مفاجأة عيد ميلادي المئوي… الجزء الأول… بقلم: جورج فريد
بقلم: جورج فريد

30/3/2133
اليوم أحتفل؟؟ بعيد ميلادي رقم 100، لن يكون هناك حفل ولا ما يشبه الاحتفال ومع ذلك فهي مناسبة نادرة ويوم ليس كسائر الأيام.
في السنة التي ولدت فيها كان كوكب الأرض يحمل أكبر عدد من البشر مر عليه منذ ظهر جنس الهوموسابينس، ثم أخذت الأعداد في التراجع وحدثت (ولعلها لم تحدث فعلًا ولكن هذا ما قيل لنا) الأحداث الغريبة التي أدت إلى موت أو اختفاء أغلبية بني جنسنا.
اليوم يعيش نحو عُشر من كانوا يعيشون قبل قرن ولا أعرف إن كان هذا جيد أم سيئ، أنا شخصيًا أعيش حياة جيدة، وموافقة لتصوري عن الرفاهية ولكني لست سعيدًا بالمرة.
صحتي على ما يرام وليس هناك ما أخشاه ولا ما أخاف عليه .. ما ينغص عيشي هو الشأن العام، بافتراض أن الطريقة التي نحيا بها الآن تعرف ما يمكن تسميته بالشأن العام.
مقارنة بسني، طفولتي حتى صدر شبابي، نحن نعيش حياة منزوعة الشأن العام، وقد بدأ الأمر في خمسينات القرن الماضي على النحو التالي:
كثرت الأنباء – والتي أعتبرتها في حينه مجرد شائعات – عن غزو فضائي محتمل لكوكبنا، حتى فوجئنا يوم 5/5/2055 ببيان مقتضب بجميع اللغات مفاده أن حربا “خارجية” فُرضت علينا وأنها بدأت بالفعل وأن هذا يقتضي بالضرورة قيادة موحدة للعالم، وأن أي معارضة لذلك القرار ستعتبر جريمة خيانة عظمى، والخائنون سيصفون بدون محاكمات، ويتوجب على كل الرجال بين العشرين والخمسين، وعلى من يريد من النساء والرجال الذين لا ينطبق عليهم شرط العمر التوجه إلى أقرب المطارات من محل سكنهم.
ذهب من ذهب وتخلف من تخلف، وتغير شكل العالم خلال ساعات، وإذا الدنيا كما لا نعرفها. انقطعت الاتصالات بكل أشكالها وإرسالات البث الإذاعي والمرئي، إلا من إذاعة بيانات القيادة الموحدة للعالم التي كانت تصدر كل عدة أيام وقد تنقطع لأسابيع، ولا تكاد تحتوي إلا على تحذيرات للمتمردين على قيادة العالم وعلى السلوكيات التي ستعتبر من جرائم الخيانة أو الحرب.

أنا كنت من القلة النادرة التي لم تشحن في طائرات إلى حيث لا تعلم – وهؤلاء لم يعد منهم أحد – وطلب مني الرجوع إلى بيتي، على أن أكون مستعدًا في أي لحظة للقيام بمهام داخلية خطيرة وحساسة.
بعد ذلك دُرِّبت مع قليل من الرجال كبار السن وكثير من النساء على بناء، أو بالأدق حفر المخابئ النووية، مر نحو عام ونحن نحفر أو نحول مغائر وأنفاق وسراديب إلى مخابئ نووية ثم صدرت التعليمات لجميع البشر بالاستعداد للُّجوء إلى مخابئ معينة ولهذه المناسبة وُزِّع جهاز توجيه على كل إنسان يحدد له موقع مخبئه، واختفينا جميعا – كما قيل – تحت الأرض لزمن اختلف على تقديره.
من العجيب أن كميات الطعام الواصلة باستمرار وانتظام إلى المخابئ، كانت دائما وفيرة واحتوت معظم الوقت على خضروات وفواكه ولحوم طازجة، الأمر الذي استنتجت منه، أن حياة لا تخلو من العنصر البشري ظلت مستمرة فوق الأرض طول الوقت.
وكذلك خمنت أن زمن بقائنا تحت الأرض كان بين الثلاث والأربع سنوات. والمدهش أنه بحسب الرواية الرسمية صدر بيان الخروج من المخابئ بعد ثلاث سنوات وستة أشهر من بيان التوجه إليها، وهو ما شكك في صحته كثير من زميلاتنا وزملائنا الذين تراوحت تقديراتهم بين الخمسة والعشرة أعوام، حتى صدر البيان التالي باعتبار التشكيك في صحة الرواية الرسمية، جريمة حرب – رغم أن الحرب انتهت حسب البيانات بانتصار ساحق لنا – فانقلبوا للثناء على حسن تقديري مع نظرات ارتياب تشي بشكهم في أني رجل النظام وعين عليهم.
ما يقلقني بشأن الشأن العام، هو تضارب القرارات وسرعة تغيير القوانين من نقيض إلى النقيض، حتى ضاعت البوصلة ولم يعد أغلب الناس يعرفون ما الجيد وما السيئ حتى بخصوص خصوصياتهم.
نعم نحن نحتكم إلى آلات محايدة منذ قررت قيادة العالم الموحد بعد نهاية الحرب أن التشريع وإصدار القوانين هي مهمة أكثر حساسية وأخطر شأنا من أن يقوم بها بشر خاضع للأهواء وجانح إلى الانحياز والأنانية، فكلفت بها مجموعة من أحدث برامج الذكاء الاصطناعي من مبرمجين مختلفين في التوجهات والأصول، وهذا هو مكمن التناقض والتضارب وفقدان البوصلة، أن قانونًا غير جيد له رسوخ ونفاذ أفضل من قانون جيد متأرجح فاقد للوضوح والقدرة على النفاذ.
بالطبع أنا واع جدا لأني صرحت ولمَّحت إلى عدم تصديقي لكثير من الروايات الرسمية، أفعل هذا دون خوف، بفضل قاعدة ثابتة ظلت نافذة منذ يوم خروجنا من المخابئ إلى اليوم وأرجو ألا تتغير أبدًا، وهي تقول أن داخل جدران بيتك لك حرمة مقدسة وحرية مطلقة، وفور خروجك من بابه أنت تحت المراقبة الدقيقة، ما كتبته كتبته على ورقة لن تخرج من بيتي.
في صندوق بريدي، ولكم أن تتصوروا تلك المفاجأة القانونية الباهرة التي أعادها لنا الذكاء الاصطناعي الذي طالما وصمته بالغباء إذ شرع قانونًا بضرورة إعادة الوثائق الورقية لكل أمر مؤثر في حياة الإنسان، وإلزام الإدارات المحلية والمركزية بتركيب صندوق بريدي لكل مواطن وتوصيل الوثائق عليه بدون طلب منه.
في ذلك الصندوق وجدت اليوم خطابًا من القيادة المركزية للكوكب ولم يخطر على بالي إلا أن تكون تهنئة روتينية ترسل لكل من بلغ المئة، كنت واثقًا من صحة فكرتي لدرجة أني فكرت بجدية في ألا أفتحه، فأنا لا أحب قراءة الصياغات الروتينية، ولا عبارات التهنئة المحفوظة المكررة. لكني فتحته في النهاية لأجد ما لم يكن ليخطر ببالي.
يتبع….
لمراسلة المجلة بمواد للنشر في صورة ملف word عبر هذا الايميل:
salontafker@gmail.com
اشترك في صفحة تفكير الثقافية لتصلك مقالات تفكير اضغط هنا
تابعنا عبر صفحاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي:
تابع قناة جمال عمر علي يوتيوب شاهد قناة تفكير علي يوتيوب تابع تسجيلات تفكير الصوتية علي تليجرام انضم لصالون تفكير علي فيسبوك
شارك المحتوى


اترك رد