هكذا كلّمت نصر حامد أبو زيد…بقلم محمود عماد
هذه المقالة تم كتابتها وإلقائها في موسم ندوات نصر أبو زيد في ندوة 14/11/2025 لمحمود عماد والمعنونة بــ هو نصر أبو زيد عاوز يقول إيه؟ (هل نصر باحث أكاديمي أم مناضل سياسي) تقديم د/أكمل صفوت
محمود عماد

في صيف يوليو في مدينة أضنة التركية شديدة الحرارة عام 2025 كنت نائما في ليلة حارة والمروحة تبتعد سنتيمترات من جسدي -شبه العاري- وفجأة انقطعت الكهرباء بلا سبب معلوم وتوقفت المروحة عن الدوران، وماهي إلا دقائق معدودة حتى تصبب العرق من مسام جسمي بالكامل وأيقظني من نومي العميق. كنت متأففاً وأشعر باختناق الجو من حولي ولا أريد أن أفتح عيني فقد خرجت الشمس من ساعة أو ساعتين والنور يملأ الأرجاء. وإذ بصوت عند باب الشقة أجبرني على فتح عيني ثم بدأت ضربات قلبي تتسارع
أي حرامي هذا الذي يسرق في الصباح الباكر!
لابد أنها تهيؤات النوم وأنا مازلت لم أستعيد كامل وعيي.
ماذا يجب أن أفعل هل أقوم وأتفقد المكان أم أحاول أن أغمض عيني حتى لا يشعر بي الحرامي ويأتي ليقتلني!
الصوت مازال موجود وأنتقل إلى الصالة! ماذا يحدث؟ بالطبع هذا حرامي لاشك في ذلك، لحظة ممكن أن يكون فأر يعبث بالطعام كما حدث من قبل. كيف سأعرف؟ لابد أن أقوم وأرى بنفسي وإلا لن أستطيع النوم حتى لو عادت المروحة للدوران.
قمت وأنا مملوء بالرعب ولا أعرف ماذا أفعل إن كان حرامي دخل الشقة فأنا بلا سلاح وبلا مهارة قتالية وحتى بلا ملابس.
مددت رأسي خارج غرفة النوم لأرى موضع الصوت فلم أرى شيئاً.
فتقدمت نحو الصالة ونظرت فإذا برجل يرتدي بدلة وكرافته، انخلع قلبي من موضعة لحظة رؤيته ثم أستعدت توازني وأمعنت النظر مرة أخرى فإذا بالدكتور نصر أبو زيد يجلس في الصالون وقال لي تعالى يا محمود أنا منتظرك تصحى من النوم حتى أكلمك.
لم أصدق أنه هو بنفسه وقد جاء إلى بيتي ويريد أن يناقشني إنه لأمر رائع نظرت إلى نفسي وذهب حتى ألبس شيئاً وأخذت الجلابية بسرعة وذهبت مسرعاً أسلم عليه بحفاوة شديدة وأعبر له عن مدى احترامي له ولمواقفه.
فابتسم وقال لي أتعرف سبب مجيئي لك.
فقولت له لا.
فقال لقد علمت أنك ستتكلم عني في ندوة من سلسلة الندوات التي يقدمها جمال عمر في الموسم الجديد وأنا هنا لأعطيك الموضوع الذي ستقدمه فقد جهزت لك الأوراق.
تعجبت من كلامه وفرحت فرحاً شديداً أن هم تحضير الندوة قد زال وهاهي المادة جاهزة ومِن مَن؟ من الشخص الذي يجب أن نتكلم عنه بنفسه!
شكرته كثيراً وقولت له أنا عاجز عن التعبير عن فرحتي بلقائك.
فقال لي إن كنت تريد أن ترد لي المعروف فقم بعمل فنجانين من القهوة وأخبرني عن قصتك.
