسان وحده هو القادر على الوصول للمعرفة الحقة، باختراق هذه الوسائط أو ما يسميه ابن عربي المعراج الصوفي، وصولًا إلى الوحدة الباطنية الكلية الشاملة، لتتحقق الإرادة الإلهية من التجلي الكوني لإيجاد العالم.

الخيال المطلق (الوسيط الكلي)

البرزخ عند ابن عربي واحد لا ينقسم، يتوسط بين طرفين متقابلين ويقابل كلًا منهما بذاته. ويوحد بينهما. وهو موجود عقلي وليس موجود حسي عيني. هو الفاصل والموحد بين الذات الإلهية والعالم. ولأنه من المعقولات فهو يفصل بين الإثبات والنفي، وبين الوجود والعدم، وبين العلم والجهل، وبين كل الثنائيات. هو قابل لكل الصفات المتقابلة، وجامع لكل الثنائيات المتعارضة. هو خيال منفصل لأن المتخيِل وهو الله أزلي باقي، يقابله الخيال المتصل وهو خيال الإنسان الذي يذهب بذهابه.

الألوهة

هي الوسيط الذي من خلاله تفعل الذات في العالم، ومن خلاله يعرف العالم الذات. هو الأسماء الحسنى التي تمثل حضرة الذات في العالم.

لا تتناقض الألوهة مع وحدة الوجود الشاملة التي يعبر عنها ابن عربي كثيرًا. والمثال الذي يوضح به ابن عربي ذلك هو المرايا المتعددة التي تعكس صورة شئ واحد فتتعدد صورها باختلاف المرايا. والمرايا هنا هي الوسائط والشئ هو الذات الإلهية. ولا يعني ذلك أي تعدد في الذات الإلهية، فالكثرة عند ابن عربي لا تصدر عن الواحد، لأن الكثرة ترتد إلى القوابل المختلفة، لا إلى الواحد في ذاته. شكَّل وسيط الألوهة الإجابة لسؤال كيف يصدر المُحدث عن القديم؟ ليستند العالم في وجوده إلى مرتبة الألوهة، التي تناسب العالم لأن الألوهة تتطلب المألوه. والذات لا يمكن معرفتها لأنها لا تشبه العالم في شئ ولا يشبهها في شئ، وكل ما نعرفه عنها من صفات هي صفات سلبية تعتمد على النفي، والصفات الإيجابية التي نسبها المتكلمون بالخطأ للذات هي صفات الألوهة. وهنا يجب التأكيد أن الألوهة ليست منفصلة أو زائدة عن الذات، بل هي مجموع الأسماء الإلهية. أما الصفة الوحيدة التي يثبتها ابن عربي للذات فهي الاستغناء، مقابل الافتقار عند العالم. وهذه هي علاقة الإله بالمألوه. هذه القطبية بين طرفيها توجد الأسماء الكثيرة للألوهة، التي تدل على التعلقات بين الذات الإلهية والعالم. الألوهة أحكام، والأحكام لها جانبان: جانب باطن من حيث هي إمكانيات لم يُتح لها الظهور، وجانب ظاهر هو ظهورها في صورة معطى حسي مُدرَك. وهي قديمة من حيث أنها باطن الذات الإلهية، ومحدثة من حيث ظهورها بإيجاد أعيان الممكنات، وكذلك العالم.

الوجود والعدم عند ابن عربي هما إثبات الشئ ونفيه. فالعالم كان موجودًا في الوجود العلمي أو علم الله ومعدومًا في الوجود الحسي. الوجود والعدم هنا هما نسبة وإضافة لأنه الوجود المقيد، أما الوجود المطلق فهو الذات فقط. والألوهة هي الوسيط بين الوجود المطلق والمقيد، ليكون لدينا ثلاث مراتب للوجود:

  • الوجود الذاتي المطلق وهو وجود الذات.
  • الوجود العقلي وهو الألوهة.
  • الوجود العياني الحسي وهو العالم.

حقيقة الحقائق الكلية

حقيقة الحقائق هي أحد تجليات البرزخ وتمثل محتوى العلم الإلهي أو معلومه القديم. وإذا كان العلم عند ابن عربي هو حقيقة في النفس تتعلق بالمعدوم والموجود على حقيقته التي هو عليها، أو يكون إذا وُجّد. فإن حقيقة الحقائق هي مجموع الحقائق التي يتكون منها العلم الإلهي، ولا يُشترط أن يكون لها وجود عيني سابق على العلم بها. فهو للمعدوم والموجود على السواء.

المرتبة الوجودية لحقيقة الحقائق هي نفس مرتبة الألوهة، فيمكن اعتبار أن حقيقة الحقائق هي الجانب الباطن للألوهة، وأن الألوهة هي الجانب الظاهر لحقيقة الحقائق. حقيقة الحقائق مثل الألوهة عبارة عن نسب وإضافات، ولا وجود عيني لها. حقيقة الحقائق أشمل من صفة العلم، فهي تتسع لتشمل الحياة والإرادة. وهي دائمة الحركة بين الظهور والاختفاء من عالم الغيب إلى عالم الشهادة والعكس، لأن العالم عند ابن عربي في حالة تخلق مستمر، والخلق الجديد ناتج عن دوام التجليات الإلهية. وكما أن الألوهة علاقة ثنائية طرفيها الاستغناء من الذات الإلهية والافتقار من العالم، فحقيقة الحقائق علاقة ثنائية طرفيها الإطلاق من الذات الإلهية والتقييد من العالم. يعطي ابن عربي حقيقة الحقائق وجودًا ذهنيًا لا عيانيًا محسوسًا. وهو نفس الوجود الذي يضفيه على الألوهة والخيال. لذلك لا يمكن اعتبار تلك الوسائط جزءًا من وحدة الوجود بمفهومها الفلسفي المعاصر.

العماء أو الأعيان الثابتة في العدم

العماء هو التجلي المقدس للذات الإلهية حين أحبت أن تُعرَف. وهو يتضمن كل صور الموجودات الروحية والحسية في العالم. هو خيال منفصل لأنه ناتج عن تخيُّل. وهو الخيال المطلق. رغم التوحيد بين العماء والألوهة، حيث العماء هو باطن الألوهة الذي تحول إلى ظاهر يتضمن صور الموجودات. وبين العماء وحقيقة الحقائق حيث العماء هو التعيّن الأول الظاهر للعلم الإلهي الباطن، وهو تعيّن معقول غير محسوس. إلا أن هناك فارق وظيفي يستند فيه ابن عربي إلى الحديث الذي فيه “سُئل النبي أين كان ربنا قبل أن يخلق الخلق؟ فقال: كان في عماء ما تحته هواء وفوقه هواء”. فتتحدد وظيفة العماء بمستوى الاسم الإلهي الرب. والرب يتطلب المربوب، أي الوجود الفعلي للعالم. العماء هو التعيّن الأول للألوهة وحقيقة الحقائق في الأين والظرفية، حيث تتمتع الأعيان الثابتة بوجود نسبي في حيز العماء، بينما لا يمكن وصف الألوهة أو حقيقة الحقائق بوجود أو عدم. هذا الوجود النسبي يتوسط ثنائية الوجود والعدم. وهذا الوسيط هو الذي يحل معضلة الوجود من عدم، حيث العدم عند ابن عربي ليس عدم محض، لأن العدم المحض عنده مُحال. هذه الأعيان وسيط بين ما هو واجب الوجود لذاته وبين العدم المحض الذي هو عدم لنفسه. ووجود هذه الأعيان ناتج عن استعدادها الذاتي للوجود عند سماعها الأمر.

الحقيقة المحمدية

هي حقيقة روحية لا مادية، سارية في الكون بأسره، هي الحقيقة المحمدية السارية في الرسل والأنبياء جميعًا، حتى نجد تجسدها الأكمل في شخصية محمد التاريخية. وهي الحقيقة الآدمية الروحية التي يمثل آدم أول تجلياتها المادية. وهو القلم الأعلى المهيمن على كل ما دونه من الروحية والحسية على السواء. ولو جاز القول أن الألوهة هي العلة الفاعلة، وحقيقة الحقائق هي العلة الهيولانية أي الجوهر المادي أو الأصل، والعماء هو العلة الصورية، فإن الحقيقة المحمدية أو الإنسان الكامل هو العلة الغائية. وهذا تقسيم توضيحي لا يعني الكثرة، فهي مراتب متعددة لحقيقة واحدة. أراد الله أن يظهر نفسه وتجلى ذلك من خلال الأسماء الإلهية في العالم. فكان كمن يظهر في مرآة لكي يراه الآخر. الآخر هنا هو الإنسان، لكنه لا يمكنه رؤية الذات، في حين يرى المرآة وتجليات الذات في المرآة، التي هي العالم، لكنها جسد بلا روح. والإنسان هو روح هذا الجسد، الناظر في المرآة. ربما بشكل شبيه بطلب موسى النظر إلى الله ليأمره الله بالنظر إلى الجبل كوسيط. مع مراعاة أننا هنا نتكلم بشكل روحي ذهني. الإنسان -مثل كل الوسائط عند ابن عربي- ذو نسبتين أو عملة ذات وجهين: هو عبد من حيث هو مُكلّف، فلم يكن ثم كان كالعالم. وهو رب من حيث أنه خليفة ومن حيث الصورة، ومن حيث أحسن تقويم. فكأنه برزخ بين العالم والحق، وجامع للخلق والحق.

الوجود في نظر ابن عربي هو دائرة مركزها الذات، والعلاقة بين المركز والمحيط لا تقوم على اتصال ولا انفصال، بل هي علاقة تفاعل مستمر من خلال تجليات لا تنتهي. وكل مراتب الوجود عند ابن عربي هي برازخ، الفارق بينها هو الفارق بين الإطلاق والتقييد.

عالم الأمر (العقول الكلية)

هو عالم يتوسط بين عالم الخيال المطلق وعالم الخلق والشهادة. يبدأ بالحقيقة المحمدية/العقل الأول/القلم التي انتهى بها عالم الخيال وينبعث عنه اللوح المحفوظ/النفس الكلية، وعنهما معًا انبعثت الطبيعة الكلية، وعن الثلاثة انبعث الجوهر الهبائي الذي وُجد فيه الجسم الكل أو العرش. ويؤكد أبوزيد أن اللوح المحفوظ والطبيعة الكلية والجوهر الهبائي تجليات مختلفة للحقيقة المحمدية أو العقل الأول، كما ينفي التتابع الزماني لهذه المراتب المختلفة.

العقل الأول (القلم)

هو برزخ بين عالم الخيال وعالم المعقولات الكلية. في عالم الخيال تتحد مع العلم الإلهي وتتميز بالكمال، وفي عالم المعقولات يتسم بقدر من النقص، إذ العلم الذي يتضمنه من هذا الجانب هو علم متغير يتعلق بالموجودات، وهو العلم الذي يتجلى إلى اللوح المحفوظ (النفس الكلية). وهو في حاجة مستمرة للتجليات الإلهية لدوام هذا العلم. إن العقل في ذاته أو باطنه كامل حيث أنه وُهب العلم بما كان وما يكون، ومن حيث ظهوره باعتباره مبدعًا أول ناقص يسعى إلى كماله بإبراز جوانبه المختلفة. لذلك يُفهم انبعاث العقول الأخرى منه على أنه ظهور جوانب أخرى له كانت باطنة. العقل في جانبه الباطن اتحد مع الألوهة وحقيقة الحقائق والعماء، وفي جانبه الظاهر كمبدع أول يرتبط باسم الله البديع.

اللوح المحفوظ (النفس الكلية)

يمثل اللوح المحفوظ النفس الكلية التي تفرّعت عنها النفوس الجزئية المدبرة للصور والأجسام في العالم الحسي، وهو مرتبط باسم الله الباعث لأنه أول منبعث عن العقل الأول. وقد اختص من العلوم بعلم ما يكون عن العقل الأول إلى يوم القيامة. حقيقة اللوح المحفوظ (النفس الكلية) لها جانبان، جانب باطن يتصل بالعقل الأول وهو القوة العلمية ويمثل العلم الإلهي بالعالم، وجانب ظاهر يتصل بما يليها من المعقولات -وهو الطبيعة- وهو القوة العملية التي هي ظله الممتد عنه مكونًا الطبيعة. ويؤكد ابن عربي دائمًا على عدم انقطاع الصلة بالمصدر الأصلي، فهو حريص على الاحتفاظ بالمصدر الأصلي دائمًا في حالة فعالية دائمة، هي فعالية الأسماء الإلهية وتوجهاتها على الخلق الجديد والإيجاد.

الطبيعة

هي مرتبة التجلي الثانية عن العقل الأول، ومرتبة التجلي الثالثة عن العماء، وهي مرتبة ذات وجود عقلي لا حسي، وهي تجلي من الاسم الإلهي الباطن. ويضع ابن عربي بعدها في الترتيب الهيولي الكل أو الجوهر الهبائي والجسم الكل. وهو تجلي للاسم الإلهي الآخر. وهو أخر مراتب عالم الأمر وأول مراتب عالم الخلق. إن الترتيب هنا هو مجرد تصور عقلي، والأمر في حقيقته دائرة يرتبط أولها بأخرها. والعلاقة بين الطبيعة والهباء والجسم الكل ليست علاقة انبعاث مثل العلاقة بين العقل واللوح المحفوظ، بل هي علاقة تفاعل وتداخل، عبّر عنها ابن عربي بالنكاح المعنوي، مُستخدمًا مفردات لغوية مثل الأب والأم والأبناء. حيث الأب والأم هما القوة العلمية والعملية في اللوح المحفوظ، ومنها ظهرت آباء وأمهات أُخّر. فالطبيعة أم من حيث علاقتها باللوح المحفوظ وأب من حيث علاقتها بالهباء. والطبيعة والهباء توأمان للأب الذي هو العقل والأم التي هي النفس الكلية. والطبيعة أب والهباء أم ينتجان الجسم الكل. وكل هذا هو تكاثر عقلي لا وجودي. وهناك علاقة توازي يقيمها ابن عربي بين المرتبة الأولى والثانية للوجود. فالطبيعة توازي الأسماء الإلهية، والهباء يوازي العماء. فتتوجه الطبيعة على الهباء لإيجاد الجسم الكل، وتتوجه الأسماء الإلهية على العماء لإيجاد الأعيان الثابتة فيه. والجسم الكل يوازي الأعيان الثابتة لوجوده في الهباء كما توجد الأعيان الثابتة في العماء.

وإذا كانت الحقيقة المحمدية في المرتبة الأولى هي العلة الغائية، فإن الجسم الكل أو العرش في المرتبة الثانية هو العلة الغائية. والطبيعة الكل هي العلة الهيولانية والهباء هو العلة الصورية. ويمكن إدراك أن التمايز بين العلل في المرتبة الثانية أقل وضوحًا منه في المرتبة الأولى، بسبب التداخل فيما بينها. والفارق بين التوازي والتداخل في الحالتين هو الفارق بين الإطلاق الكامل في المرتبة الأولى و الإطلاق النسبي في المرتبة الثانية؛ لتباعدها من حيث المرتبة عن الذات الإلهية. العلاقة هي علاقة بين دوائر ومركز. المركز دائمًا هو الذات الإلهية، والدوائر يمكن رسمها بمنظورين: منظور التأثير الإلهي فتكون المرتبة الأولى دائرة أقرب للمركز، ومنظور التقييد و الإطلاق فتكون المرتبة الأولى هي الأبعد عن المركز، وبداخلها دوائر تمثل بقية مراتب الوجود.

1000040641 في مطبخ نصر حامد أبوزيد... فلسفة التأويل عند ابن عربي (١)

عالم الخلق

يمثل العرش البرزخ الفاصل بين الحق والخلق، والذي من خلاله يتصف الحق بصفات الخلق، فيتجلى لهم بصفاتهم لا من حيث إطلاقه الذاتي الذي لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شئ. العرش في تصور ابن عربي يقوم على قوائم أربع تحملها أرواح أربعة في هذه الحياة الدنيا، تصبح ثمانية في الحياة الأخرى. فالعرش يتضمن حقائق الوجود السابقة عليه، وإن كان هو نفسه مظهرًا لها.

العرش

هو فلك الأفلاك الذي يحيط بكل ما يليه من موجودات عالم الخلق. لذلك فله من الأسماء الإلهية اسم المحيط، واستوى الله عليه باسمه الرحمن. واختصاص اسم الرحمن هنا له معنى كامن مختلف عن تجليه في باقي الموجودات، هذا المعنى كامن في أن العرش هو أصل كل الموجودات في العالم؛ لأنه يمثل أخر تجليات وحدة الكلمة الإلهية. الوحدة التي ستبدأ في التكثر والتعدد والانقسام في فلك الكرسي. القوائم الأربعة للعرش تمثل حقائق أربعة الصور والأرواح والأرزاق والوعيد. والحقائق الأربعة بجانبيها تمثل ثماني حقائق يوصف بها الحق وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر وإدراك المطعوم والمشموم والملموس بالصفة اللائقة به. وتتوازى الحقائق الأربعة مع الحقائق الأربعة الطبيعية الكامنة في الطبيعة الكلية وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ابن عربي حين ينسب كونًا من الأكوان في مراتب الموجودات، يفعل ذلك بحكم التغليب، مع التسليم بأن كل الأسماء الإلهية لها أثر في كل كون من الأكوان. وأن تعدد الأسماء في حقيقة الشئ الواحد لا تؤدي إلى كثرة في ذاته، لكنها نسب وإضافات لا أعيان لها.

الكرسي

يمثل الكرسي عالم التعدد، من حيث هو انقسام الكلمة الإلهية إلى خبر وحكم. وهو انقسام موجود باطنًا في العوالم السابقة عليه ليكون الكرسي ظهور لهذه الحقائق. هذا الانقسام أو القدمان الألهيتان اللتان موضعهما الكرسي، يضم كل الثنائيات ويمثلان في عالم الألوهة تقابل الأسماء الإلهية مثل الظاهر والباطن، والأول والأخر. وفي عالم الخلق يمثلان الصفات والأفعال الإلهية التي تبدو متعارضة كالإغناء والإفقار، والإحياء والإماتة، وخلق الذكر والأنثى. هذا الانقسام سيتحول إلى كثرة فيما يلي ذلك من مراتب الوجود وأولها الفلك الأطلس. وقد توجه على إيجاد الكرسي اسم الله الشكور.

الفلك الأطلس

تتحول الثنائية إلى كثرة في الفلك الأطلس أو فلك البروج الاثنى عشر. وهي كثرة كانت باطنة في العوالم السابقة عليه، فهو ينتمي إليها، كما أنه علة فاعلة للتغيرات التي تحدث في عالم الكون والاستحالة، كتأكيد للطبيعة البرزخية الوسيطة له. وتتفاعل الحقائق الطبيعية السابق ذكرها لتنتج النار والتراب والهواء والماء، التي يظهر كل منها في ثلاثة أبراج من البروج الاثنى عشر. وهذا الفلك ثابت ينصب تكوينه على ثلاث عوالم هي الدنيا والآخرة والبرزخ. وناتج ضرب الحقائق الأربعة في العوالم الثلاثة أدى لظهور اثنا عشر برجًا. وهذه الأبراج تمثل عند ابن عربي ملائكة يتلقون علمهم من اللوح المحفوظ وتنقلها إلى عالم الخلق. كما يربط بين عدد الأبراج الاثنى عشر وبين اعتقاد الشيعة في إمامة اثنى عشر، لأن عقيدتهم لم تتجاوز هذا الفلك. وهذا الفلك قد توجه على إيجاده اسم الله الغني.

فلك الكواكب الثابتة

توجه على إيجاد فلك الكواكب الثابتة اسم الله المُقدِّر. وهو يعني فعالية في تقدير الأمور تقديرًا فعليًا في إطار التنفيذ الكلي أو التصميم. وهي مهمة فلك الكواكب الثابتة. يجمع فلك الكواكب الثابتة حقائق ما سبقه من مراتب وهي الوحدة والانقسام والتعدد. فمن الوحدة يقول أهل الجنة للشئ كن فيكون، ومن الانقسام يوهب الانسان زوجتين ومن التعدد يتنعمون بالطعام والشراب والنكاح. وهو يتضمن الجنة والنار. يحيط بما يليه من أفلاك فيؤثر فيها روحيًا وطبيعيًا. والفارق بين الفلك الأطلس وفلك الكواكب الثابتة وبين ما يليهما من الأفلاك، أنهما ليسا عُرضة للفناء والتغيّر. المهم عند ابن عربي أنه يجد لتصوراته -مهما بدت غريبة- سندًا من النصوص الدينية، أو يحرص على الأقل ألا تتصادم معها. كما نجد ذلك في نص أورده نصر أبوزيد من الفتوحات يربط هذه الأفلاك بأيام الزمان السبعة والسماوات السبعة والليل والنهار والجواري الخُنس وغيرها مما نجده في النصوص.

عالم الشهادة (الكون والاستحالة)

توجد الأفلاك السبعة المتحركة في محيط فلك المنازل. وهي تمثل دوائر تتحرك حول محور فلك الشمس. يضم عطارد والزهرة والأرض والقمر والمريخ والمشترى وزحل. وهو تصور يعتبر الشمس قلب العالم ومحل الأرواح الإنسانية. فيها يتجلى اسم الله النور، الذي توجه على إيجادها. عند ابن عربي، نور الشمس ليس من عينها، بل هو تجلي إلهي دائم من اسمه النور، فلا فرق بينها وبين الكواكب إلا في هذا التجلي الدائم. وهي علة ما يحدث في عالم الكون من مولدات مثل إظهار الليل والنهار. هي علة فاعلة كلية عن طريق العناصر الأربعة التي تمثل العلة الطبيعية، بينما باقي الكواكب المحيطة بها لها تأثيرات جزئية. يربط ابن عربي بين الأفلاك والأنبياء. في الشمس يسكن إدريس الذي يمثل روحانية خالصة من الشهوة. كوكب المريخ الذي توجه على إيجاده اسم الله القاهر، ويمثل السماء الثالثة حيث يسكن هارون. كوكب المشترى الذي توجه على إيجاده اسم الله العليم، ويمثل السماء الثانية حيث يسكن موسى. كوكب زحل الذي توجه على إيجاده اسم الله الرب، ويمثل السماء الأولى حيث يسكن ابراهيم. هو الأقرب إلى فلك الكواكب الثابتة حيث توجد الجنة والنار، وبسبب ذلك توجه الاسم الإلهي الرب على إيجاد البيت المعمور والسدرة.

