في مطبخ نصر حامد أبوزيد.. مفهوم النص (٣)
بقلم: عمرو عبد الرحمن

يبدأ هنا د. نصر حامد أبوزيد مناقشة دور القارئ في التعاطي مع النص من خلال التفسير والتأويل لاكتشاف دلالاته، وذلك انطلاقًا من كون النص منتج -بفتح التاء وكسرها- ثقافي، لا يجب الاكتفاء باستكشاف المعاني فيه، بل استكشاف الدلالات المضمرة في ألفاظه، والتي تنتُج من الثقافة التي نزل فيها، لتصنعها وتغيِّر فيها تفاعلًا معها.
النص بين التفسير والتأويل
ينطلق نصر أبوزيد من حديث نبوي يعتبر الرعد ملكًا والبرق صوته.
فقد أخرج أحمد والترمذي وصححه النسائي عن ابن عباس قال: أقبلت اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: ملك من ملائكة الله، موكل بالسحاب يسوقه حيث أمره الله قالوا فما الصوت الذي نسمع؟ قال صوته.
ويرى أن التمسك بهذا التفسير باعتباره التفسير الوحيد الصحيح يؤدي إلى ربط دلالة النص بالأفق العقلي والإطار الثقافي للجيل الأول من المسلمين. وهو ربط يتعارض مع المفهوم المستقر بأن دلالة النص تتجاوز حدود الزمان والمكان. يتحول هذا التفسير إلى عقيدة، ما يؤدي إلى تحويله إلى حقيقة أزلية يُكتفى بها كحقيقة نهائية.
يشير أبوزيد إلى الخطأ الجوهري باعتبار البعض أن حركة التاريخ تتحرك نحو الأسوأ دائمًا، لذلك المحاولة دائمة لربط معنى النص ودلالته بالعصر الذهبي. متناسون أنهم بذلك يؤكدون زمانية الوحي من حيث دلالته ومغزاه. وهو تعبير عن موقف أيديولوچي من الواقع، يقف ضد الحركة والتقدم. وجزء من هذا الخطأ هو الفصل بين التفسير والتأويل ورفع قيمة التفسير على حساب التأويل.
يعرض أبوزيد التفسير والتأويل من حيث الدلالة اللغوية، فالتفسير سواء من سفر أو فسر هو إظهار شئ مختبئ من خلال وسيط، بينما التأويل يعني العودة لأصل الشئ لاكتشاف دلالته ومغزاه، كما يعني الوصول إلى هدف وغاية. فهو حركة للوراء وللأمام في أن واحد. ويعرض فهمه لأية المحكم والمتشابه بأن التأويل المذموم في الأية هو التأويل للوصول إلى غاية وهي الفتنة، وأن الهاء في تأويله لا تعود على المتشابه فقط بل على الكتاب ككل. وبذلك يكون للتأويل معنى أوسع من التفسير.
من حيث الدلالة الاصطلاحية فالتفسير يحتاج دائمًا إلى وسيط يُنظر إليه لتوضيح المعنى، بينما التأويل لا يحتاج دائمًا إلى هذا الوسيط، بل يعتمد على حركة الذهن في الرجوع إلى الأصل واكتشاف الغاية باستخدام آليات التأويل.
التفسير يرتبط بعلوم نقلية كأسباب النزول والعام والخاص ولا مجال فيها للاجتهاد سوى الترجيح بين الروايات المختلفة. أما التأويل فيرتبط بالاستنباط، وهو ما يعطي للقارئ دور كبير في مواجهة النص والكشف عن دلالته. وهو ليس دورًا مطلقًا بل المؤوٓل لابد له من علم بالتفسير والعلوم المرتبطة به، حتى لا يكون التأويل خاضعًا لأهواء الذات وميول المؤول الأيديولوچية.
يحتاج المؤول إلى استخدام آليات للتأويل حتى لا يصبح تأويله سطحيًا فإلى جانب علوم التفسير من علوم القرآن واللغة، يجب أن يكون على دراية بالعلوم التي تساعده على فهم الواقع وإدراك حركته.

تحويل مفهوم النص ووظيفته
في الباب الثالث يشتبك نصر أبوزيد مع الإمام الغزالي في رؤيته لطبيعة النص الديني من خلال كتابه جواهر القرآن، والتي تنطلق من منطلقين أحدهما أشعري وهو أن الكلام صفة من صفات الله، والأخر صوفي وهو حصر غاية الوجود في الخلاص وتحقيق الفوز في الأخرة عبر الانقطاع إلى الله.
كان نتيجة اعتبار النص صفة إلهية أزلية لا فعلًا أن يتم الفصل بين الصفة القديمة الملازمة للذات الإلهية وتجليها في الكلام المقروء، فاللغة في النص قشرة بداخلها مضمون أزلي.
يبني الغزالي هرمًا يصنف فيه العلوم المرتبطة بالنص. هناك علوم القشر والصدف وهي مخارج الحروف ولغة القرآن وإعراب القرآن والقراءات وعلم التفسير الظاهر.
وعلوم اللباب (الطبقة العليا) وتشمل معرفة الله وتنقسم إلى الذات والصفات والأفعال، وطريق السلوك إلى الله وتعريف الحال عند الوصول (الثواب والعقاب). وفيها يظهر الغرض من الوحي عند الغزالي بأنه ليس المُخاطب به تنزيلًا بل التعريف بالمتكلم الذي يحاول الإنسان الصعود إليه.
وعلوم اللباب (الطبقة السفلى) وتشمل الفقه وعلومه هي الحدود والمعاملات والنكاح والجنايات، وعلم الكلام وينقسم إلى إنكار الألوهية وإنكار النبوة وإنكار البعث، وعلم القصص القرآني ويشمل قصص الصالحين والجاحدين.
إذا كانت علوم القرآن تنقسم إلى قشر ولباب، فإن الوسيلة للوصول من القشر إلى اللباب هي التأويل. تتحول اللغة عند الغزالي من ألفاظ لها دلالة إلى رموز لحقائق موازية مستترة. رؤية الغزالي مرتبطة بثنائية الظاهر والباطن، ظاهر من خلال صورة مرتبطة بالدنيا وباطن من خلال معنى مرتبط بالأخرة. ولا يصل إلى الباطن إلا الخاصة أما العامة فلا يمكنهم فك شفرته.
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد