عقد ونصف على رحيله.. في مطبخ نصر حامد أبوزيد.. مفهوم النص (١)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

يحتفي صالون ومجلة وأكاديمية تفكير هذا العام بذكرى مرور عقد ونصف على رحيل نصر حامد أبو زيد في يوليو الماضي، حيث تقدم مجلة تفكير هذه السلسلة من مقالات الكاتب عمرو عبد الرحمن، وتعد موسم كبير من المحاضرات عن خطاب نصر حامد أبو زيد في شهر نوفمبر القادم وهذه المقالة الأولى من ثلاث مقالات.
مقدمة
في هذا المقال وما يليه من مقالات أعرض عليكم ما لا يمكنني إلا أن أسميه تلخيصًا لبعض ما كتبه د. نصر حامد أبوزيد. كان هدفه الأساسي تذكر ما أقرأه، لكن رأينا أن ربما في عرضه إفادة لمن يريد أن يطل على مطبخ أفكار نصر حامد أبوزيد، كما يحب أن يصفه.
لا أود أن أنسب لنفسي دورًا كبيرًا في ما هو قادم؛ ففي أغلبه هو جمع للأفكار كما كتبها أبوزيد بشكل مختصر، لكن ذلك لا يلغي فاعليتي كوسيط بين الكاتب والقارئ. فكل تعديل أو تبسيط أو تبويب أو تعليق يمكن أن يمثل تغييرًا على ما قصد الكاتب إيصاله، سواء كان بالسلب أو الإيجاب.
قد تجد بعضًا من عدم الترابط أو الإيجاز الشديد، لكن إجمالًا كل فضل هنا يعود للمفكر نصر حامد أبوزيد، وكل عجز عن إيصال الفكرة أو تقصير فهو مني. وأعتذر عنه مُسبقًا.
لا يعتبر أبوزيد أنه صاحب مشروع. هو باحث، بدأ بالبحث، وتوفى وهو يبحث. هدفه أن يكمل طلابه ومتتبعيه مواضيع بحثه من بعده. فلا ينتهي منهجه وأفكاره بوفاته، فالأفكار تعيش طالما وجدت من يذكرها. هو لم يصل إلى يقين يعيقه عن البحث وممارسة التفكير النقدي، بل يرى أن الحيرة هي أصل كل معرفة.
مفهوم النص
صدر الكتاب عام ١٩٩٠، وتناول القرآن من حيث هو نص لغوي، وعلاقته بالنصوص الأخرى والثقافة، وآلياته في توليد الدلالة من خلال علوم القرآن التقليدية.
يناقش الباب الأول علاقة النص بالثقافة ويبدأ بتعريف مفهوم الوحي.
الوحي هو عملية اتصال بين طرفين تتضمن رسالة، والطرفين هنا لا ينتميان إلى نفس المرتبة الوجودية. الأمر يشبه الكهانة لكن الفرق أن اتصال النبي يبدأ من أعلى دون محاولة منه عكس الكهانة التي هي محاولات بشرية للاتصال بطرف ينتمي إلى مرتبة وجودية أخرى وهو الجن.
الاتصال من الله عبر المٓلٓك (جبريل) يطرح تساؤلًا عن ما نزل به جبريل، هل هو اللفظ والمعنى أم المضمون فقط أم النص فقط؟التصور بوجود أزلي للنص في اللوح المحفوظ يهدر جدليته مع الواقع ويوحي باستحالة إدراك معانيه، حيث هي مرتبطة بالله وأزليته ما أدى لإعطاء الأولوية للسُنة حيث هي أقرب للفهم.
يقارب نصر حامد أبوزيد بين الوحي والرؤيا من حيث أن كلاهما يتضمن استخدامًا للمخيلة، وهي مقاربة تجعل ظاهرة النبوة ظاهرة يمكن فهمها وليست ظاهرة فوقية مفارقة، بدليل بقاء الرؤيا التي هي من النبوة حتى بعد آخر الأنبياء.
يقدم النص نفسه كرسالة يقوم الرسول بإبلاغها. نرى فيه خطابًا المخاطبين به أكثر مما خاطب قائله عن نفسه. فيصبح التركيز على مصدر النص إهدارًا لطبيعة النص، لوظيفته في الواقع.
ما هو دور المتلقي الأول للوحي؟
كان محمد جزءًا من الواقع الذي فيه من يبحثون عن دين إبراهيم (الحنفية)، لكنه لم يترك مفارقته لقومه تنعكس على سلوكه الشخصي مع أفراده.
يرى نصر حامد أبوزيد أن البحث عن دين إبراهيم كان بحثًا عن الهوية الخاصة بالعرب. دعوة للوحدة في ظل شح الموارد الاقتصادية، والمخاطر المحيطة بالجزيرة العربية من كل جانب حتى وصلت لهجوم أبرهة الحبشي على الكعبة. وجاء الإسلام محققًا لهذه الهوية من خلال تفاعله مع المتلقي الأول، حيث تجسدت في داخله أحلام الجماعة البشرية التي ينتمي إليها. فهو هنا إنسان غير منفصل عن حركة الواقع من حوله.
بدأ النص بالاشتباك مع المتلقي الأول للوحي وهو النبي، ومحاولة تطمينه والإجابة عن تساؤلاته، ثم الإفصاح عن الدور الموكل إليه بالإبلاغ.

النص بين المكي والمدني
إن التنجيم في نزول الشريعة يتضمن معنى الواقعية والتدرج بالإنسان وإعانته على الانتقال من الجاهلية وعاداتها المستحكمة إلى الإسلام وفضائل أخلاقه، لكن هذا لا يعني مفارقة النص للواقع، وأحد الأدلة على ذلك هي التفرقة بين المكي والمدني من حيث البناء والمضمون.
يرى نصر حامد أبوزيد بأن معيار التفرقة بين المكي والمدني لا يجب أن يكون مكانيًا، بل هو حادث الهجرة الذي نقل الدعوة من حدود الإنذار إلى الرسالة. والمعيار يجب أن يكون زمنيًا يفرّق بين فترة ما قبل الهجرة وما بعدها. وهي ليست تفرقة حاسمة لأن ترتيب التلاوة يختلف عن ترتيب النزول، ولأن الاختلاف في المضمون لا يتميز بالتمايز الحاد الذي يمكن الاعتماد عليه.
يشير أبوزيد إلى أن معيار الأسلوب يجب أن يكون حاضرًا للتمييز هنا. فالآيات المدنية تتميز بالطول مقارنةً بالمكية. الإنذار يعتمد على التأثير الذي يمكن الوصول إليه بآيات قصيرة مركزة، بينما الرسالة تعتمد على نقل المعلومات أكثر. كما أن مراعاة الفاصلة يمكن أن تكون فارقة.
تظهر مشكلة الاعتماد على المرويات في التفرقة بين المكي والمدني في محاولة التلفيق بين الروايات، لدرجة افتراض نزول نفس الآية أكثر من مرة. أو نزول النص أولًا وتأخر حكمه الشرعي إلى وقتٕ لاحق. وهي افتراضات تعبر عن العجز في مواجهة اجتهادات السابقين بالنقد والتمحيص. عجز نابع عن الاعتقاد بقداسة الأشخاص والإيمان بسداد آرائهم واجتهادهم.
فالرواية طالما كانت صحيحة بمنهج النقد الخارجي أي السند وصدق الراوة، لا يمكن نقدها.
أدى الاختلاف بين أقوال السلف مع القول بصحتها إلى القول بأن يكون اللفظ محتملًا لأكثر من معنى، والقول بنزول الآيات أكثر من مرة، وتأخر الحكم الشرعي عن نزول النص، في محاولة التلفيق بين كل الآراء. وهي محاولة تفصل بين النص والواقع، وتقضي على مفهوم النص نفسه.
أسباب النزول
لم يدرك علماء القرآن من علة التنجيم سوى أنه كان مراعاة للمستقبِل الأول وتثبيت فؤاده، رغم أن الأوْلى بهم إدراك أنه مراعاة للمخاطبين به أيضًا. نزل القرآن مُنجما عكس ألواح موسى التي كُتب له فيها كل شئ. كان منظور علماء القرآن أن الله عالم بالوقائع كلها، فلا معنى إذًا لاعتبار التنجيم مرتبط بالتفاعل مع الواقع، لكنهم تجاهلوا أن الفعل الإلهي في العالم فعلٌ من خلال قوانين العالم ذاته في الزمان والمكان. فتصوروا أن مراعاة قوانين الزمان والمكان فيها تهوين من القدرة الإلهية.
كان الزعم بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ذريعة لتجاهل علاقة النص بالواقع، وهي علاقة لا يمكن تجاهلها إذا نظرنا لاجتهاد عمر بن الخطاب في تعطيل حد السرقة وإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم. إن اللغة رغم قدرتها على التجريد تظل نظامًا ثقافيًا خاصًا يمكن إدراكه بالعناية بأسباب النزول.
رغم أهمية أسباب النزول، إلا أن تحديد أسباب نزول كل أية على سبيل القطع ليست دائمًا مسألة سهلة متاحة. ويرى نصر حامد أبوزيد أن سبب ذلك هو الاعتماد فقط على الروايات في الاستدلال على سبب النزول، ولا مجال فيه للاجتهاد والاستنباط.
وكان من نتائج الاعتماد فقط على الرواية في تحديد أسباب النزول، القول بتكرار نزول الآيات لحل مشكلة تعدد الروايات.
الناسخ والمنسوخ
النسخ هو إبدال نص بنص مع بقاء النصين، وهو ما يترتب عليه إبطال حكم بحكم آخر. ولا يدل النسخ على تغيير في الذات الإلهية بل هو تفاعل مع الواقع. ويعتمد معرفة الناسخ والمنسوخ على ترتيب النزول وأسبابه، وهو ليس بالأمر السهل. وحدثت مغالاة في اعتبار كثير من الآيات ناسخة أو منسوخة لدرجة اعتبار أن بعض الآيات ينسخ آخرها أولها.
علة النسخ هي التدرج في التشريع، لذا فبقاء الآيات المنسوجة ضروري لإمكانية العودة للحكم الذي تؤسس له إذا تغيرت الظروف التي تؤسس فيها الآية الناسخة للحكم الجديد. يقول البعض بإمكانية نسخ السُنة لآيات من القرآن مثل حد الرجم في الزنا، وإلى جانب هذا هناك ثلاث أنماط رئيسية للنسخ: نسخ الحكم وبقاء التلاوة، ونسخ التلاوة وبقاء الحكم، ونسخ الحكم والتلاوة.
يميل نصر حامد أبوزيد إلى حصر النسخ في النمط الأول، حيث حدث تزيّد في البحث عن النسخ في القرآن. وكان الاعتماد فقط على البحث عن روايات تقول بحدوث النسخ دون اجتهاد أو فحص، وهو ما أدى لنشأة النمطين الأخرين.
كان التعامل بالتبرير أكثر منه تأويل مع هذه الأنماط، مثل حديث عائشة عن آية تحدد الرضعات المحرمة بخمسة نسخت آية تحدد الرضعات المحرمة بعشرة، وكلا الآيتان لا وجود لهما، أو كحد الرجم في الزنا.
هذه الأنماط تحول الشريعة إلى أسرار لا يعلمها إلا الخواص، وسبب ذلك هو العجز في التعامل مع الروايات بما يحفظ قيمة النص.
إن نسخ التلاوة يفتح باب السؤال حول مفهوم القدماء لأزلية النص. سنجد الكثير من المرويات عن سور من القرآن ما بقي منها أقل مما ذهب مثل الأحزاب والتوبة، ومرويات يؤكد أصحابها على وجود آيات غير موجودة لدينا الآن. فهل هو النسيان أم كذب المرويات؟ ما يؤكده أبوزيد أن كل هذا لا يدخل تحت باب النسخ.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى


اترك رد