ينسب ابن عربي إلى كل فلك مجموعة من العلوم التي ترتبط بالنبي الذي يسكنه روحيًا. في زحل حيث يسكن ابراهيم، يربطه ابن عربي بعلوم الثبات والتمكين والدوام والبقاء. وذلك يرتبط بتصديق إبراهيم للرؤيا تصديقًا حرفيًا، دون القدرة على تفسيرها. كوكب الزهرة الذي توجه على إيجاده اسم الله المصوّر، ويمثل السماء الخامسة حيث يسكن يوسف. وهو مرتبط بعلم التصوير في حضرة الجمال والأُنس وعلم الأحوال. وهو ما يعبر عنه يوسف من قدرة على تأويل الرؤى. كوكب عطارد الذي توجه على إيجاده اسم الله المُحصي، ويمثل السماء السادسة حيث يسكن عيسى. الفلك الأخير هو القمر أو السماء السابعة، وهو الذي يلي الأرض مباشرة. توجه على إيجاده اسم الله المُبين، وفيه يسكن آدم. ليست حركة هذه الأفلاك السبعة بكل ما تنتجه من آثار طبيعية وعلمية، وما يسكن فيها من أرواح الأنبياء، إلا تجليات للأسماء الإلهية والصفات السبعة وهي الحياة والقدرة والإرادة والعلم والسمع والبصر والكلام.

على المستوى الروحي يقسم ابن عربي الوجود إلى ثلاث أقسام: عالم الغيب والشهادة والبرزخ. وعالم الشهادة في حقيقته عالم روحي، تسكنه الملائكة من العرش إلى الأرض، وهي القوى المدبرة لمراتب هذا الوجود والفاعلة فيه على الحقيقة. هناك الخواص في عالم القلم واللوح، والولاة الاثنا عشر في الفلك الأطلس، والحُجاب الثمانية والعشرون في فلك المنازل. وهناك النواب في الأفلاك السبعة المتحركة، والأرض (التراب) تسكنها ملائكة تسمى الناشرات، وكرة الماء تسكنها الساريات، وكرة الهواء تسكنها الزاجرات، وكرة النار تسكنها السابقات، وبين كل فلك وفلك يسكن فريق من الملائكة لهم وظيفتهم الخاصة. فبين التراب والماء عالم ملكي هو عالم الذكر، وبين الماء والهواء عالم الحياة، وفي كل سماء من السماوات السبع توجد ملائكة حتى الفلك الأقصى. هذا الهيكل المفصل للملائكة والأرواح يُمكّن ابن عربي من الربط بين العوالم روحيًا بجانب الربط الطبيعي، فإذا كان كل ما يحدث في العالم من استحالة وتولد يرجع إلى عوامل طبيعية فاعلة، فهذه العوامل الطبيعية ليست إلا انفعالًا لعوامل روحية. إنها مملكة إلهية، جيشها من الملائكة يملأ الكون كله. وهذا تصور يهدف إلى نفي التعدد مع التسليم بالكثرة التي تدركها الحواس بردها إلى وحدة باطنة. وإلى إثبات أن الإنسان تجتمع فيه كل مراتب الوجود وحقائقه، من الألوهة لخلقه على الصورة وانتهاءًا بالعالم الطبيعي الذي تجتمع حقائقه كلها في هذا الإنسان.

1000040643-820x1024 في مطبخ نصر حامد أبوزيد... فلسفة التأويل عند ابن عربي (١)

الإنسان هو الكون الصغير، قادر على الوصول للمعرفة الحقة بحكم حقيقته، وعاجز عن الوصول إليها بحكم كونيته بسبب الحُجُّب الكثيرة. والعارف هو من يصل إليها عبر المعراج الصوفي. هذه الرحلة في حقيقتها رحلة تأويلية، ترد كل ظاهر إلى باطنه، وتنفذ من الكثرة إلى وحدتها الحقيقية، وتخترق الصور إلى حقائقها الروحية، فيفهم الصوفي الشريعة فهمًا أعمق، وينفذ إلى مستويات من النص لا ينفذ إليها غيره.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات