هل الفن وسيلة تعبيرية مجردة أم مطرقة تغيير؟… بقلم: كوثر محمد

في المجتمعاتِ ذات الوعي المنخفض، يصبح السؤال عن رسالة الفن ليس مجرد ترفٍ فكريٍ بل ضرورة مجتمعية. هل يملك الفن معنى أعمق من مجرد انعكاس للواقع؟ هل يمكنه تفكيك المجتمع وإعادة تشكيله؟ من هذا المنطلق يُقدم المقال رؤية نقدية لدور الفن بين مجرد انعكاس وتأثير إيجابي، وبين مجرد جمال ومسؤولية.

يقول الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولت بريشت أنَّ “الفن ليس مرآة تعكس الواقع، بل مطرقة تشكله”. وفي المجتمعات التي مازالت تعيش مرحلة انتقال الوعي، فإن المرآة التي تعكس القبح فقط كما نشاهد في بعض الأعمال الفنية التي تمجد العنف وتشيد بانحلال الأخلاق -على سبيل المثال ـ هي ذاتها التي تؤكد في الوعي الجمعي تأصُل القبح وتطبيعه.

كذلكَ الفن الوعظي والخطابي الذي يتحول لمحاضرة سخيفة لا طعم لها ولا لون، وتُفقد الفن سحره وجماله. إذن، كيف يمكن للفن أن يكون مرآة ذات دور إيجابي؟ تعكس وتعالج في ذكاء. فنٌ يجرد الحقائق من الزيف ويساهم في وضع أول حجر أساسٍ في سُلم الوعي، حيث لا علاج لمرضٍ دون إزاحة الغطاء عن أعراضه كافة.

الفن-683x1024 هل الفن وسيلة تعبيرية مجردة أم مطرقة تغيير؟... بقلم: كوثر محمد

والفنان يمتلك أدوات تلك القوة الناعمة، التي يستطيع من خلالها تحريك المياه الراكدة بطريقة مبدعة، فالفن الحقيقي أينما وُجدَ يترك دائما أثر. ليسَ بالضرورةِ أن يكون ذلك الأثر حكمة أو عظة، وإنما ربما يكون الأثر هو بصيص نور في وسط العتمة، ربما يكون إحساسًا تم زرعه أو ربما قيمة خامدة تم إنعاشها.

أما إذا كان الفن للفن فقط كما يقول البعض، فلنسأل كيف يمكن للغريق أن يستمتع بجمال انعكاس الشمس على سطح الماء! إن الفن المحايد في مجتمع مُنهك هو بمثابة مخدر، تهتم به فئة محدودة، أما البقية فيظلون في سُبات عميق تحت تأثيره السلبي.

وكما كان هناك إبداع يحمل في طياته رسائل تبعث في الإنسان قيمته الإنسانية بشكل مبدع. هناك أيضا نتاج إنساني استهلاكي، والذي تكمن خطورته في الاعتياد حيث يُقدم الصورة السلبية الجامدة، فيبدأ الناس في تقبلها كجزء طبيعي من الواقع، وكأن الجميع سيئون ولا يوجد أمل، فيصبح سلاحًا يُغرس في قلب الرغبة في الإصلاح والتغيير، فتظل تلك الشعوب في سُبات هناك في آخر صف التقدم والوعي.

البصمة الحقيقية تحمل بين طيات جمالها شرارات صغيرة من التغيير، تنمو لتصبح حركة جماعية نحو مجتمع أكثر وعيًا، حيث يكتشف الإنسان قدرته على الإصلاح والإبداع فيمسك شعلة الأمل لتضيء طريقه وطريق الآخرين.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات