مصلحة الفطرة العامة… بقلم/ مروة هجرس
بقلم/ مروة هجرس

في صباحٍ قاهريٍّ هادئ على غير العادة، استيقظتُ لأجد إعلانًا ملصقًا على باب العمارة:
“تنبيه هام: سيتم اليوم قياس الفطرة للسكان. الرجاء إحضار بطاقة الرقم القومي وما يثبت وجود أي إحساس داخلي سليم.”
ظننتها دعاية لحملة انتخابية ما، لكن الحارس أكّد لي بجدية أنه قرار رسمي، وقال وهو يعدّل الجلابية:
“الدولة مش سايبة حاجة للصدفة يا أستاذ… حتى الفطرة.”
في الشارع، كان الزحام كعادته، لكن مع إضافة غير معتادة: طابور طويل يبدأ من الكشك وينتهي عند ما لا نهاية، يقف فيه الناس وهم يحملون ملفات بنية مكتوب عليها: “ملف فطري – سري للغاية”
سألتُ سيدة أمامي:
- “هو إيه اللي بيحصل؟”
قالت بثقة:
- “بيشوفوا الواحد فطرته مظبوطة ولا محتاجة تصحيح.”
ثم أضافت هامسة:
- “أنا عاملة صيام متقطع بقاله أسبوعين عشان الفطرة تطلع سليمة.”
دخلنا مبنى حكوميًا لم يكن موجودًا بالأمس، اسمه: الهيئة العليا لشؤون الفطرة والبوصلة الأخلاقية.
على الحائط صورة ضخمة لميزان، في كفّة قلب، وفي الأخرى كتاب، والميزان مائل طبعًا ناحية الكتاب.
في الداخل، موظف أصلع بنظارة سميكة، سألني بلا مقدمات:
- “بتحس بإيه لما تشوف حد بيتظلم؟”
قلت:
- “بتضايق.”
كتب شيئًا بسرعة وقال:
- “طيب… ولما تشوف حد مختلف عنك؟”
ترددتُ:
- “بفكر أفهمه.”
رفع حاجبه بقلق.
- “تفكير؟! دي محتاجة مراجعة.”
أدخلني غرفة جانبية، فيها جهاز يشبه ماكينة الصراف الآلي، مكتوب عليه: “قارئ الفطرة – إصدار 3.0”.
طلبوا مني أن أضع يدي على القلب.
الجهاز أصدر صوتًا غريبًا، ثم طبع إيصالًا طويلاً.
قرأ الموظف النتيجة بصوت رسمي:
- “فطرة موجودة… لكن غير مطابقة للمواصفات القياسية.”
سألته:
“يعني إيه؟”
قال مبتسمًا:
- “يعني عندك تعاطف، بس زيادة شوية. عندك أسئلة، ودي مشكلة. بتحس إن الظلم وحش من غير ما حد يقولك… وده مؤشر خطر.”
اعترضتُ:
“بس دي حاجة إنسانية.”
ضحك الموظف ضحكة قصيرة محفوظة:
- “الإنسانية مصطلح واسع. إحنا هنا بنضيّق الواسع عشان الناس ترتاح.”
في الخارج، رأيت شابًا يخرج باكيًا. سألته:
- “مالك؟”
قال:
- “قالولي فطرتك متآكلة من كتر التفكير. لازم دورة إعادة تأهيل أخلاقي.”
وعلى الكرسي المقابل، رجل آخر يضحك فرحًا:
- “الحمد لله… طلعت فطرتي سليمة 100%.”
سألته:
“بتحس بإيه لما حد يتألم؟”
قال بعد تفكير:
- “على حسب هو معانا ولا لأ.”
عند الظهيرة، خرجتُ من المبنى وأنا أشعر بشيء ثقيل في صدري. ليس ذنبًا، ولا خوفًا… بل دهشة.
في الطريق، رأيت طفلًا يبكي لأن قطته ماتت. لم يكن يحمل بطاقة، ولا يعرف تعريف الفطرة، لكنه كان يشعر بالألم الخالص، بلا شروط.
جلستُ على المقهى، أراقب الناس.
بائع شاي يساعد عجوزًا دون مقابل.
شاب يضحك ساخرًا من كل شيء لكنه يتجهم فورًا عند أول مشهد ظلم،
امرأة متدينة جدًا تمر بجوار متسول وكأنه غير موجود كما لو كان جزءًا من الرصيف.
سألت نفسي:
من أين أتت هذه المشاعر؟
ومن الذي زرع في رأس بائع الشاي فكرة أن الرحمة فكرة جميلة؟
حتى إن لم تُذكر في لائحة، ولم تُعلق في إعلان؟
أدركتُ أن الفطرة لا تحتاج ختم النسر.
لا تطلب تصريحًا، ولا تظهر في الاستمارات
تظهر فجأة، بلا موعد،
قبل أن نتعلم الكلام،
وقبل أن نتعلم الخوف،
وقبل أن يخبرنا أحد بما يجب أن نشعر به.
هي ذلك السؤال المزعج الذي لا يكف عن الظهور:
“هو اللي بيحصل ده عادي؟”
ابتسمت.
فطرتي ما زالت غير معتمدة.
ولم أحصل على ختم النسر.
لكن يبدو أنها – للأسف الشديد – ما زالت تعمل…
كنتُ غارقًا في أفكاري..
حين أيقظني صوت الإعلان الناطق من الشاشة الضخمة المعلّقة في الشارع:
صوت عالٍ يصدح ببرودٍ معدني:
“أيها السادة المواطنون؛ يُرجى الالتزام بالمشاعر المعتمدة فقط”.
شارك المحتوى


اترك رد