فقولت له أنا باختصار بدأت حفظ القرآن في سن صغير وكنت أحب الشعراوي وأتخذه مثل وقدوة وكانت أمي تقول لي أنها تريد أن تراني مثله، وانضممت للإخوان في الابتدائية وكنت طالب متفوق وخجول جداً وفي الإعدادية شاهدت لقاء لأحمد زويل في التلفاز فقررت أن أصير مثله وكتبت ورقة علقتها على باب غرفتي د/محمود عماد دكتور في كلية العلوم جامعة الإسكندرية وما أن أطلت عليَ الثانوية العامة حتى اندلعت ثورة يناير وخطفتني الثورة بجمالها وجلالها وصرت من مريديها المخلصين وتحول انتمائي لها أكبر من انتمائي للإخوان وبعد الثانوية حصلت على مجموع لم يدخلني كلية العلوم ودخلت مرغماً كلية الزراعة والذي أصبرني على ضياع حلمي هو الثورة وحلم تغيير الأمة وبعد انقضاء الحلم وسقوط الثورة فريسة العسكر عدت إلى حلمي الفردي وحاولت التفوق في الكلية وتمكنت من التخرج وأنا أول قسمي لكني لم أتمكن من أصير معيد وبعد ما حدث من سؤ الوضع في مصر تأكدت أن حتى حلم التعيين في مراكز البحوث غير ممكن وأن الاستعلام الأمني سيقف عائق أمامي طالما ظل النظام الاستبدادي في الحكم فاخترت السفر للخارج وحصلت على منحة دراسية للماجستير وما إن استتب الأمر لي في عامي الأول خارج مصر حتى عاد إليَ حلمي القديم بأن أصبح مثل الشعراوي ولكن بأفكار جديدة علمتها لي يناير الجميلة وبدأت مشروعي “التفكير في التفسير” ومن هنا بدأت تعلم التفسير وعلوم القرآن من الجميع ومن كل ذي علم، فبدأت بالسلفية ثم الأزهر ثم المفكرين والقرآنين حتى وصلت إليك.
واكتشفت أن المناظرة التي رأيتها لك مع د/محمد عمارة كنت قد رأيتها وأنا صغير ووقتها كنت مع د/عمارة وضد أفكارك السامة الهدامة التي تهز ثوابت الدين ولكن عندما شاهدت المناظرة للمرة الثانية عرفت حقيقة ما كنت تقول وأفكارك المتقدمة التي تسعى لتحرير الأمة ونهضتها وبعد أن شاهدت مقاطعك على يوتيوب وصلت إلى تلميذك النجيب جمال عمر وقمت بمراسلته وبدأت علاقتنا من هنا وتعلمت معه الكثير عنك وعن أفكارك التي كانت متوافقه مع أفكاري قبل معرفتك ومعرفته ف للمفارقة أنت لك كتاب إسمه التفكير في زمن التكفير وجمال عمر أنشأ صالون تفكير وأنا أسميت كتابي ومشروعي التفكير في التفسير قبل أن أعرف عنكما حرف واحد فقد جمعنا التفكير والبحث عن الحقيقة وهكذا وصلت إلى هنا وأنا الآن أقدم ندوة عنك
لم يعلق د/نصر على كلامي ومسح بيده دمعة بإصبعه من خلف النظارة وقال لي المفارقة ليست في اختيار اسم التفكير لمشروعك. خذ أوراق الندوة وستعلم معنى الاندهاش والمفارقة
أخذت منه الأوراق وبدأت القراءة

عنوان المحاضرة (( المختصر المفيد عن أفكار نصر أبو زيد))
هذه الورقة هي ملخص لكل أفكار الباحث نصر حامد أبوزيد ولكي نفهم أفكاره التي سطرها في كتبه يجب علينا أولاً أن نعلم تجربته الحياتية والمحطات التي شكّلت وعيه وتفكيره والظروف القاسية التي جعلت منه مناضل يعشق التحدي والمقاومة.
في البداية وُلِد نصر عام 1943م لأسرة فقيرة بين 5 من الأخوة والأخوات وكان والده يعمل في زراعة الأرض لكن لقلة العائد باع ما يملكه من حيازة، واشترى دكان صغير لبيع المواد الغذائية في قرية قحافة محافظة الفيوم.
كان والده يحلم بأن يكون نصر عالم كبير مثل “محمد عبده” وقد أتم حفظ القرآن في سن ال8 سنوات ولكن لتكلفة السفر والإقامة الزائدة على إمكانيات الأب فقد رضخ للظروف وقرر إلحاقه بمدرسة خاصة قريبة من القرية بشهادة فقر تعفيه من دفع المصاريف.
الطفل الذي نشأ على حب الدين وتغلغل التراث في وعيه ووعي أطفال القرية هو الأساس الذي سيعيش عليه بعد ذلك والقرية الفقيرة التي عاش فيها ستكون محركاً رئيسياً في الخطاب عن العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة.
انضم الشبل إلى الإخوان كنتيجة طبيعية لوجودهم في المجتمع فقد كان والده وفدياً بالانتماء السياسي ومنضم للجماعة من الناحية الاجتماعية، وأيضاً مسئول الشعبة هو ناظر مدرسته وكثير من المدرسين في المدرسة وكثير من الفلاحين. فقد كان الإخوان مجتمع يمثل الترابط الروحاني والخيري في القرية.
بعد محاولة اغتيال عبدالناصر في الإسكندرية قامت حملات اعتقال للإخوان في جميع المحافظات وقد طالت نصر وأبوه وقد كان الطفل وقتها يحب عبدالناصر ويعتبره قائد الأمة وأمل النهضة ولم يشك أن الإخوان من الممكن أن تفكر في اغتياله، لذلك كان يشعر بالغضب من الظلم الذي وقع عليه وعلى أبناء قريته الذي ذهب بعضهم إلى السجن ولم يخرجوا مثله بعد عدة أيام!
في المرحلة الإعدادية بدأت علامات النبوغ تبرز أكثر وأكثر، وبدأ يشترك في مسابقات إلقاء الشعر والخطابة في المدرسة ويفوز بالجوائز ويشتري المزيد من الكتب وبدأت علاقته بالأدب العربي تتحول إلى حالة عشق لا تخفت.
كابوس جديد دق الأبواب بمرض الأب فعندما شعر أنه لن يستطيع أن يكمل المهمة أتى بالطفل وأخبره أن عليه دخول مدرسة الصنايع حتى يتم توظيفه مباشرتاً بعد 3 سنوات من الآن وبذلك يكون هو رب الأسرة في حالة موت الأب في أي لحظة، ورغم محاولات نصر للمقاومة وتمسكه بحلم دخول الجامعة، إلا أن إصرار والده وضعفه يوما بعد يوم جعلت نصر يستسلم لقرار أبوه ومرارة الظروف.
مات الأب وتخرّج الشاب من الصنايع وهو بعمر أقل من 18 عام وحاول أن يستلم الوظيفة لكنهم أخبروه أن عليه الانتظار حتى يبلغ السن القانوني لكي يعين، فقدم أول شكوى رسمية في حياته وتم تعيينه بعقد مؤقت في قسم شرطة المحلة الكبرى وانتقل مع أخوته إلى هناك.
كان الشاب وحيداً ومسئولاً عن أسرة كبيرة وهذا جعله لا يملك سوى المقاومة وعدم الاستسلام للظروف وهذا جعله محارب لا يكف حتى ينتزع حقه مهما كانت العواقب لإن الانهيار يعني دمار كل من خلفه.
بعد أن استتب الأمر وأصبح قادر على مصاريف الأسرة بمساعدة والدته التي تعمل في الخياطة، عاد يتردد على قصر الثقافة بالمحلة وتعرف على مجموعة من الشباب المهتمين بالشعر والأدب وعاد لكتابة الشعر والمقالات فمثلاً فقد:
-أرسل مقال لمجلة الأدب عن العمال والفلاحين ونشرها له أمين الخولي رئيس تحرير المجلة وقتها.
-ومقال عن أزمة الأغنية الوطنية والاشتراكية.
-وأرسل خطاب لجمال عبدالناصر وجائه الرد مرفقاً لصورة الزعيم وفرح بهذا الرد كثيراً.
رغم حبه للزعيم الملهم وإيمانه بالمشروع الاشتراكي إلا أنه بدأ يصطدم بأفعال النظام الناصري ويغضب منها فقد كان دائم الشكوى من ضابط القسم ورافض للممارسة المستبدة التي يعامله بها وعندما تمت محاكمة سيد قطب ثار غضبه من الدولة المتسلطة التي تستخدم الدين لإعدامه.
بدأت تلك المماراسات الاستبدادية تشككه في نظام عبدالناصر وبدأ ينتقده ويفند أفعاله حتى أنه في مرة كان في قهوة يحضر خطاب للرئيس قبل النكسة وصاح في القهوة بصوت عالي “إييييييه هو عامل فيها فريد شوقي! دا مش كلام رئيس جمهورية” لكن الجالسين اسكتوه وسيق الناس إلى الهزيمة نياما.
ضاع حلم الأمة الناهضة مع نكسة 67 وتمنى لو وافق الشعب على خطاب تنحيه عبدالناصر لكن الشعب تصرف بعاطفة دون تفكير وجلس على الأرض يوم الهزيمة وظل يبكي.
ظل حلمه أن يدخل الجامعة يراوده وتغيير النموذج الذي أراده أبوه له من “محمد عبده” إلى “طه حسين” فقرر أن يقدم للثانوي العام من المنازل وانتهى منها وقدم في كلية الأداب جامعة القاهرة.
حاول تقديم طلب دخول الجامعة انتساب لمصلحة اللاسلكي فرفض رئيسه وسخر منه ومن فكرة دخول الجامعة في سن 25 فتقدم للجامعة كطالب منتظم بدون أوراق من العمل كأي طالب عادي رغم صعوبة الأمر ومشقة الحضور للجامعة.
مصادفة جميلة نقلته هو وأسرته إلى القاهرة فقد اكتشف أن والد إحدى أساتذته في الكلية كان رئيس مصلحة اللاسلكي وقامت بنقله من قسم شرطة المحلة إلى قسم شرطة في القاهرة واستطاع أن يواظب على الحضور وينغمس في انتقاد أساتذته وعلى رأسهم حسن حنفي الذي سمح له بمساحة النقد الأكبر.
كان لحسن حنفي تأثير كبير على أفكار الشاب فقد اقتنع من خلال نقاشه معه أن التنظير الفكري أساس تغير الواقع ومن هنا أصبح حسن حنفي هو النموذج وبدأ يميل أكثر إلى الفكر الاشتراكي ويبتعد عن تصورات الإخوان. بجانب التفوق دراسي فقد كان مايزال يمارس النشاط ويشترك في مسابقات الشعر.
متظلم بالباب
بعد أن تخرّج نصر بعمر ال29 بتقدير امتياز والأول على كليته تأكد من تحقيق حلمه أن يصبح مثل طه حسين وسيترك العمل في أقسام الشرطة إلى الأبد لكن القدر دائماً ما يخبىء له المفاجأت.
لم يجد إسمه في كشوف المعيدين وثار ثورته وظل يطوف بين دكاترته ورئيس القسم وعميد الكلية ولا شىء يحدث إلا أن قرر كتابة شكوى إلى رئيس الجامعة وصدرها بجملة متظلم بالباب وذهب إلى مكتبه ورفض الذهاب حتى يتم حل الأمر وبعد مشادة بينه وبين سكرتير المكتب خرج رئيس الجامعة وأخذه لمكتبه وعندما علم أنه لم يعين وهو الأول على الكلية اتهمه بالشيوعية أو الإخوانية وأن هذا هو السبب لعدم التعيين فرد عليه نصر أنه لاينتمي إلى أي جماعات وحتى لو انتمى فمن حقه التعيين ثم هناك الاستعلام الأمني يفصل في تثبيت القرار أو رفضه فاقتنع رئيس الجامعة وأصدر قرار تعيينه. وانتصر نصر في معركة أخرى ضد استبداد وقمع النظام بالاصرار والعزيمة.
بعد التعيين في قسم اللغة العربية تم اجباره من دكاترة القسم لدراسة فرع الدراسات الإسلامية وأنه لايجب أن يقلق من مصير خلف الله وشكري عياد وكانت الطامة الكبرى بالنسبة له عندما قال له أحد الدكاترة أنه لا يجب عليه القلق لأنه لن يأتي بجديد من علوم التراث التي نضجت حتى أحترقت فغضب الباحث الصغير الذي ظل يحلم بهذا المقعد حتى يغير التأزم الفكري ورد عليه رد قاسي وأخبره أن دور الباحث أن يأتي بجديد ولا يردد كلام من سبقوه وإلا ما الفائدة من البحث وما الفائدة من الجامعة فصمت الرجل.
بعد انتهاء الماجستير كان السادات يقمع السياسة ويكبت الفكر حتى وصل التضييق الأمني على الجامعات ووجود مكاتب الأمن والأسوار فكتب مقالات ينتقد فيها سياسات السادات عن “الانفتاح السداح مداح” وحرية الاقتصاد في الوقت الذي كان يقمع الطلاب ويمنعهم من حرية التعبير، فكتب يسخر من عدم فهم السادات لمفهوم الحرية الذي انتجته الديموقراطية الغربية الذي يقلدها السادات بلا فهم وطالب بالتحرر الفكري قبل التحرر الاقتصادي.
تزوج في سن 37 بعد إلحاح الأم الذي ضغطت عليه بعاطفة أنها تريد أن ترى أحفادها قبل أن تغادر الدنيا فنزل على رغبتها بعد عودته من أمريكا ووافق على جواز الصالونات التي تم تدبيره منها، ثم ناقش الدكتوراه واستمر في معارضته للسادات ومقالاته التي تفتت استخدامه للدين حتى تم نقله تعسفيا لوزارة الشئون الاجتماعية مع 300 دكتور جامعي من كل من له رأي وفكر قبل اغتيال السادات بشهر وبعد أن انتهى عصر السادات عاد للجامعة مرة أخرى.
-سافر لليابان هرباً من الوضع الخانق الذي لا يساعد على البحث وقام بدراسة الثقافة اليابانية واعتزازها بماضيها رغم تقدمها وقارن بين وضعنا بالانصياع الكامل للأمريكان على مستوى الدولة والرفض الكامل على مستوى الجماعات الدينية وكتب كتابيه نقد الخطاب الديني ومفهوم النص(سنناقشهم بالتفصيل في الجزء الثاني)
بعد العودة من اليابان كانت الفجوة بينه وبين زوجته قد اتسعت وأصبح الطلاق هو الطريق الوحيد لهما، وأثناء حضوره لندوة عن طه حسين تعرف على د/ابتهال يونس الدكتورة في قسم اللغة الفرنسية وبعد فترة ليست طويلة عرض عليها الزواج ووافقت وتزوجا رغم معارضة أهلها لكن قصة الحب قد وُلدت ناضجة.
الأزمة الكبرى
قدم كل الأبحاث والكتب للترقي لدرجة أستاذ لكن عضو اللجنة انسحب رفضاً لبعض ما جاء في الأبحاث وأوكل الأمر للدكتور عبدالصابور شاهين عضو الحزب الوطني ومستشار شركة الريان الذي رفض الترقية بل وشنّع عليه في الصحف وعلى المنبر في خطبة الجمعة لكن نصر تحدي لجنة الترقية ورئيس الجامعة ورفض التفاوض وعمل التعديلات المطلوبة وكتب مقال عن الجامعة يوضح فيه
” أنه لا سبيل أمامنا جميعًا لتجاوز
أزمتنا الراهنة إلا بنظامٍ تعليمي قادر على تنمية قدرات الفرد الذهنية والعقلية بل
والخيالية أيضًا، وتنمية حواسه التذوقية للآداب والفنون، وإشاعة مناخ الحرية في الثقافة
والمجتمع، وليست الحرية السياسية فقط كحرية التصويت وإنشاء الأحزاب وإصدار
الصحف، بل حرية التفكير والنقاش والبحث والحوار دون شروط مُسبَّقة، ودون أهداف
بعينها يسعى الباحث أو المفكر للوصول إليها. والجامعة هي نقطة البدء والختام، يشيع
ذلك في جنَباتها وداخل قاعاتها، فتعكسه في مرآة المجتمع.”
(كتاب أنا نصر حامد أبوزيد لــ جمال عمر، 2013، مؤسسة هنداوي، ص117)
انتقل الصراع للصحافة وأصبح موضوع نصر أبو زيد هو “تريند” الساعة وقامت حملات من الردود بين علماني وإسلامي وتراشق الفرقتين على صفحات الجرائد إلى أن تحول الأمر إلى المحكمة وتم رفع دعوة من مجموعة محامين بردة نصر عن الإسلام وتفريقه عن وزوجته.
في خضم الأحداث واللقاءات والمقالات التي كان يكتبها دوريا للرد على منتقديه حدثت حادثة في البيت المجاور له فقد تم القبض على العمال الذين يعملون في شقة جارهم لإن حادث سرقة قد تم في العمارة فذهب إلى القسم ليدافع عن العمال فتعجب الشرطي للدفاع عنهم وليس من بينهم قريب أو معرفة سابقة به لكن هذه هي معركة المناضل، هذه هي معركة الدفاع عن حرية وكرامة الجميع والعدالة بين كل فئات الشعب وخاصة الضعفاء منهم.
ودفاعه عن حرية الانسان وحقه قبل الدفاع عن نفسه وعن المثقفين وكتابة المقالات للرد على منتقديه من الأزهر والجماعات وأصدر بيان للأمة
بعنوان « الحقيقة أو الشهادة »
“جاء فيه: لأنني باحثٌ مسلم وهبَ حياته للدفاع
عن الإسلام، وكرَّس طاقته الذهنية والعملية للكشف عن غايته النبيلة ومعانيه الإنسانية
السامية في مناخٍ يُسيء للإسلام، ويُعرِّضه لهجوم الأعداء بسبب بعض الذين يَستغلُّون
معانيَه الإنسانية النبيلة لتحقيق غايات نفعية دنيوية رخيصة على حساب مصلحة الأمة
ومصالح المُواطِنين مسلمين وغير مسلمين؛ لذلك أدهشني بقدرِ ما أثار غضبي سعيُ هؤلاء
سعيًا حثيثًا لقتلي بدلًا من مناقشة أفكاري … والجدال معي بأساليب البرهان العقلي
الرشيد … لقد سمحوا لأنفسهم باتهامي بالرِّدَّة … والزيغ عن الإسلام، وطالبوا بالتفريق بيني وبين زوجتي.
ولأن الإسلام الناصع الصفاء لا يسمح لهم بذلك … فقد حاوَلوا التخفِّيَ وراء عباءة
القانون مُتجاهِلين أن دعوى تكفير المسلم بلا برهان ترتدُّ — عند لله سبحانه وتعالى —
على المدَّعي؛ فالله وحده هو الذي يعلم خائنة الأعيُن وما تخفي الصدور … ولأنني أعتزُّ
بإيماني بالله وبرسوله، وإيماني بنُبلِ الإسلام وإنسانية مقاصده، فإنني أعتزُّ كذلك بقيمة
اجتهاداتي الفكرية والعلمية … لذلك لن تنال مني فتاواكم المُغرِضة، ولا محاولاتكم
المُستميتة لقتلي، سأظلُّ أنُاضل عن الإسلام مُسلَّحًا بالوعي العلمي والمنهجية الصارمة
ولو كان دمي هو الثمن، ولا سبيل إلا الحقيقة أو الشهادة، أو معانقة النور يُضيء
عقول المسلمين، ويفتح أمامهم سبيل التقدم، ﴿وَللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ﴾.
(كتاب أنا نصر حامد أبوزيد لــ جمال عمر، 2013، مؤسسة هنداوي، ص165)
بعد أن تم وضعه تحت الحراسة وأصبح غير قادر على التعامل مع طلابه كما أعتاد أن يفعل طوال حياته قرر السفر إلى هولندا في المنفى الاختياري وتم تعيينه بعقد مؤقت في جامعة لايدن وبدأ أول محاضرة له خارج مصر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله حتى يعلم القاصي والداني أنه يرفض التشكيك في عقيدته وأيضاً يرفض إجباره على استنطاق كلمة الإيمان كما فعلت آوروبا في محاكم التفتيش في العصور الوسطى!
عندما اصطدم بمشكلات المسلمين في الغرب بدأ يكتب عن الازدواجية عند الغرب ونقده للعلمانية الفرنسية ووصفها بالعلمانية السلفية وأعطته جامعة لايدن منصب لمدة عام وسلمته كرسي كليفرنجيا وعندما قرأ عن هذا الرجل عرف أنه يهودي رفض قرارات هولندا النازية بفصل اليهود من الجامعة وقام بالتظاهرات داخل الجامعة رفضاً للعنصرية حتى تم غلق الجامعة بأكملها أثر هذه التظاهرات فقرر أبو زيد أن يدافع عن فلسطين في ندوة تسلمه المنصب الجديد وهو ما تفاعل معه الحضور بحفاوة وقتها، لكن ويا للمفاجأة لم يعين بعقد دائم في لايدن بعد ذلك!
قرر بعد 8 سنوات من الغضب العودة إلى مصر في زيارات سنوية وإجراء المقابلات والندوات ونقده للسلطة في كل مناسبة تسمح له بذلك، إلى أن توفى في عام 2010.
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة علي راديو تفكير علي تليجرام بالضغط هنا
رفعت عيني من الأوراق وسألت الدكتور إن كنت قد توفيت عام 2010 فكيف تجلس معي الآن؟!
لكنه فاجئني برده وقال لي: ومن قال لك أني أجلس معك؟
فنظرت إليه مستنكراً وأومئت برأسي ليشرح معنى كلامه
فقال: انظر من النافذة
نظرت من النافذة فإذا بنور أبيض ساطع لم أتحمله فأغمضت عيني وحين فتحتها وجدتني على السرير والمروحة مازالت تدور والشمس قد لسعت وجهي من حرارتها والضوء قد نال من جنابات الغرفة. نعم كنت أحلم لكنه حلم أقرب للواقع من الخيال، وهكذا كلّمت نصر أبو زيد
استيقظت وقبل تحضير القهوة فتحت جهاز الحاسوب وبدأت التحضير للندوة وكتبت عنوان الندوة “هو نصر أبوزيد عاوز يقول إيه؟” دراسة استقصائية عن أهم الأفكار في كتب أبوزيد.
5 يوليو 2025
أضنة/ تركيا
محمود عماد
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة عبر الرابط التالي
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد