الحلقة الرابعة: لجنة المدينة، الأسئلة الأخيرة، والختام
في أربع حلقات، ننشر نص الحوار الذي جمع جمال عمر وسماء معاوية حول كتاب «تاريخ المصحف الحالي».
بقلم: إيمان رفاعي

يتحدث جمال عن لجنة مصحف المدينة:
«بعد أن خرج الشيخ عبد الفتاح القاضي إلى المعاش عام 1967، أُنشئت في السعودية كلية للدراسات الإسلامية والقرآن الكريم في المدينة. وجاء اثنان من الطلاب الأزهريين السابقين وتفاوضا مع الشيخ القاضي لكي يذهب إلى السعودية، فانتقل إليها في السبعينات لعمل قسم القراءات بكلية القرآن الكريم.
وهناك محاضرة للشيخ عبد الفتاح القاضي موجودة على الإنترنت، يشرح فيها موضوع القراءات في كلية القرآن الكريم في السعودية.
وكانت مدرسة عبد الفتاح القاضي مرتبطة بمعهد القراءات ولجنة الإذاعة للقراءات ولجنة المصاحف.
ثم توفي عبد الفتاح القاضي عام 1982.
وعندما أُنشئ مجمع الملك فهد وافتتح عام 1984، استُعين بالشيخ السيد عامر عثمان، الذي كان أيضًا شيخ مشايخ المقارئ المصرية في ذلك الوقت، وكان مرتبطًا بمعهد القراءات ولجنة المصاحف وغيرها من المؤسسات. وكان صديقًا آخر لعبد الفتاح القاضي.
وحين نرى نسخة المصحف عام 1987، كانت اللجنة تضم خمسة عشر اسمًا، بينهم رئيس اللجنة الشيخ قارئ، ونائب رئيسها الشيخ الحذيفي، وعدد من القراء. وكان الشيخان القارئ والحذيفي، في منتصف الثلاثينيات من عمرهما، سعوديين من خريجي الأزهر، بينما كان الشيخ السيد عامر عثمان قد تجاوز الثمانين تقريبًا. أما الفنيون والإداريون، فكان عددهم أحد عشر من الأزهريين، وكان بينهم أزهري سوداني، وكان الباقون مصريين. وعندما دققت في أصولهم وسلاسل سندهم، وجدت أن ثلاثة منهم من قويسنا، وكان أحدهم من مركز آخر في المنوفية، بحيث يمكن القول إن نصف اللجنة الفنية تقريبًا كان من المنوفية.»
ثم يوضح تفاصيل المصحف الجديد:
«جاءت نسخة من المصحف شامي؛ لأن الأتراك كانوا يقسمون المصحف إلى ستمائة صفحة، بحيث يكون كل جزء عشرين صفحة، لتسهيل الحفظ، وكانت الصفحة تُبدأ بآية وتُختم بآية.
أما اللجنة التي أشرفت على المصحف من ناحية الاختيارات والتحقيق والدعم، فكانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مصحف سنة 1952، وغيرت بعض مواضع الوقف والوصل، كما غيرت بعض الكلمات.
فكلما حاولنا أن نكون أكثر محافظة، زادت الاختيارات التي تعود إلى تصور معين للأصل. لجنة 1952 رأت أن لجنة 1924 كانت متساهلة في بعض الأمور، ولذلك حاولت إعادة الأمور إلى مزيد من المحافظة. واللجنة التي تشكلت عام 1984 سارت في الاتجاه نفسه. وهذا المصحف الذي كانت جلدته خضراء تغير لاحقًا وأصبح ذا غلاف أزرق.
وكانت اللجنة مشكلة من هيئة الأوقاف السعودية، واستُعين بأشخاص كانوا يعملون في كلية القرآن الكريم وقسم القراءات، ومن بينهم المصريون الذين تحدثت عنهم.
أما مسألة تحديد الأحزاب والأرباع، فهي أيضًا ليست أمرًا اعتباطيًا بالكامل. عندما تحدد اللجنة موضعًا للوقف أو تضع علامة معينة، فهي تعتمد على قواعد سابقة واختيارات موجودة. فإذا نظرت إلى القواعد التي وضعها المخللاتي سنة 1889، ستجد أنها كانت مختلفة.
وهناك أيضًا ما يسمى “مصحف الأزهر”، وهو مختلف في علامات الوقف عن المصاحف الأخرى، حتى عن المصحف الشمرلي ومصحف المدينة. وهذا يعود إلى لجنة 1952 واختياراتها، التي شارك فيها الشيخ الضباع والشيخ عبد الفتاح القاضي وأساتذة اللغة العربية في كلية اللغة العربية بالأزهر.
ومنذ الخمسينيات أصبحت هناك لجنة رسمية تتبع الحكومة، بحيث إن أي مصحف يطبع في مصر لا بد أن يمر عليها.
لكن الأمر يختلف في السعودية، لأن هناك جهة حكومية تتولى طباعة المصحف. أما لجنة المصاحف في الأزهر فلا تتولى الطباعة، وإنما تصل إليها المصاحف لمراجعتها، بما فيها مصاحف مطبوعة خارج مصر. فقد يكون المصحف مُعدًّا للطباعة في عُمان مثلًا، فيُرسل إلى لجنة المصاحف في الأزهر لمراجعته. وتتقاضى اللجنة مقابلًا عن مراجعة كل صفحة من صفحات المصحف، لكنها لا تتولى طباعة المصحف نفسه.»
ثم يطرح محمد التداوي سؤالًا عن محاولات الطباعة الأولى للمصاحف:
«أنا بحثت وكتبت عن محاولات طباعة المصاحف قبل أن تُطبع في مصر، مثل مصحف فينيسيا ومصحف ألمانيا، ثم مصحف مدينة بادوفا، ثم مصحف سانت بطرسبورغ ومصحف قازان.
فهل كان للمصريين موقف محدد من محاولات طباعة المصحف السابقة في البلاد غير الإسلامية، وتحديدًا في إيطاليا وألمانيا، باعتبارها من أوائل المحاولات لطباعة المصحف بأعداد كبيرة، كان من الممكن أن تصل إلى أيدي غالبية الناس؟
وسؤالي الثاني يتعلق بمصحف خط اليد الذي كان جدي يحتفظ به. هل كان له سند سابق أو خضع لمراجعة أزهرية، أم أن مصاحف الخط اليدوي كانت تعتمد على عملية تدوين الشيوخ أنفسهم؟»
فيجيب جمال:
«المصاحف المخطوطة كانت عملًا فرديًا. لم تكن هناك لجنة مصاحف بالمعنى الذي نتحدث عنه هنا. لجنة المصاحف ظهرت في عام 1950.
كانت القراءات تتم بصورة طبيعية: يكون هناك شيخ وله تلاميذ، ثم يفتح هؤلاء التلاميذ مدارس، ويذهب الناس إلى الشيخ. كانت عملية فردية طوال التاريخ. لكن عندما أنشئ معهد القراءات، أصبح هناك معيار وقواعد ولجنة للمصحف.
حتى عملية الطباعة التي كانت تتم في مصر في القرن التاسع عشر لم تكن عملًا مؤسسيًا. فالشيخ المخللاتي، مثلًا، طبعت المطبعة البهية المصحف باختياراته. كانت هذه اختيارات فردية، وإن كان الرجل ذا قيمة كبيرة في مجاله. والملك فؤاد أيضًا كانت لديه نسخة مخطوطة، وجاء بخطاط تركي ليكتبها.
أما الآن فقد أصبح الوضع مختلفًا. فالخطاط عثمان طه، الذي كتب مصحف المدينة، لا يعمل وحده؛ وإنما يعمل ضمن لجنة تحدد الاختيارات.
أما عن الرسم العثماني، فله أيضًا سلسلة سند. وقد أشرت إلى محمد جعفر، الذي ذكر سنده في الرسم العثماني حفني ناصف في كتابه “حياة اللغة العربية”.
أما عن لجنة 1924، فلا أستطيع أن أجزم. فقد قرأت أن حفني ناصف كان لديه كتاب في حدود أربعمائة صفحة عن عمل اللجنة، لكنني أبحث منذ نحو خمسة عشر عامًا عن أي مادة توضح كيف عملت اللجنة، ولا نملك، فيما أعرف، سوى التقرير الذي كتبته اللجنة في نهاية المصحف الذي طبع سنة 1924.
لذلك لا أستطيع أن أجيب بدقة، لكن جوهر العملية يتمثل في كيفية انتقال رواية محمد خلف الحسيني الحداد إلى النص المكتوب، والقواعد الكتابية التي اختاروها. فحتى قواعد الكتابة كانت مختلفة. أخذنا بعض قواعد التقسيم من الأندلسيين والمغاربة، لكننا لم نأخذ طريقتهم في كتابة الحروف؛ فحرف الفاء وحرف القاف، مثلًا، كانا يكتبان بطريقة مختلفة عند الأندلسيين والمغاربة. والقراءات أيضًا تختلف؛ فنحن نأخذ عن نافع روايتين، بينما عند المغاربة توجد عشر طرق نافعية.
لذلك فإجابتي عن هذا السؤال هي: لا أعرف.»
ثم يعود بهاء بسؤاله الأخير:
«إذا كانت لدينا في الماضي خمسون قراءة، وأصبحنا الآن نعمل بعشر قراءات، ولكل قراءة روايتان، أي عشرين رواية، فماذا خسرنا وماذا كسبنا من هذه العملية؟
هل أثرت هذه الاختيارات، سواء في القراءات أو علامات الوصل والفصل أو ترتيب الآيات وتقسيم المصحف، في فهمنا للقرآن نفسه؟
مثلًا، لو بقيت قراءة «تثبّتوا» بدل «تبيّنوا» هي السائدة، هل كان ذلك سيغيّر فهمنا وتأويلنا للآية؟
أنا أقصد: ما الذي فقدناه؟ وهل كان من الممكن أن نستفيد بصورة حقيقية لو ظلت القراءات الأخرى موجودة بالمستوى نفسه من السيادة والاهتمام؟»
فيجيب جمال:
«رأيي أن الموضوع، كما حاولت أن أبين، لا يتعلق بالقراءات وحدها، وإنما يتضمن جانبًا سياسيًا. عندما تنظر إلى مراحل تاريخ المسلمين، تجد أن المسلمين كانوا في أوقات كثيرة متفرقين، وكانت هناك رغبة في توحيدهم، فيتم اختيار طريق واحد. وهذا النهج ما زال حاضرًا في فكرنا ووعينا حتى الآن.
فعندما تنظر إلى تعدد القراءات وتنوعها، لا ترى المسألة باعتبارها يقينًا وحسمًا؛ فقد يكون ما يقوله بهاء مجرد زاوية من عشر زوايا أخرى. لكن عندما يتم إلغاء التعدد، يصبح الرأي الواحد هو اليقين.
والسعي إلى الوحدة يحدث أحيانًا من خلال إلغاء التعدد والتنوع؛ لأن التعدد والتنوع يعنيان أنه ليست هناك صيغة واحدة ثابتة أو يقينية يمكن التمسك بها، وأن الأمور تظل مفتوحة.
خذ مثلًا؛ نحن لدينا الآن عشرون قراءة معتمدة للقرآن.
الشيخ عبد الفتاح القاضي، رحمه الله، كان يرى أن تعدد القراءات قد يفتح الباب أمام المستشرقين والمشككين للطعن في القرآن، ولذلك اتخذ موقفًا دفاعيًا، وأصدر قرارًا بمنع تدريس التحريرات داخل المقارئ الرسمية، ومن أراد دراسة التحريرات كان عليه أن يدرسها مع شيخ خاص. وهذا موقف يمكن فهمه في سياق رؤية رجل كان يرى تحديات تأتي من الغرب ويريد إغلاق هذا الباب.
وحدث شيء مشابه مع الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي. كان رجلًا بسيطًا، لكنه لم يكن يحب أن يُدرِّس القراءات من دون دراسة التحريرات، خصوصًا تحريرات المتولي. ثم قُدِّمت شكوى إلى شيخ الأزهر بأن الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي يقرأ في الصلاة بالقراءات الشاذة، وجرى التحقيق معه.
وقد حاولت البحث عن صاحب الشكوى، لكن الروايات التي وصلتني تقول إنها جاءت من مشايخ أو أشخاص كبار.
الشيخ السمنودي توفي عام 2009. وإذا بحثت عنه على الإنترنت، ستجد تسجيلًا لشخص زاره قبل وفاته بيومين، وكان يعيش حياة بسيطة وفقيرة.
وقد أُبعد إبراهيم شحاتة السمنودي من القاهرة ومعهد القاهرة، وعاد إلى سمنود خوفًا من التحقيق معه.
عبد الفتاح القاضي توفي عام 1982، والسيد عامر عثمان توفي عام 1987، بينما استمر السمنودي حتى عام 2009. وقد كتب السمنودي أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة بيت، وتُدرَّس الآن «التحفة السمنودية» في القراءات، ويُقال عنه: الإمام العلامة إبراهيم شحاتة السمنودي.
إذن نحن أمام تعدد وتنوع واتساع كبير جدًا.»
ثم يستطرد:
«لأننا في حالة ضعف وخطر، نحاول أن نتحد، فنبحث عن «المعتمد» في المذهب، وهو ما تقوم به الجماعات والمؤسسات الدينية وهيئات كبار العلماء ودار الإفتاء وغيرها.
كل هذه المؤسسات تحاول الوصول إلى الرأي الذي يمكن الإفتاء به، ثم نأتي في النهاية ونقول: الرأي المُفتى به مرتبط برأي السلطان، لأن هذه كلها مؤسسات دولة.
لكن المجال التراثي أوسع بكثير.
يمكن أن ندرس هذه الاتجاهات داخل تراثنا. ويمكنني أن أقدم مثالًا في الفقه من الإمام الشافعي وتأسيسه لأصول الفقه، وكيف أسهمت الأسس الفكرية التي وضعها في عملية تحجيم التعدد والتنوع والعودة إلى النص. ثم اتسعت النصوصية، أي أصبح المطلوب أن نأتي لكل شيء بنص.
ومع ذلك، داخل المذهب الشافعي نفسه ستجد مدارس متعددة، وعلى امتداد ألف أو ألف ومئتي سنة ستجد آراء من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ثم تأتي مرحلة أخرى، فنحدد الكتب المعتمدة في المذهب. وعندما يذهب ابنك إلى الأزهر، فإنه يدرس المعتمد، لا كل هذا الاتساع الموجود في التراث.
لقد فقدنا أشياء كثيرة في سبيل محاولة الاتفاق والوحدة، وكأننا نريد أن نرتدي جميعًا زيًا واحدًا، بينما الحياة أوسع من ذلك.
وهنا تأتي النصوصية: محاولة إلغاء التعدد والتنوع في الفهم وتحويله إلى فهم واحد تفتي به مؤسسة أو مجموعة من المشايخ أو دار الإفتاء أو هيئة كبار العلماء أو المجمع الفقهي.
وهذا حدث أيضًا في القراءات وما زال يحدث.
لكن المصحف والقرآن ظاهرة شفوية ما زالت أوسع من هذا، وإن كانت القراءات قد تحجمت إلى عشر قراءات وعشرين رواية، فإن الطرق والتحريرات ما زالت تجعل المجال مفتوحًا ومتسعًا.»
ثم يقول:
«لا يزال ما قلته عن تاريخ المصحف مقدمة؛ نبدأ من الآن ونعود إلى الماضي. لم أدرس بعد بالتفصيل مصحف 1914 والاختيارات التي حدثت فيه.
أنا أقول إن مصحف المدينة مبني على مصحف 1952، ومصحف 1952 مبني على مصحف 1914.
وعندما نصل إلى الجمع الشفوي الذي حدث في الستينيات، مع تسجيل الشيخ الحصري، ومع لبيب السعيد الذي كان وراء المشروع، نجد أن الأمر لم يكن حكوميًا في البداية، وإنما كان عملًا قامت به جمعية أهلية للحفاظ على القرآن الكريم، ثم جاءت الحكومة بعد ذلك.
والاختيارات والطرق التي اختيرت في تسجيل الشيخ الحصري كانت موضوع خلاف بين الشيخ السيد عامر عثمان وشيخ المقارئ المصرية.
وهذا موضوع كبير ومتعدد.
لكننا كثيرًا ما نحاول التغاضي عن هذه الخلافات سعيًا إلى الوحدة، وحتى لا نترك فرصة للمشككين أو الملحدين أو الكفار، وهذا في رأيي يمنع المعرفة. فنحن في حالة دفاع، وهذه الحالة تجعلنا أحيانًا ننتج معرفة زائفة.
أنا أحاول دراسة الظاهرة كما هي، لا لكي أشكك في القرآن، ولا لكي أدافع عنه. الفكرة هي أن نصل إلى الحقيقة، وأن تكون قيمة الحقيقة في كونها حقيقة.
لكن في اللحظة التي نعيشها، تصبح الحقيقة أحيانًا غير صالحة للمعركة. فإذا كان الكلام الذي نحتاج إليه في المعركة يخدم موقفنا، نعتبره صحيحًا وحقًا وحقيقة، وإذا لم يكن كذلك، نعتبره شاذًا.
مصحف 1924 ومصحف المدينة مبنيان على قراءات وشروح المخللاتي والمتولي. وكل القراءات كانت تمر عبر الشيخ المتولي.
وهناك أيضًا مسألة مهمة لدى علماء القراءات، وهي الحفاظ على طريقة النطق. فكيف يمكن الاحتفاظ بها؟ لجأوا إلى نظم المتون شعرًا؛ بحيث تُحفَظ منظومة القراءات ومعارفها.
وبمرور الوقت، تصبح بعض المنظومات هي السائدة والمستمرة، بينما تُنسى منظومات أخرى.
وهذا يشبه تمامًا أن يكون هناك شيخ له تلاميذ يقومون على مدرسته، وشيخ آخر له تلاميذ لا يستمرون بعده. وكما نضرب مثالًا بالليث بن سعد ومالك: الليث أفقه من مالك، إلا أنّ أصحابه لم يقوموا به.
إذن استمرار المدرسة لا يتحدد بالقيمة العلمية وحدها، وإنما تدخل فيه عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية.
ينشأ جامع الأزهر، وبعد القضاء على الفاطميين، ثم تنشأ المدارس الأشعرية ومدارس الفقه الأربعة، وتصبح هناك جرايات وأوقاف. واستمر هذا حتى القرن العشرين. حتى إن الشيخ يوسف القرضاوي، مثلًا، درس المذهب الحنفي لأنه كان يتيمًا، والمذهب الحنفي أوقافه كثيرة، وكان الناس يدرسون المذهب الحنفي ليصبحوا قضاة، فقد كان مذهب الدولة العلوية.
هذه كلها عوامل سياسية.
ونحن نشهد الشيء نفسه الآن في طباعة مصحف المدينة المنورة. لو كانت هناك دولة أخرى ذات قراءة مختلفة، وكانت هي صاحبة القدرة الاقتصادية التي تسمح لها بطباعة مئات الملايين من النسخ، لكنا ربما نقرأ اليوم برواية ورش عن نافع أو الدوري عن أبي عمرو بدلًا من حفص عن عاصم.
بل إن طريقة تقسيم المصحف نفسها ليست واحدة؛ فهناك مجتمعات من المسلمين تقسّم المصحف إلى سبعة أجزاء بدلًا من ثلاثين جزءًا، لكي يختموه في سبعة أيام، وهذا مرتبط بالأئمة السبعة في القراءات.
والتقسيم إلى ثلاثين جزءًا هو أيضًا اختيار بشري.
فهل يعني هذا أن القرآن ليس إلهيًا؟ لا. فهو إلهي المصدر، عند المسلمين المؤمنين بهذه العقيدة، لكن نقله وتداوله يتمان عبر البشر.
وموضوع القراءات وتحجيمها موضوع طويل يحتاج إلى دورة كاملة.»
يختم جمال:
«أتمنى أن تكون قراءة الكتاب مقدمة لعمل أكبر يحتاج إلى أن يقوم به آخرون. أنا أحاول أن أقدم مقدمة ونموذجًا حتى يكمل الآخرون العمل.
فالكتاب عبارة عن مقدمة في تاريخ المصحف. نبدأ من الشاهد لنعود إلى الغائب، وفق العبارة التراثية “عودة الشاهد على الغائب”، ونبدأ من الظاهرة الحالية ثم نعود إلى تاريخ تكون الظاهرة القرآنية، وصولًا إلى الروايات المتعلقة بالجمع في عهد النبي وكل ما يرتبط بذلك.
إنه تاريخ للمصحف في اتجاه عكسي.»
لتنزيل نسخة بي دي اف من الكتاب من مكتبة تفكير اضغط هنا
لمشاهدة سلسلة محاضرات تاريخ المصحف الحالي لجمال عمر، اضغط هنا.
للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل الحوار، اضغط الرابط التالي:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد