في مطبخ نصر حامد أبوزيد.. نقد الخطاب الديني (١)

280709377_5758375077522788_4038074696299373968_n2 في مطبخ نصر حامد أبوزيد.. نقد الخطاب الديني (١)

صدر كتاب نقد الخطاب الديني عام ١٩٩٢ في ذروة سيطرة التيار الديني على مفاصل الحياة في مصر بشكل غير رسمي، وفي ظل تواطؤ من الدولة التي تركت له مساحة شاسعة من حياة المجتمع ليملأها بخطابه الذي لا يقبل النقد.

أثناء قراءتي لهذا الكتاب، استرجعت أحداث ما بعد ثورة يناير، وأنا أشاهد ظهور الإسلاميين على الشاشات وهم يعرضون مشروعهم والأخر يناقشهم فيه. مناقشات حادة لكنها لم تناقش سوى الفروع، التي يجيد الإسلاميون الدفاع عنها؛ لأن البداية من الفروع تعني التسليم بالأصول، وتعني الانطلاق من نفس الأرضية لخوف الأخر من طرح الأسئلة الصحيحة خوفًا من التكفير والتشنيع عليه.

بينما نجد أن هناك شخص منذ ما يقرب من عشرين عامًا قام بطرح تلك الأسئلة حول آليات الخطاب الديني ومنطلقاته الفكرية، بل ونقدها ونقد خطابات ادّعت انها تقف على مسافة منها. وفي سبيل ذلك تحمّل الظلم والاضطهاد الذي يرى أنه الثمن الذي يجب أن يكون المثقف الحقيقي مستعدًا لدفعه، بتواطؤ من الدولة أيضًا.

ينطلق نصر حامد أبوزيد من اعتبار أن الفارق بين الخطاب الديني المعتدل والمتطرف هو فارق في الدرجة لا في النوع، فكلاهما يتضمن عنصرين أساسيين هما النص والحاكمية. ويتطابقان في منطلقاتهما الفكرية وآلياتهما المستخدمة في طرح المفاهيم ومحاولة إقناع الأخر.

هذه الآليات هي:

  • التوحيد بين الفكر والدين وإلغاء المسافة بين الذات والموضوع.
  • تفسير الظواهر كلها بردها إلى مبدأ أعلى أولى، تستوي في ذلك الظواهر الاجتماعية والطبيعية.
  • الاعتماد على سلطة السلف أو التراث بعد تحويل النصوص التراثية الثانوية إلى نصوص أولية تتمتع بقدر هائل من القداسة لا يقل عن النصوص الأصلية.
  • اليقين الذهني والحسم الفكري القطعي ورفض أي خلاف فكري إلا إذا كان في الفروع والتفاصيل دون الأسس والأصول.
  • إهدار البعد التاريخي ويتجلى ذلك في البكاء على الماضي الجميل، يستوي في ذلك العصر الذهبي للخلافة الراشدة وعصر الخلافة العثمانية التركية.

ويؤكد أن الخلاف بين الخطاب الديني المعتدل والمتطرف هو خلاف هامشي، حول مجال تطبيق المبدأ لا حول المبدأ ذاته، فهما يتفقان على الحاكمية فيُكفر المتطرف الحاكم بينما يعتبره المعتدل عاصيًا. يتفقان على تغيير المنكر باليد ويختلفان حول التوقيت والظرف المناسب. كما أن التكفير يمثل عنصرًا أساسيًا في بنية الخطاب الديني، لكنه معلن في الخطاب المتطرف وخفي في الخطاب المعتدل.

يعتبر أبوزيد أن نشأة التكفير في واقعنا مع سيد قطب انطلاقًا من مبدأ الحاكمية، كانت ردًا على حاكمية ضباط الثورة، فالتكفير يظهر ويختفي حسب مدى القرب أو البعد من السلطة. كما يتفق الخطاب المعتدل مع المتطرف في الموقف من الأعمال الأدبية والفنية، ظهر هذا في الموقف ضد رواية أولاد حارتنا. دائمًا هناك خوف على عقيدة العامة، كلا الخطابان يتعامل مع الناس كأطفال يحتاجون إلى رقابة أبوية تحرس عقيدتهم من أي تشويش أو دعوة للتفكير.

التوحيد بين الفكر والدين

هنا تتم المساواة بين النص وفهم النص، لينتج في النهاية خطاب كهنوتي يعبر عن سلطة ومرجع في شئون الدين والعقيدة، رغم نفيه الدائم لوجود كهنوت في الإسلام.

رد الظواهر إلى مبدأ واحد

يقوم الخطاب الديني بتفسير كل الظواهر الاجتماعية والطبيعية بردها إلى الله بشكل مباشر، ليقوم بإحلال الله في الواقع العيني المباشر، ويتم نفي الإنسان وفاعليته تلقائيًا، في تصور لا يمكن أن ينتج أي معرفة علمية بالعالم أو الطبيعة، في امتداد لموقف أشعري ينكر السببية ويرسخ الجبرية الشاملة لدوافع سياسية في الأساس.

هذه الآلية ترسيخ لمبدأ الحاكمية، حاكمية الله في مقابل حاكمية الإنسان. يتم وضع كل المحاولات الإنسانية للفهم من علمانية وماركسية وداروينية وفرويدية كمنتجات غربية إلحادية دخيلة في مواجهة الإسلام، لأنها تجرده من السلطة المقدسة التي يدعيها لنفسه، والتي يزعم أنه بها يمتلك الحقيقة الكاملة. تمامًا كخطاب الكنيسة في العصور الوسطى.

1000040056-225x300 في مطبخ نصر حامد أبوزيد.. نقد الخطاب الديني (١)

الاعتماد على سلطة التراث والسلف

فيها يتم تحويل أقوال السلف واجتهاداتهم إلى نصوص لا تقبل النقاش، أو إعادة النظر والاجتهاد. بل والتوحيد بينها وبين الدين ذاته. وهنا يتم انتقاء جزء من التراث حيث يستبعد منه العقلي والمستنير ليكرس الرجعي المتخلف. ويشير أبوزيد إلى محاولة البعض استخدام نفس السلاح -سلطة التراث- متوهمون أنه يمكنهم محاربة التخلف بسلاحه وهزيمته.

على عكس ما يروج الخطاب الديني المعاصر، كان الأمويون -وليس الخوارج- هم من طرحوا مبدأ الحاكمية في واقعة طلب تحكيم كتاب الله. من الحاكمية نشأ مبدأ الجبر، حيث يُسند كل ما يحدث إلى قدرة الله الشاملة وإرادته النافذة. وهو ما رسخه الأشاعرة في نظرية الكسب بشكل يختلف ظاهريًا لكنه في الحقيقة يتفق في إهدار قانون السببية.

يتجاهل الخطاب الديني جانبًا مغاير من التراث، يمثله المعتزلة والفلاسفة. يضفي قداسة على الجانب الأول، ويرد الثاني إلى تأثيرات أجنبية انحرفت به عن الإسلام الحقيقي.

منهج الخطاب الديني هنا منهج انتقائي نفعي، داخليًا يقدس الجانب الرجعي من التراث، وعند المقارنة بأوروبا في العصور الوسطى يتحدث عن تأثرها بمنهج التفكير العقلي عند المسلمين. وذلك لتبرير استفادتنا بالمنتجات المادية التي أنتجتها الحضارة الغربية، دون الاستفادة من اي منتج فكري عقلي، بنفس المنهج الانتقائي النفعي.

يدلل أبوزيد على ذلك بكتابات سيد قطب حيث يورد تصورات الفقهاء لا باعتبارها آراء بل نصوص لا تقبل الجدال أو النقاش. كما يتمسك الخطاب الديني بالشكليات على حساب المقاصد، فالعبادات هدفها التعبد دون النظر لما فيها من مصالح ومقاصد، فلا يمكن تقديم إنفاق المال على الفقراء على أداء الحج، أو أن تغني الضرائب عن الزكاة عند القرضاوي.

اليقين الذهني والحسم الفكري

هذه الآلية هي نتيجة طبيعية لآلية التوحيد بين الفكر والدين. يقبل الخطاب الديني الآراء المتطرفة طالما لها سند من أقوال السلف، بينما لا يسمح بالاختلاف إلا في الجزئيات والتفاصيل. فهو يملك الحقيقة المطلقة، وعند الاختلاف يذوب الفاصل المتوهم بين الاعتدال والتطرف.

يقوم الخطاب الديني بتحليل سطحي للواقع، يفترض فيه عزل الإسلام عن الواقع، ويعتبر ذلك سبب كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأخلاقية. ويكون الحل هو العودة للإسلام وتحكيم الشريعة. تسطيح ويقين يظهر بوضوح في شعار الإسلام الحل الذي تم تقديمه كحل سحري لكل المشكلات.

يقدم الخطاب الديني افتراضه وتوصيفه وحله الوحيد بيقين وحسم قاطع، يؤدي إلى التستر على المشكلات والعجز عن تقديم حلول حقيقية. كل ذلك بالاستعانة بنصوص يتم تأويلها تأويلًا خاصًا.

إهدار البعد التاريخي

تبدو هذه الآلية واضحة في توهم التطابق بين النصوص الأصلية والتفسير الإنساني لها، وإضفاء القداسة على هذا الإنساني لأنه يتوهم أنه قادر على الوصول للقصد الإلهي. كما يظهر في خلل الرؤية إلى مشكلات الحاضر، واعتبار أن حلول الماضي التي كانت لمشكلات الماضي هي نفسها الحلول الوحيدة لمشكلات الحاضر.

يقدم أبوزيد نموذجًا لإهدار الخطاب الديني للبعد التاريخي من خلال التعامل مع مصطلح “الجاهلية”. الجهل في لغة العرب قبل الإسلام هو مقابل الحلم أي الاندفاع والخضوع لسلطة الانفعال، بينما تحولت الجاهلية في لغة ما بعد الإسلام للتعبير عن فترة تاريخية محددة هي فترة ما قبل الإسلام. وإذا كانت الجاهلية قبل الإسلام هي الاستسلام للانفعال والعصبية بدون تفكير أو استخدام للعقل كنقيض للإسلام الذي يدعو للتأمل والتفكير والتعقل. قام الخطاب الديني بقلب الأمور واعتبر الجاهلية هي الاعتداء على سلطان الله والاحتكام للعقل. وبالتالي هي ليست فترة تاريخية وانقضت، بل هي حالة مؤبدة كلما انحرف المجتمع عن ما يعتبره الخطاب الديني الإسلام الصحيح، بالخضوع لحاكمية غير الله. فأصبحت الجاهلية نقيض الحاكمية، وأصبح الإسلام هو الحاكمية.

يقدم الخطاب الديني تصورًا فيه ينفصل المسلمون الأوائل عن واقعهم ويقومون بالاستعلاء عليه عند دخولهم الإسلام. عزلة شعورية كاملة عن المجتمع والواقع يعيد إنتاجها خطاب الجماعات الإسلامية، فإما حكم الله وإما حكم الجاهلية، كما يؤسس لذلك سيد قطب في معالم على الطريق. متجاهلًا أن النصوص لا تفصح بذاتها عن ذاتها، إنما ينطق بها الرجال كما قال علي بن أبي طالب.

الحاكمية

رغم أن دعوة الإسلام في الأساس دعوة لتأسيس العقل في مجال الفكر، إلا أن الخطاب الديني اعتبر أن دور العقل هو التحقق من النقل وقبوله، ثم بعد ذلك رأى البعض أن دوره قد انتهى. تعود أول محاولات إلغاء العقل لحساب النص إلى طلب جيش معاوية تحكيم القرآن في صفين، وهي حيلة أدرك علي أنها تهرب بمعاوية من هزيمة عسكرية وسياسية إلى جدال نصي أيديولوچي على أقل تقدير سيكسبه بعض الوقت. ثم كانت الضربة الثانية للعقل بالقضاء على المعتزلة وحصار الفلاسفة، حتى وجه إليه الغزالي الضربة القاضية.

أسس أبو الأعلى المودودي -أحد مصادر سيد قطب الأساسية- لمفهوم الجاهلية المعاصر، وهاجم التفكير العقلي ورفض التعددية قديمًا وحديثًا، وهي أهم الأسس التي تقوم عليها الحاكمية، إلى جانب مقارنة ما هو إلهي بما هو بشري، لرفض ما هو بشري من تجارب وأفكار. في نظر خطاب المودودي وقطب، جاء الإسلام ليحرر الإنسان. يحرره من عبودية للإنسان إلى عبودية لله. العبودية لله في نظرهما تساوي إلغاء فاعلية العقل وتسليم الإنسان لتحكم سلطوي من نوع آخر يمارسه الخطاب الديني.

أصبحت لا إله إلا الله التي يقدمها ذلك الخطاب هي لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من عند الله، ولا سلطان إلا لله. التوحيد بين الألوهية والحاكمية لاختزال الإنسان في بُعد العبودية. الخطاب الديني يعتبر أن الإسلام جاء ليحرر الإنسان من عبودية البشر، لكنه بالحاكمية انتهى إلى تحكيم بشر من نوع خاص، يحتكرون حق الفهم والتأويل، وينقلون عن الله.

نشأت الحاكمية في كتابات سيد قطب كرد على حاكمية ضباط الثورة بعد صدام جماعة الإخوان المسلمين معهم الذي أدى للاضطهاد الذي جمع سيد قطب بالمودودي وجعله ينقل عنه، إلا أن الحاكمية كانت موجودة قبل ذلك في الخطاب الديني تظهر أحيانًا وتختفي أحيانًا.

1000040133-215x300 في مطبخ نصر حامد أبوزيد.. نقد الخطاب الديني (١)
سيد قطب

يؤكد أبوزيد أن مصدر الحاكمية الأول لم يكن الخوارج بل الأمويين في التحكيم. فالخوارج سرعان ما رفضوا نتيجة التحكيم عندما أدركوا الخداع الذي تم. ويرى أبوزيد أن أزمة الخوارج هي مثاليتهم الزائدة التي دفعتهم للتطرف أحيانًا. أدرك الخوارج أن النصوص لها مجال فعاليتها الخاصة، وقد ظهر ذلك في ردودهم على عبدالله بن عباس عندما حاججهم بعد التحكيم.

كان استدعاء أبي الأعلى المودودي الحاكمية بالمعنى الأموي نتيجة للصراع الإسلامي الهندوسي في الهند، والذي أسهم المحتل في تعميقه حتى انتهى الأمر بانفصال المسلمين عن الهند في باكستان. لذا يمكن للمفارقة أن نعتبر باكستان الإسلامية صنيعة الاستعمار الغربي الذي يهاجمه خطاب المودودي.

في السبعينيات امتزجت حاكمية السادات بخطاب ذي صبغة دينية في دولة العلم والإيمان. وفي الثمانينيات بعد فترة شهدت انفراجة، عادت الحاكمية السياسية إلى احتكار الحقائق والقرار، وتحميل المواطن العادي كل أزمات الواقع ومشكلاته بدعوة أنه قليل الإنتاج كثير التكاثر، ولذلك هو ليس جاهزًا للديموقراطية بعد.

يعتبر أبوزيد أن هناك اتفاقًا بين الخطاب الديني والسياسي على مبدأ الحاكمية وآلياتها، بينما الصراع على من ينطق باسم الحاكمية. هو صراع سلطة وسيطرة وتحكم. الفارق بين الاثنين أن حاكمية البشر يمكن مقاومتها والنضال ضدها بأساليب النضال المختلفة، بينما النضال ضد حاكمية الفقهاء يوصم بالكفر والزندقة لأنه ينقل المعركة بين البشر والبشر إلي معركة بين البشر والله.

النص

يبدأ أبوزيد بمناقشة إشكالية النص التي يتجاهلها الخطاب الديني، وهي البعد التاريخي للنصوص من زاوية تاريخية المفاهيم التي تطرحها تلك النصوص. يتفق الخطاب الديني أن النصوص تقبل تجدد الفهم واختلاف الاجتهاد، فقط في نصوص التشريع، لكن هذه مجرد دعوى فلا اجتهاد مع النص، وأقصى ما يمكننا فعله هو الترجيح بين أراء الفقهاء القدامى. والنص مقدم على مصلحة البشر، بل أن مصلحة البشر مضمنة في النص حيث هو شرع الله كما أنزله الله.

ليس البعد الزمني هو المُشكل الوحيد فاللغة أيضًا ليست بينة بذاتها، حيث يتداخل أفق القارئ الفكري والثقافي في فهم النص. وكما قال الإمام علي، القرآن حمال أوجه، لا ينطق إنما يتكلم به الرجال. ومن هنا يختلف مفهوم النص في التراث الذي يقبل التعدد والاختلاف في مقابل مفهوم النص في الخطاب الديني الذي يقدم منتجات جاهزة ونهائية لا تقبل التجديد.

النص عند القدماء ليس القرآن كله، بل هو ما لا يحتمل منه أدنى قدر من تعدد المعنى والدلالة بحكم بنائه اللغوي.

دار الخلافة بين المعتزلة والأشاعرة تحديدًا حول ما هو المحكم وما هو المتشابه، في حين يعتبر ابن عربي الصوفي أن ما نص يُرجع إليه لا يحتمل التأويل، فالنصوص عزيزة نادرة خاصةً في مجال الشريعة. للتغلب على هذه المعضلة كان البديل هو التجربة الصوفية ذاتها للاتصال بمصدر التشريع والأخذ منه مباشرة، فأهل الله قادرون على الاطلاع على الشريعة في حين الاعتماد على النصوص يؤدي إلى الاختلاف.

يقسم علماء القرآن ما تضمنه من حيث الوضوح الدلالي إلى أربع درجات:

  • واضح لا يحتمل إلا معنًى واحدًا وهو النص.
  • يحتمل معنيين أحدهما هو الراجح والآخر محتمل، وهذا هو الظاهر.
  • يحتمل معنيين متساويين في درجة الاحتمال وهو المجمل.
  • يحتمل معنيين لكن المعنى الأقرب ليس هو الراجح بل هو المعنى البعيد، وهذا هو المؤول.

هنا مفهوم النص في التراث يختلف عن مفهوم النص في الخطاب الديني، لذلك يعتبر أبوزيد مقولة لا اجتهاد مع النص عملية خداع أيديولوجي ماكرة. القرآن نص ثابت من حيث منطوقه لكنه متغير بقراءة الإنسان له، ويمثل فهم النبي من حيث هو بشر للنص أولى مراحل حركته في تفاعله مع العقل البشري. أما الأحاديث فإنها بالإضافة إلى نفس هذه المشكلات يُضاف إليها تأخر تدوينها وكتابتها بالمعاني لا بالألفاظ واختلاف معايير علماء الحديث في التصحيح. والمشكلة هي توقف عملية فرز الحديث وتثبيت نص الحديث في الصحاح بشكل مماثل لوقف الاجتهاد في النص القرآني.

إن اختلاف الزمان والتحرر من الظروف السياسية والخلافات المذهبية كان يجب أن يؤدي إلى تطوير معايير نقد الأحاديث وتصحيحها، لكن ذلك لم يحدث، لأنه تحول إلى نص مثل النص القرآني.

إن آليات فرز الحديث هي من حيث السند أولًا الاتصال والانقطاع بين الرواة، وثانيًا الجرح والتعديل حيث يتم التحقق من كل راوٕ على حدة. تحقق كان يتم على أساس أيديولوچي يتحكم في بنية النص النهائي. ومن حيث المتن هو يبحث في تعارض الحديث مع مبادئ الشريعة ومقاصدها، فهو اجتهاد الفعالية فيه للعقل الإنساني مرتبطًا بالأمان والمكان.

يحكم علينا الخطاب الديني بالدوران في دائرة مغلقة، فهو يؤسس الحاكمية على النص لإثبات سلطته، بينما الحاكمية هي تأسيس سلطة النص اعتمادًا على سلطة النص.

والطريق الوحيد للخروج من هذه الدائرة المغلقة هو سلطة العقل، لا كأداة للجدل ولكن بما هو فعالية اجتماعية متحركة. قابلة للخطأ لكنها قابلة لتصحيح أخطائها. والأهم أنها وسيلتنا الوحيدة للفهم. فهم العالم والواقع وأنفسنا والنصوص. ترفض الأحكام اليقينية النهائية، وتتعامل مع الواقع والنصوص كمشروعات متجددة قابلة للاكتشاف والتأويل.

يدرك الخطاب الديني أن الاحتكام للعقل يفقده كل أسلحته، ويكشف قناعه الأيديولوجي لعجزه عن الحوار على أرض العقل، فيلجأ للتكفير والإرهاب.

يذكر نصر أبوزيد قضية ميراث البنت وأن تحجب سائر الورثة شأنها شأن الذكر كمثال لرفض الخطاب الديني للاجتهاد منطلقًا من حاكمية النص، فقد حاول البعض الاستعانة بالفقه الشيعي للمساواة بين الذكر والأنثى في هذه الحالة، لكنه يرى أن ذلك الطريق هو استمرار في التمسك بحرفية النصوص، والأجدر أن يكون المعيار هو المقاصد الكلية للوحي. بقياس تطوير النص للواقع، نجد أنه أعطى المرأة نصف نصيب الذكر بعدما كانت لا تحصل على شيء. اتجاه الوحي هنا واضح، ولا يجب أن يقف الاجتهاد عند حدود المدى الذي وقف عنده الوحي وإلا انهارت دعوى الصلاحية لكل زمان ومكان. الصلاحية هنا يجب أن ترتبط بالتجديد كلما تغيرت ظروف الواقع، لا بالمحاولة الدائمة لتأبيد ظروف واقع التنزيل، ليظل النص صالحًا في التعامل معها.

يرى أبوزيد أن خطاب الجماعات لم ينشأ من فراغ، بل هو صدى لأصوات سابقة من الأسرة والمدرسة وأجهزة الإعلام. أصوات كانت خافتة وساعد على تضخيمها واقع مُتردي عصي على الإصلاح، يعجز فيه الناس عن تلبية أبسط حاجاتهم الإنسانية، وعندما يعجز العقل الإنساني عن الأمل في تبديل واقعه إلى واقع أفضل، يتجه إلى النموذج الجاهز القديم لمحاولة إحياء مجتمع إسلامي كما عاشه الصحابة تحت حكم النبي، ويكون الاحتكام إلى النص هو الطريق إلى ذلك.

انضم مع 83 مشترك

لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com

اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا

تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات