كيف أعددت تاريخ المصحف الحالي … بقلم: سماء معاوية
بقلم: سماء معاوية هيكل

مقدمة
هذه كلمات ولدت من صدى حي، تسللت من فم المتكلم إلى ذاكرة الكتابة. منذ ما يقرب من عام، اقترح عليّ أستاذ جمال عمر التعامل مع مجموعة مقاطع مرئية أو فيديوهات على الإنترنت عن تاريخ المصحف الحالي، لجمعها في بحث أو كتاب. وكان تقديرًا شكل لي دافعًا مهمًا للغوص في هذا المساق البحثي، وإرضاءً لشغف شخصي بالكتابة والتحرير وإعادة الصياغة. وأنا كنت قد استمعت إلى المحاضرات سابقًا وقت نشرها، فعدت لأسمعها، إلا أنها بدت لي مختلفة تمامًا عن ذي قبل. كانت المحاضرات أمامي كما لو كانت حياة أخرى. ارتبكت وأنا أسأل نفسي، كيف سأختصر هذا العالم المعقد في كلمات؟
قضيت ساعات طويلة أعيد تفريغ بعض المقاطع، أجمع الكلمات مرة، وأفهمها مرة، ثم أعيد إنتاجها بلغة المؤلف، أو بلغة تحاول أن تكون امتدادًا لصوته. وفي كل مرة، كنت أسأل هل أقدّم المادة كما سمعتها؟ أم أُخبر عن الأفكار؟ كانت التجربة انخراطًا حقيقيًا في عملية معقّدة من الاستماع والفهم وإعادة الصياغة. كنت أعرض ما أكتبه على المؤلف، إن كانت لديه ملاحظات، أشاركه وأنا قلقة إن كان ما أقوم به نقل أمين لهذه المعرفة، حتى قال لي مرة: دا نصك انتِ! ولا أنكر أني تحرّرت قليلًا من قيد التفريغ الحرفي، لكن ظلّ حلم إخراج منتج نهائي دقيق يراودني.
لاحظتُ أن موطن التحدي في كون المادة التي أتعامل معها شفاهية، والخطاب بطبيعته أكثر تعقيدًا من النص المكتوب. فبينما النص صامت، فالخطاب حي، حي بكلامه وحي بصمته، فصمت الخطاب لا يخلو من معنى، وتكراره يؤكد ولا يضعف، وانتقاله من العام إلى الخاص ثم العودة للعام يبعث على السؤال. كما أن تفاعل المحاضر مع المتلقي المباشر لخطابه في تعليقات الحاضرين كان جزءًا لا يتجزأ من عرض الفكرة، إضافة إلى أن المحاضر كان يعتبر المتلقي غير المباشر، من قد يجد هذه المحاضرات يومًا ما على الإنترنت. أهديت إحدى المحاضرات إلى محمود في غزة، تقديرًا له ولحرصه على الحضور؛ رغم الحرب، ولم تكن لتتم المحاضرة لولاه. كل هذه العناصر تجعل من الخطاب كائنًا حيًا، وليس مجرد محتوى ينسخ. فكيف يمكنني نقل هذه العناصر الحية من الخطاب إلى نص مكتوب؟ كيف أظل وفية للروح التي حملها المتحدث وهو يوجه كلامه للجمهور؟
بدا لي مع الوقت أن ما أقوم به ليس مجرد عمل تقني أو جهد تحريري، بل تحول شيئًا فشيئًا إلى تجربة بحثية وفكرية تمسّ جوهر علاقة الباحث المعاصر بالنص القرآني، القرآن بوصفه خطابًا شفاهيًا حيًا يتداوله الناس عبر التاريخ في الصدور والذاكرة قبل التدوين.

يأخذنا هذا الكتاب في رحلة نتتبع فيها مسارات جمع وتدوين وكتابة المصحف في القرن العشرين، عبر ست محاضرات متتابعة، قسمتُها على ستة فصول، أرفقت مع كل فصل وثائق مصورة متصلة بالموضوع، معبرة عن المضمون. يبدأ الفصل الأول بسؤال الإشكال بين تساؤلات المستشرقين الجذرية في التعامل مع القرآن، وبين الرواية الإسلامية التي توارثها المسلمون وتناقلوها جيلًا بعد جيل، نفتح مساحة للتأمل، ونعيد النظر في المفاهيم. بينما ينفتح الفصل الثاني على عالم المصاحف ولجانها. يبدأ من مصحف المدينة المنورة، مصحف مجمع الملك فهد، الذي بات في العقود الأخيرة المصحف الأشهر والأوسع انتشارًا في العالم الإسلامي. نتوقف عند لجنة هذا المصحف، نتأمل أعضاءها، ونكشف بعض المفاجآت التي حملها هذا العمل الجماعي الفريد، والذي قل من تناوله بتفصيل من قبل. ومن مصحف المدينة إلى مصحف القاهرة 1952 في الفصل الثالث، نتأمل كيف أعادت اللجنة بناء النص بالرسم والضبط والإخراج، لنفهم أن كل نسخة من هذه النسخ لم تكن مجرد إعادة طبع، بل جزءًا من مشروع أوسع يعيد تشكيل المصحف في كل مرة. ثم نطل في الفصل الرابع والخامس، على المصحف المؤسِّس، مصحف القاهرة 1924، أو المصحف الأميري، نتتبع ظروف تشكل هذا المصحف، ونرصد المصاحف التي تأثرت به، وتلك التي أثّرت فيه. وفي الفصل الأخير، نقف أمام اللحظة الفارقة، التي أسست لشكل وتكوين المصاحف التي بين أيدينا الآن، لحظة الجمع المصري للقرآن في القرن العشرين، نعرض فيه تقرير لجنة المصحف بوصفه وثيقة تاريخية، نتأملها ليست بصفتها وثيقة جامدة فحسب، بل كمِرآة تعكس الموقف الثقافي والديني والسياسي في تلك اللحظة المفصلية من القرن الماضي.
يُعد هذا الكتاب العاشر في مسيرة المؤلف، والسابع في ميدان الفكر الديني والدراسات القرآنية، أشارك فيه لقطات حية، من تسجيلات ثرية، حاولتُ نقلها عبر الكلمات بروح الرواية، أقدمه هدية بين يدي القارئ الكريم في تجربة تحرير أولى، على أمل أن يجد في هذا النص ما يستحق أن يُقرأ.
سماء معاوية
للحصول علي نسخة عبر موقع أمازون اضغط هنا
للحصول علي نسخة من مكتبة تفكير اضغط هنا
يُذكر أن صالون تفكير سيعقد ندوة مناقشة للكتاب يوم 2 نوفمبر اضغط هنا للوصول للإيفنت
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد