الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية.. العروي نموذجا.. بقلم: كريم المزكلدي

كريم-المزكلدي الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية.. العروي نموذجا.. بقلم: كريم المزكلدي

ينطلق عبد الله العروي في كتابه «الأيديولوجية العربية المعاصرة» من ملاحظة أساسية مفادها أن تشخيص المثقف العربي لأزمة مجتمعه لا يكون منفصلًا عن الصورة التي يحملها عن الغرب. يقول العروي: «كلما قدم كاتب عربي تشخيصًا لمجتمعه، كانت هناك صورة معينة عن الغرب متضمنة في ذلك التشخيص» (ص. 17). وبذلك لا يكتفي العروي بالسؤال عن أسباب التخلف في المجتمع العربي، وإنما ينقل السؤال إلى مستوى آخر: ما الصورة التي يكونها المثقف العربي عن الغرب عندما يحاول تفسير تخلف مجتمعه؟ وما أثر هذه الصورة في طبيعة الحل الذي يقترحه؟

من هذا المنطلق يميز العروي بين ثلاث طرائق رئيسية لفهم المشكلة الأساسية للمجتمع العربي. فهو يقول: «يمكن تمييز ثلاث طرق رئيسية لفهم المشكلة الأساسية للمجتمع العربي: واحدة تضعها في الإيمان الديني، والثانية في التنظيم السياسي، والثالثة أخيرًا في النشاط العلمي والتقني» (ص. 18). وتمثل هذه الطرق، في تحليله، ثلاث شخصيات فكرية هي: الشيخ، والسياسي أو الليبرالي، والتقني.

يرى العروي أن رجل الدين يفسر العلاقة بين الشرق والغرب ضمن الإطار الديني. فهو «يبقي تعارض الغرب والشرق داخل إطار تعارض المسيحية والإسلام» (صص. 18–19). وبذلك يصبح الغرب، في هذا التصور، قبل كل شيء مجتمعًا مسيحيًا، بينما يصبح تخلف المجتمع العربي مرتبطًا بانحرافه عن الدين الصحيح.

ويبلغ هذا التصور مداه عندما تصبح علاقة المجتمع بالله أساسًا لتفسير كل مشكلاته؛ إذ يقول العروي: «كل شيء، في النهاية، ينحل في علاقة المجتمع بإلهه» (ص. 20).

ومن هنا يفصل الشيخ بين العقيدة والتاريخ الفعلي. يقول العروي: «يفصل الشيخ عندئذ العقيدة عن الحياة؛ فالأولى تُنقذ نقية بلا عيب، بينما لا يعود التاريخ الحقيقي إلا سلسلة من تجليات وحيٍ خانته ممارسته» (صص. 20–21).

المشكلة هنا أن الدين يتحول إلى تفسير شامل للتخلف، في حين أن التاريخ الفعلي للمجتمع، بما يتضمنه من مؤسسات وصراعات وتحولات اجتماعية وسياسية، يُختزل في مسألة الابتعاد عن النموذج الديني الصحيح. ولذلك يظل الحل، في نهاية الأمر، مرتبطًا بإصلاح العقيدة أو العودة إلى الأصل.

ينتقل العروي بعد ذلك إلى شخصية جديدة هي الإنسان الجديد، رجل القانون والسياسة. هذا الإنسان لا يرى المشكلة الأساسية في العقيدة، وإنما في الاستبداد والتنظيم السياسي. لذلك يبحث عن النموذج الغربي في الحرية السياسية والدستور والبرلمان والديمقراطية.

ويصف العروي هذا التصور بقوله: «الإنسان الجديد، رجل القانون والسياسة» (ص. 23)، ويشير إلى أن هذا التصور يرى المجتمع العربي واقعًا تحت «عبودية قرون طويلة» (ص. 23). ومن ثم يصبح الحل السياسي هو المدخل الأساسي للإصلاح: «ينبغي إذن انتخاب جمعية/برلمان» (ص. 23).

ولا يقتصر الأمر على البرلمان، بل يمتد إلى المبادرة الفردية والتعليم؛ إذ يرى هذا التصور أنه «ينبغي عندئذ إطلاق المبادرة الخاصة»، وأنه «ينبغي إذن نشر التعليم» (ص. 23).

لكن العروي يكشف محدودية هذا التصور عندما يشير إلى أن الليبرالي العربي يركب عناصر مختلفة من الفكر الغربي دون أن يدرك بالضرورة بنيتها التاريخية. فهو «يمزج روسو ومونتسكيو ويتصور الديمقراطية المثالية على صورة الساعة الإنجليزية» (ص. 23).

والنتيجة أن الليبرالي يلتقط عنصرًا حقيقيًا من التجربة الغربية، هو الحرية السياسية، لكنه يحوله إلى مفتاح شامل للتاريخ. ولذلك تأتي عبارة العروي الحاسمة: «الحرية السياسية والبرلمان لا يمنحان القوة» (ص. 25).

يظهر هنا نمط ثالث من الوعي بالتخلف، هو وعي التقني أو التكنوقراط. بالنسبة إليه لا يكمن سر قوة الغرب أساسًا في دينه أو مؤسساته السياسية، وإنما في القوة المادية التي اكتسبها من العلم والعمل والصناعة.

ويعبر العروي عن ذلك بوضوح: «الغرب لا يتحدد لا بدين خالٍ من الخرافات، ولا بدولة خالية من الاستبداد، وإنما ببساطة بقوة مادية مكتسبة بالعمل والعلم التطبيقي» (صص. 25–26).

ويستشهد العروي بسلامة موسى الذي يلخص هذا التصور في العبارة: «الفرق الذي يفصلنا عن الأوروبيين المتحضرين هو الصناعة، والصناعة وحدها» (ص. 26).

وهكذا ينتقل مركز المشكلة من الدين إلى السياسة، ومن السياسة إلى العلم والصناعة. لكن المشكلة المنهجية تظل واحدة: كل تصور يلتقط جانبًا من الحداثة الغربية، ثم يحوله إلى تفسير شامل لها.

تكمن أهمية تحليل العروي لهذه الشخصيات في أنه لا يكتفي ببيان اختلاف حلولها، وإنما يبحث عن البنية المشتركة التي تجعل هذه الحلول ممكنة. فالشيخ يرى الغرب من خلال الدين، والليبرالي يراه من خلال الدولة والحرية، والتقني يراه من خلال العلم والصناعة.

وبذلك لا يصبح السؤال فقط: ما الذي ينقص المجتمع العربي؟ وإنما أيضًا: كيف نتصور الغرب عندما نشخص ما ينقصنا؟

ومن هنا يمكن فهم الأطروحة الأساسية للعروي: أزمة الفكر العربي ليست مجرد نقص في المعرفة بالمجتمع العربي، وإنما ترتبط أيضًا بطريقة تمثله للآخر الغربي وبالعلاقة التي يقيمها بين ذاته وبين هذا الآخر.

وهنا يتصل تحليل «الأيديولوجية العربية المعاصرة» بمفهوم أعمق عند العروي هو مفهوم الاستلاب، ثم بمصطلحي الاغتراب والاعتراب اللذين يستخدمهما العروي في تحليل علاقة الذات العربية بذاتها وبالآخر.

في كتاب «العرب والفكر التاريخي» يربط العروي أزمة الفكر العربي بانفصال الوعي عن الزمن التاريخي الذي يعيش فيه. فهو يقول: «منذ النهضة ونحن نعيش بأجسامنا في قرن وبأفكارنا وشعورنا في قرن سابق» (ص. 61).

تكشف هذه العبارة عن انقسام بين الوجود الفعلي في الحاضر وبين الوعي الذي يظل مشدودًا إلى زمن آخر. ومن هنا يصبح الإنسان غير حاضر بصورة كاملة في واقعه التاريخي.

صورة-عبد-الله-العروي- الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية.. العروي نموذجا.. بقلم: كريم المزكلدي

ويذهب العروي في موضع آخر إلى تحديد معنى الاستلاب بصورة أكثر وضوحًا، فيقول: «الاستلاب الحقيقي هو الضياع في تلك المطلقات التي ذكرناها: في اللغة، في التراث، في التاريخ القديم»، ثم يضيف: «هذه هي الأوزار والسلاسل ولن نتحرر منها إلا بكسب وعي تاريخي» (ص. 208).

وبهذا المعنى لا تكون المشكلة في التراث نفسه، ولا في الحداثة نفسها، وإنما في تحويل أحدهما إلى مطلق خارج التاريخ.

فالوعي الذي يستلبه الماضي يفقد قدرته على التعامل مع الماضي بوصفه مادة تاريخية. وكذلك الوعي الذي يجعل الغرب نموذجًا مطلقًا يفقد علاقته التاريخية بذاته. ومن هنا تكتسب مفاهيم الاغتراب والاعتراب عند العروي دلالتها: فالذات يمكن أن تستلب في الآخر كما يمكن أن تستلب في ماضيها، وفي الحالتين تفقد قدرتها على إنتاج نفسها داخل الحاضر التاريخي.

لذلك يربط العروي التحرر من هذا الاستلاب بالوعي التاريخي. فاللغة والتراث والتاريخ الخاص ينبغي أن تصبح «مواد منفصلة عنا» يمكن إخضاعها للتحليل والتركيب العقليين، بما يسمح باكتشاف «ذواتنا الحقيقية، المطابقة لمركزها في الوقت الراهن، في الآن والمكان» (ص. 208).

إذن ليست الأصالة، في هذا المنظور، مجرد عودة إلى الماضي، كما أن المعاصرة ليست مجرد تقليد للغرب. كلاهما يمكن أن يتحول إلى شكل من أشكال الانفصال عن التاريخ إذا لم تتم ممارستهما داخل وعي تاريخي.

هنا ينتقل مشروع العروي إلى مستوى آخر: إذا كان الوعي التاريخي هو تجاوز الاستلاب، فهل يمكن أن يصبح أيضًا أساسًا لفهم التاريخ بوصفه حركة وتناقضًا وتجاوزًا؟

في القسم الذي يناقش فيه العروي «فرص الجدلية»، يبدأ من فرضية واضحة: «إذا كانت الجدلية هي منطق التطور التاريخي نفسه، فإنها لا يمكن أن تولد من العدم» (ص. 158). ولذلك يرى أنها «لا بد أن تكون قد كانت موجودة بالفعل في الأيديولوجيا العربية، ولكن في صور غير منقاة وغير واعية» (ص. 158).

بل يذهب أبعد من ذلك حين يقول: «لقد كانت هناك في ماضي الثقافة العربية تجربة تاريخية أنبتت البذور الأولى لفكر جدلي»، غير أن هذه التجربة «فشلت وانتهت إلى الغرق في التصوف» (ص. 158).

وهنا تصبح قراءة تاريخ الفكر العربي عند العروي مرتبطة بمسألة إمكان التفكير الجدلي. فالمشكلة ليست أن الثقافة العربية لم تعرف التناقض، بل إن التناقضات التي ظهرت داخلها لم تتحول إلى منهج واعٍ في التفكير التاريخي.

يقدم العروي في هذا السياق فكرة مهمة حين يقول: «الإنسان يحمل دائمًا الآخر في داخله»، ثم يستحضر العبارة: «الأنا آخر» (ص. 159).

وهذه العبارة يمكن قراءتها في ضوء البنية التي كشف عنها العروي في تحليله للأيديولوجية العربية المعاصرة: الذات لا توجد في عزلة عن الآخر، بل تتشكل علاقتها بنفسها من خلال علاقتها به.

ومن هنا يصبح الغرب حاضرًا داخل الوعي العربي لا باعتباره مجرد واقع خارجي، وإنما باعتباره عنصرًا في تعريف الذات لنفسها. ولهذا فإن سؤال العلاقة بالغرب لا يمكن فصله عن سؤال العلاقة بالذات.

وتظهر هنا أهمية مفهوم الاغتراب: فالذات التي لا تستطيع أن تحدد موقعها التاريخي يمكن أن تجعل الآخر معيارًا مطلقًا لها، كما يمكن أن تجعل الماضي معيارًا مطلقًا لها. وفي الحالتين تصبح الذات منفصلة عن الحاضر الذي يفترض أن تعيد فيه بناء علاقتها بالماضي وبالآخر.

يرى العروي أن الفكر العربي، بعدما واجه تناقضاته، لم يتجه نحو تطوير الحل العقلاني الجدلي، بل اتخذ اتجاهًا آخر. يقول: «إن الفكر العربي، بعدما عاين هذا الفشل، اتجه عندئذ نحو اتجاه آخر غير اتجاه الحلول العقلانية» (ص. 160).

والأهم أنه يحدد طبيعة هذه القطيعة بقوله: «لم تعد تحاول إيجاد الحل في تجاوز العقل التحليلي، بل في قطيعة كاملة معه» (ص. 160).

وهذا ما يفسر انتقال الفكر إلى التصوف. لكن العروي لا يعتبر التصوف مجرد انحراف عارض، بل يربطه بمشكلة فكرية حقيقية لم تجد حلها النظري. لذلك يقول عبارته الشهيرة: «كانت الصوفية حلًا لفظيًا لمشكلة حقيقية» (ص. 162).

لقد حاول التصوف الوصول إلى نوع من التوحيد، ولكن من خلال «منطق للتطابق التدريجي على نمط الخيال والتمثيل، لا على نمط المفهوم» (ص. 162).

وهنا تظهر المسافة بين الحل الصوفي وبين الجدلية التي يبحث عنها العروي: فالمشكلة الواقعية موجودة، والتناقض موجود، والحاجة إلى تجاوز الانقسام موجودة، لكن تجاوزها لا يتم بواسطة المفهوم والتحليل التاريخي، وإنما بواسطة الخيال والتطابق الصوفي.

يصل العروي هنا إلى سؤال بالغ الأهمية بالنسبة إلى مشروعه كله. يقول: «المشكلة هي معرفة ما إذا كان إجهاض الأمس لا يخاطر بأن يتجدد اليوم» (ص. 162).

إنها ليست مسألة تاريخية تخص الماضي فقط، بل سؤال عن الحاضر. فإذا كان الفكر العربي قد امتلك في مرحلة سابقة عناصر يمكن أن تقوده نحو تفكير جدلي ثم انتهى بها إلى التصوف، فهل يمكن للفكر المعاصر أن يقع في المسار نفسه؟

يحدد العروي المسألة من خلال العلاقة بين التقليد والغرب، فيقول إن الأمر يتعلق بـ «توحيد الأنا (التقليد) واللاأنا (الغرب) بصورة تدريجية» (ص. 162).

وهنا تتضح الصلة بين تحليل الاغتراب والاعتراب وبين مشروع الجدلية: المطلوب ليس اختيار الماضي ضد الغرب، ولا الغرب ضد الماضي، بل تجاوز الثنائية التي تجعل أحدهما مطلقًا والآخر نقيضًا له.

لكن العروي يطرح حتى على الجدلية نفسها سؤالًا نقديًا: «ألا تكون الجدلية، حتى المادية منها، معرضة لأن تُدرك بطريقة تخييلية؟» (ص. 162).

ثم يصوغ السؤال الأكثر دلالة: «هل نحن محكومون بأن نعيش الجدلية كأيديولوجيا دون أن نستطيع استخدامها كمنهج؟» (ص. 163).

وهذا السؤال يكشف أن العروي لا يريد للجدلية أن تتحول إلى عقيدة جديدة. فالجدلية عنده ينبغي أن تكون طريقة في فهم التاريخ، لا مجرد أيديولوجيا تحل محل أيديولوجيات سابقة.

في هذا السياق تأتي الماركسية في مشروع العروي بوصفها لحظة أساسية في الانتقال إلى الوعي التاريخي والجدلي. فهو يقول إن الماركسية «تأخذ شكل نظام الأنظمة»، وإن هذا التعريف «يتسع وينتهي في نهاية المطاف إلى الماركسية» (ص. 151–152).

كما يقول: «تتلخص الفلسفة الكلاسيكية وتنتهي في هيغل، وهذا الأخير في ماركس» (ص. 151–152).

d987d98ad8acd984 الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية.. العروي نموذجا.. بقلم: كريم المزكلدي

لكن العبارة الأكثر أهمية هي قوله إن الماركسية «تمنح التاريخ الغربي رؤية توحيدية وتبسيطية»، وأنها «هي بالنسبة لنا حاليًا الملخص المنهجي للتاريخ الغربي» (ص. 151–152). بل يصفها بصورة مكثفة بقوله: «الماركسية، حصيلة الغرب» (ص. 152).

وهنا تصبح الماركسية عند العروي أكثر من مجرد مذهب اقتصادي أو سياسي؛ إنها أداة تمكن المثقف العربي من استيعاب المسار التاريخي الغربي بصورة كلية ومنهجية.

ويشبه العروي في هذا الدور وظيفة أرسطو في الثقافة العربية القديمة، إذ يشير إلى أن المسلمين في القرن الثالث «لم يروا فيه إلا ناقلًا لثقافة» (صص. 151–152). أي أن الثقافة العربية تستطيع أن تستقبل فكرًا أجنبيًا لا باعتباره مجرد عنصر خارجي، وإنما باعتباره وسيلة لإعادة تنظيم علاقتها بتاريخها وبالعالم.

تتجمع خيوط مشروع العروي هنا في مسار واحد.

فالشيخ اختزل الغرب في الدين، والليبرالي اختزله في الحرية والمؤسسات السياسية، والتقني اختزله في العلم والصناعة. وكل واحد منهم التقط جانبًا من الحقيقة، لكنه حول الجزء إلى كل.

ثم يظهر المستوى الأعمق: هذه الاختزالات ليست مجرد أخطاء معرفية، وإنما تعبر عن علاقة غير مكتملة بالآخر وبالذات. ومن هنا تظهر مشكلة الاستلاب والاغتراب والاعتراب، حيث يمكن للذات أن تضيع في الماضي كما يمكن أن تضيع في الآخر.

والحل عند العروي هو الوعي التاريخي: أن يتحول الماضي إلى موضوع للتحليل، وأن يتحول الغرب إلى واقع تاريخي لا إلى نموذج مطلق، وأن تستعيد الذات قدرتها على تحديد موقعها في الحاضر.

ومن هنا يصبح الانتقال إلى الجدلية ممكنًا. فالجدلية ليست مجرد شعار، وإنما محاولة لفهم التناقض بوصفه جزءًا من حركة التاريخ. لكن العروي يحذر من أن تتكرر تجربة الماضي، أي أن تتحول الجدلية نفسها إلى أيديولوجيا بدل أن تصبح منهجًا.

ولهذا فإن العبارة التي تلخص هذا التوتر هي: «هل نحن محكومون بأن نعيش الجدلية كأيديولوجيا دون أن نستطيع استخدامها كمنهج؟» (ص. 163).

إذا كان العروي يميز بوضوح بين الماركسية بوصفها عقيدة جاهزة وبين الماركسية بوصفها أداة منهجية لتحليل التاريخ، ويمنحها، في هذا المستوى الثاني، مكانة متميزة باعتبارها «الملخص المنهجي للتاريخ الغربي» وباعتبارها، في صياغته، «الماركسية، حصيلة الغرب»، فإن السؤال النقدي الذي يفرض نفسه لا يتعلق أساسًا بسبب اختيار العروي للماركسية، ولا باتهامه بأنه يتبناها كعقيدة، وإنما يتعلق بالموقع التاريخي الذي يمنحه لها داخل تصوره للتاريخ والجدلية. فإذا كان العروي ينطلق من أن الأفكار والمفاهيم والمناهج لا توجد خارج التاريخ، وأن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها تناقضاتها التي تفتح المجال لتجاوزها وإعادة تركيبها في مرحلة لاحقة، فإن الماركسية نفسها ينبغي أن تخضع لهذا المبدأ التاريخاني، أي أن تُقرأ بوصفها لحظة تاريخية كبرى في تطور الفكر الغربي، لا بوصفها تركيبًا نهائيًا أو خلاصة مكتملة لذلك التطور. وهنا يمكن التساؤل: هل الماركسية فعلًا هي «ملخص التاريخ الغربي» أم أنها، بصورة أدق، «ملخص لمرحلة معينة من التاريخ الغربي»؟ فماركس لم يظهر خارج التاريخ الغربي، وإنما ظهر في قلب التحولات الكبرى التي عرفها القرن التاسع عشر، وفي سياق الثورة الصناعية وتوسع الرأسمالية وتفاقم التفاوت الاجتماعي والاستغلال وتحول علاقات الإنتاج، ولذلك يمكن النظر إلى الماركسية باعتبارها استجابة تاريخية وفكرية للتناقضات التي أنتجها ذلك السياق، وكشفًا نظريًا عميقًا عن بنياته وآلياته، لكنها لا تمثل بالضرورة نهاية المسار الذي كان ينبغي أن يقود إليه الفكر الغربي. بل إن التاريخ الغربي نفسه واصل إنتاج أشكال جديدة من الاستجابة للتناقضات التي أبرزها ماركس، سواء من خلال تطور التشريعات الاجتماعية وحقوق العمال، أو أنظمة التأمين والحماية الاجتماعية، أو المفاوضة الجماعية، أو الديمقراطية الاجتماعية، أو دولة الرفاه، أو ترسيخ منظومات حقوق الإنسان؛ وهذه التحولات لم تُلغِ الرأسمالية ولا الاستغلال بصورة نهائية، ولم تجعل اعتراضات ماركس متجاوزة بالكامل، لكنها تكشف أن المجتمعات الغربية لم تتوقف عند الحل الماركسي، بل أعادت تنظيم بعض تناقضاتها من خلال إصلاحات ومؤسسات وآليات سياسية وقانونية واجتماعية جديدة.

صورة-ماركس-874x1024-1 الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية.. العروي نموذجا.. بقلم: كريم المزكلدي

ومن ثم فإن وضع الماركسية في موقع «الخلاصة» يطرح إشكالًا بالنسبة إلى المنطق الجدلي نفسه الذي يستند إليه العروي؛ لأن الماركسية، إذا كانت حصيلة لتطور سابق، فإنها تصبح بدورها مرحلة قابلة للتاريخنة، وإذا كانت قد كشفت تناقضات عصرها، فإن ما جاء بعدها لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره انحرافًا عن ماركس أو رفضًا له، بل باعتباره أيضًا استجابة تاريخية جديدة لتلك التناقضات نفسها ولتناقضات أخرى لم تكن قد اتخذت شكلها بعد في زمنه. ومن هذه الزاوية، لا يكون المطلوب التقليل من قيمة ماركس أو إنكار القوة التفسيرية للماركسية، وإنما إعادة تحديد موقعهما داخل التاريخ: فماركس ليس نهاية الجدلية، بل إحدى لحظاتها الكبرى؛ والماركسية ليست خارج التاريخ لكي تكون أداة نهائية لقراءته، بل هي نفسها نتاج تاريخي يمكن أن يصبح موضوعًا للتحليل التاريخاني.

وإذا كان العروي يريد أن يستخدم الماركسية بوصفها منهجًا لفهم حركة التاريخ، فإن المنطق نفسه يقتضي أن نستخدم التاريخانية لإعادة قراءة الماركسية وتحديد حدودها التاريخية، بحيث لا تتحول الأداة المنهجية إلى مرجعية مطلقة. وهنا يصبح النقد أكثر عمقًا: المشكلة ليست في أن العروي اختار ماركس، وإنما في أن المكانة التي يمنحها للماركسية بوصفها «ملخصًا منهجيًا للتاريخ الغربي» تحتاج إلى مراجعة في ضوء استمرار التاريخ نفسه في إنتاج تحولات تجاوزت بعض الأشكال التي اتخذتها التناقضات في القرن التاسع عشر. فالجدلية، إذا كانت منطق التطور التاريخي، لا تسمح بتثبيت أي لحظة باعتبارها خاتمة نهائية؛ لأنها تفترض أن كل تركيب تاريخي يحمل في داخله إمكانات جديدة للتناقض والتجاوز. وبذلك يمكن القول إن النقد الموجه إلى العروي لا يتمثل في رفض اختياره للماركسية، بل في إعادة إدخال الماركسية نفسها في التاريخ الذي أراد العروي أن يقرأها بوصفها ملخصًا له: فكما أن العروي يرفض أن تتحول اللغة أو التراث أو التاريخ إلى مطلقات تعيق الوعي التاريخي، يمكن أيضًا أن يُطرح السؤال عما إذا كان من الممكن أن تتحول الماركسية نفسها، رغم قيمتها المنهجية، إلى مرجعية تتجاوز تاريخيتها؛ إذ إن الاتساق الكامل مع التاريخانية يقتضي ألا يكون هناك «ملخص نهائي» للتاريخ، وإنما أدوات تاريخية تتجدد بقدر ما تتجدد المشكلات والتناقضات التي يحاول الفكر فهمها.

ومع ذلك، فإن نقد الماركسية عند العروي لا ينبغي أن يؤدي إلى إسقاط القيمة المنهجية لمنطقه الجدلي؛ فالمشكلة التي يضعها العروي في قلب مشروعه ليست مشكلة اختيار التراث أو الحداثة بصورة منفردة، وإنما مشكلة الانقسام الذي تعيشه الذات العربية بين طرفين أصبح كل منهما يظهر في مواجهة الآخر: تراثٌ يتحول إلى مرجعية للماضي، وحداثةٌ تظهر بوصفها نموذجًا خارجيًا يفرض نفسه من الحاضر، بحيث تصبح الذات موزعة بين زمنين ومنطقين ومرجعيتين. ولهذا فإن أهمية الجدلية عند العروي تكمن في أنها ترفض التعامل مع هذا الوضع باعتباره اختيارًا ثنائيًا بسيطًا: إما العودة إلى التراث وإقصاء الحداثة، وإما القطيعة مع التراث والذوبان في الحداثة؛ لأن كلا الخيارين يبقي الانقسام قائمًا، وإن غيّر موقع أحد طرفيه. إن الأزمة، وفق هذا المنظور، لا تُحل بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، وإنما بتجاوز التناقض نفسه عبر حركة جدلية تنتقل فيها الذات من وضع الانقسام إلى وضع جديد أكثر تركيبًا.

والمقصود بالتجاوز هنا ليس مجرد الجمع التوفيقي بين التراث والحداثة، ولا وضعهما جنبًا إلى جنب، وإنما ما يمكن تسميته بالرفع الجدلي: أن يدخل الطرفان في علاقة نقدية ينتفي فيها كل طرف بوصفه مطلقًا مستقلًا، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بما يمكن أن يكون قابلًا للاستيعاب منه داخل تركيب تاريخي جديد. فالتراث لا يبقى تراثًا بوصفه سلطة مكتفية بذاتها، والحداثة لا تبقى نموذجًا خارجيًا يُستورد كما هو، وإنما يتحول كلاهما من «مطلق» إلى مادة تاريخية تخضع للفحص والنقد وإعادة البناء. ومن هنا تكتسب فكرة العروي عن «الإنسان الذي يحمل دائمًا الآخر في داخله» دلالتها، لأن الآخر ليس مجرد قوة خارجية تقف في مواجهة الأنا، بل أصبح جزءًا من تكوينها التاريخي، كما أن الأنا نفسها لا تستطيع العودة إلى ماضيها وكأنها لم تدخل في تجربة الحداثة. لذلك فإن تجاوز التمزق لا يعني العودة إلى ذات أصلية نقية، ولا تقليد الآخر تقليدًا كاملًا، بل إنتاج ذات تاريخية جديدة تستطيع أن تستوعب التناقض الذي تشكلت داخله.

وفي هذا المستوى تحديدًا تظل جدلية العروي ذات قيمة حتى إذا اعترضنا على بعض اختياراته النظرية، وعلى رأسها المكانة التي يمنحها للماركسية باعتبارها «الملخص المنهجي للتاريخ الغربي»؛ إذ يمكن رفض اعتبار الماركسية خلاصة نهائية أو تركيبًا مكتملًا للتاريخ، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بالقاعدة الجدلية التي تقول إن الأزمة ليست وضعًا أبديًا، وإن التناقض التاريخي يمكن أن يصبح موضوعًا للتجاوز. بل إن نقد الماركسية نفسها يمكن أن يُمارس من داخل هذا المنطق: فإذا كانت كل صيغة تاريخية تحمل تناقضاتها الداخلية، وإذا كان التجاوز يتم من خلال نفي الصيغة السابقة ورفع عناصرها في تركيب جديد، فإن الماركسية ذاتها لا يمكن أن تكون استثناءً من هذه القاعدة. وبذلك يصبح بالإمكان التمييز بين مستويين في مشروع العروي: مستوى أول يمكن نقده، يتعلق بتحديده للماركسية بوصفها الأداة الأكثر تلخيصًا للتاريخ الغربي، ومستوى ثانٍ أكثر عمقًا يمكن الاحتفاظ بقيمته، وهو النظر إلى الأزمة باعتبارها تناقضًا تاريخيًا قابلًا للتجاوز، وإلى التجاوز باعتباره ليس إلغاءً لأحد الطرفين، وإنما انتقالًا من علاقة التنافي إلى علاقة تركيبية جديدة. وعلى هذا الأساس، فإن تجاوز الانقسام بين التراث والحداثة لا يعني أن نختار أحدهما ضد الآخر، بل أن نعيد تاريخنة الاثنين معًا، وننزع عنهما صفة المطلق، ثم نستخدم التوتر بينهما بوصفه قوةً منتجةً لتركيب جديد؛ أي أن الهدف ليس «التراث أو الحداثة»، وإنما الوصول إلى وضع تصبح فيه الذات قادرة على تحويل التناقض الذي يمزقها إلى عنصر من عناصر إنتاج تاريخها الخاص.

يحتل نقد محمد عابد الجابري لمشروع عبد الله العروي موقعًا مهمًا في النقاش الفكري حول شروط الحداثة والتغيير في العالم العربي. ففي كتابه «في غمار السياسة: فكراً وممارسة»، الكتاب الثاني، ولا سيما في القسم المعنون «رابعاً: مع الأستاذ عبد الله العروي في مشروعه الأيديولوجي»، يناقش الجابري الأسس النظرية والمنهجية والسياسية لمشروع العروي، محاولًا الكشف عن حدود ماركسيته وعن علاقته بالتاريخانية والهيغلية والليبرالية. غير أن هذا النقد نفسه يفتح مجالًا لمساءلة الجابري، خصوصًا في مسألة الاستعمار وفي العلاقة بين الواقع الملموس والبنية المجردة.

d985d8add985d8af-d8b9d8a7d8a8d8af-d8a7d984d8acd8a7d8a8d8b1d98a الخطاب الفلسفي في المجال التداولي المغربي.. قراءة نقدية.. العروي نموذجا.. بقلم: كريم المزكلدي

ينطلق الجابري من أن مشروع العروي، رغم استفادته من ماركس، أقرب في بعض منطلقاته إلى الهيغلية منه إلى الماركسية. فهو يرى أن العروي يمنح التاريخ منطقًا فكريًا مستقلًا نسبيًا عن علاقات الإنتاج والممارسة والصراع الاجتماعي. ولذلك يصف أطروحاته بأنها «أكثر قرباً من الهيغلية منها إلى الماركسية»، ص. 276. كما يصف ماركسية العروي بأنها «ماركسية التحليل والتفسير.. لا ماركسية الممارسة»، ص. 297، معتبرًا أن العروي أخذ من الماركسية بعدها التحليلي والتاريخي، لكنه لم يمنح الممارسة والصراع الاجتماعي والجماهيري المكانة نفسها.

ويظهر هذا الاعتراض بوضوح في موقف الجابري من مفهوم التاريخ عند العروي. فالجابري يرفض تصورًا يجعل التاريخ يتحرك وفق منطقه الخاص، بعيدًا عن الفاعلين الاجتماعيين وعن علاقات الإنتاج. ولذلك يتحدث عن «مفهوم لاماركسي للتاريخ»، ص. 290، ويؤكد أن «التاريخ لا يصنع نفسه، بل يصنعه الناس من خلال الإنتاج وعلاقات الإنتاج». ومن هنا يرى أن تصور العروي يفسح المجال لـ «اتهامه بميول مثالية، لاماركسية»، ص. 290، وأن «نفحات هيغلية تفرض نفسها!»، ص. 291–293.

ويرتبط بهذا النقد اعتراض الجابري على الطريقة التي يستوعب بها العروي التجربة الأوروبية. فالعروي، في نظره، يميل إلى مقارنة وضع المثقف العربي بالتجربة الأوروبية، ولا سيما الألمانية، دون إعطاء الاختلاف في الشروط التاريخية والاجتماعية ما يستحقه من اهتمام. ويعتبر الجابري أن هذا التجاهل يؤدي إلى خطأ منهجي كبير، فيقول: «هنا يكمن، في نظرنا، خطأ العروي… خطأه الكبير!»، ص. 280–281. كما ينتقد فكرة استعادة مراحل التاريخ الأوروبي فكريًا من أجل بناء الحداثة العربية، ويختصرها في تعبيره النقدي: «إعادة فيلم التاريخ إلى الوراء»، ص. 293–294.

وتتصل بهذه المسألة مسألة الليبرالية. فالعروي يميز بين الليبرالية في بداياتها وبين ما أصبحت عليه في سياق الرأسمالية والاستعمار، بينما يرى الجابري أن هذا الفصل لا يصمد أمام التحليل التاريخي. ولذلك يصف دعوى العروي بأنها «صحيحة مظهرياً.. باطلة جوهرياً»، ص. 282–285، ويؤكد أن «الليبرالية لم تنحرف بل انساقت مع تطورها الذاتي الداخلي»، ص. 285. وبذلك يربط الجابري تطور الليبرالية بتطور الرأسمالية والاستعمار، ويرفض تفسير الاستعمار باعتباره مجرد انحراف طارئ عن المسار الليبرالي.

غير أن أهم اعتراض يوجهه الجابري إلى العروي يتعلق بمسألة الاستعمار والإمبريالية. فهو يرى أن عامل الاستعمار غائب أو ضعيف الحضور في تحليل العروي، ويقول بوضوح: «إن عامل الاستعمار غير حاضر تماما في فكر العروي»، ص. 278، ثم يذهب إلى أن هذا الغياب «جعل تفكيره مهزوزاً، مقطوع الصلة – أو يكاد – بالواقع العربي الراهن»، ص. 278. ومن منظور الجابري، لا يمكن فهم الواقع العربي الحديث دون وضع الاستعمار والإمبريالية والتبعية في قلب التحليل.

لكن هذا الموقف يتيح بدوره توجيه نقد إلى الجابري نفسه. فالتنبيه إلى مركزية الاستعمار في التاريخ العربي صحيح من حيث ضرورة إدخال العامل الخارجي في التحليل، غير أن تحويله إلى مركز تفسيري مهيمن يظل إشكاليًا. فالتجارب التاريخية المختلفة تبين أن الاحتلال أو التبعية لا ينتجان مسارًا واحدًا بالضرورة، وأن تأثير العامل الخارجي يتوقف على البنى الداخلية التي يستقبله المجتمع من خلالها، وعلى طبيعة الدولة والمؤسسات والفاعلين والاستراتيجيات الاقتصادية والثقافية. ومن ثم فإن قصور العروي في إعطاء الاستعمار وزنه التفسيري لا يبرر اختزال التخلف فيه، كما أن الاعتراف بقوة العامل الخارجي لا يلغي مسؤولية البنى الداخلية والممارسة الاجتماعية.

والأدق، من هذه الزاوية، هو النظر إلى التخلف بوصفه نتيجة تفاعل تاريخي بين العامل الخارجي والبنية الداخلية والممارسة الاجتماعية والوعي التاريخي. فالعامل الخارجي لا يعمل في فراغ، بل يدخل في بنى ومؤسسات ومصالح واستراتيجيات داخلية تعيد تشكيل تأثيره، كما أن الداخل نفسه لا يمكن فهمه خارج علاقته بالسياق الدولي. وبذلك يمكن القول إن الجابري، وهو ينتقد اختزال العروي للتاريخ في الوعي والتاريخانية، يواجه خطر الاختزال المقابل حين يمنح الهيمنة الإمبريالية موقعًا تفسيريًا بالغ المركزية.

ولا يتوقف نقد الجابري عند التاريخ والاستعمار، بل يمتد إلى مسألة النخبة. فهو يرى أن مشروع العروي ينتهي إلى تكوين نخبة عقلانية حديثة قادرة على قيادة التغيير، وهو ما يراه الجابري تصورًا نخبوياً يفتقد إلى الصلة بالممارسة الجماهيرية. ولذلك يسأل: «فأي ثوري هذا المثقف غير المرتبط؟ من أين جاءته ثوريته؟ من الكتب، من التأمل، من التعالي، من العالمية، من الانعزال عن الجماهير؟»، ص. 308. ويعتبر أن الثورة لا يمكن أن تكون مجرد مشروع فكري للنخبة.

ومن هنا تأتي عبارته الشهيرة عن «الثقافة الثورية.. بضاعة مهربة»، ص. 309، حيث ينتقد تصور الأفكار التقدمية باعتبارها مجرد مستوردات خارجية. ويقول: «إن الأفكار التقدمية بحسب دعوى العروي هذه هي مجرد بضاعة مهربة، مجرد مستوردات!»، ثم يؤكد: «إن الثورة لا تستورد، وإن الأفكار “الخارجية” لا تنبت إلا حيث تكون التربة ملائمة»، ص. 309. ولذلك فهو لا ينكر أهمية العامل الخارجي، لكنه يؤكد أن دوره لا يكون كافيًا بذاته: «العامل الخارجي مهم فعلاً، ولكنه ليس أساسياً إلى هذا الحد. إنه مساعد. إنه ضروري، ولكنه غير كاف»، ص. 309.

ويرتبط ذلك برفض الجابري فصل النضال الثقافي عن النضال السياسي. فهو يؤكد أن «النضال الثقافي يجب أن لا ينفصل عن النضال السياسي»، ص. 306–307، ويذهب إلى أن السيطرة الثقافية لا يمكن تحقيقها بصورة مستقلة عن التحرر السياسي والمؤسساتي، ولذلك يقول: «لا يمكن تحقيق السيطرة الثقافية إلا عبر جهاز سياسي إداري متحرر، أي عبر دولة متحررة»، ص. 306–307.

كما ينتقد الجابري جعل الصراع مع الفكر السلفي محورًا أساسيًا في مشروع العروي. وهو لا يدافع عن السلفية في ذاتها، بل يقول صراحة: «إننا لا ندافع عن الفكر السلفي، ولا نبرئ ساحته»، ص. 317–322. لكن موقفه يقوم على ضرورة فهم السلفية ضمن شروط نشأتها التاريخية وعلاقتها بالاستعمار والمقاومة الوطنية، بدل التعامل معها باعتبارها مجرد عائق ثقافي مجرد.

ولهذا يرفض الجابري اختزال الصراع العربي في ثنائيات معرفية مجردة، فيقول: «الصراع الفعلي الذي تخوضه الأمة العربية اليوم ليس صراعاً بين العقل والنقل، ولا بين الدين والفلسفة، ولا بين العقلانية واللاعقلانية.. هكذا في سماء المجردات»، ص. 317. ثم يحدد الصراع الحقيقي في خط يفصل بين «من يكرس الاستغلال ومن يحارب الاستغلال»، ص. 318. وبذلك يعيد الجابري النقاش إلى المجال الاجتماعي والسياسي والمادي.

ومن أهم جوانب نقده للعروي أيضًا الجانب المنهجي. فالجابري يرفض أن يبدأ التحليل من المفاهيم المجردة ثم يفرضها على الواقع، ويؤكد ضرورة الحركة الجدلية بين الواقع والمفهوم. ولهذا يقول: «لا بد من الانطلاق من المشخص للصعود نحو المجرد، ثم لا بد من النزول من المجرد إلى المشخص، في عملية ديالكتيكية واحدة»، ص. 311. وهذه العبارة تكتسب أهمية خاصة لأنها لا تحدد فقط موقفه من العروي، وإنما تقدم معيارًا يمكن استخدامه لاحقًا في نقد الجابري نفسه.

فالجابري يطالب بأن يبدأ التحليل من المشخص، أي من الواقع التاريخي والاجتماعي، ثم يصعد إلى التجريد، ثم يعود من التجريد إلى الواقع. لكن عندما ينتقل لاحقًا إلى مشروع «نقد العقل العربي»، تصبح البنى المعرفية نفسها وحدة مركزية للتحليل، من خلال البيان والعرفان والبرهان. وهنا تنشأ مفارقة منهجية تستحق التأمل: هل حافظ الجابري في مشروعه اللاحق على المبدأ الذي دافع عنه في نقد العروي، أم أن البنية المجردة أصبحت بدورها إطارًا واسعًا لتفسير التاريخ والممارسة؟

لا يعني ذلك أن الجابري كرر خطأ العروي بصورة مطابقة، ولا أنه فصل البنى المعرفية عن التاريخ تمامًا؛ فقد حاول بالفعل تاريخنة البيان والعرفان والبرهان وربطها بسياقات تشكلها، ولا سيما بعصر التدوين والصراعات الفكرية والسياسية. لكن يمكن القول إن هناك توترًا بين منهجه المعلن في نقد العروي وبين مركزية البنية المعرفية في مشروعه اللاحق. فبعد أن انتقد العروي على إعطاء المجرد والتاريخانية وزنًا تفسيريًا كبيرًا، جعل الجابري بدوره البنية المعرفية موضوعًا تحليليًا قادرًا على تفسير مساحات واسعة من التاريخ الثقافي العربي.

ومع ذلك، فإن نقد الجابري للعروي لا يعني قطيعة كاملة معه. فقد استفاد الجابري لاحقًا من عدد من الأسئلة التي أثارها العروي، ومن بينها اختلاف المسار المغربي عن المسار المشرقي، وإمكانات العقلانية والجدل داخل التراث الإسلامي، ودور التصوف والعرفان في تعطيل بعض هذه الإمكانات. غير أن الجابري أعاد صياغة هذه المسائل ضمن مشروعه الخاص، منتقلًا من التركيز المباشر على شروط التغيير الاجتماعي والسياسي إلى تحليل البنى المعرفية التي تشكل العقل العربي.

وبذلك لا ينبغي فهم تطور الجابري بوصفه انتقالًا بسيطًا من «الماركسية» إلى «البنيوية»، وإنما باعتباره تحولًا في وحدة التحليل ومستواه. ففي نقد العروي كان السؤال الأساسي: كيف يحدث التغيير؟ وما شروطه الاجتماعية والسياسية؟ وما علاقة الفكر بالممارسة والاستعمار والصراع الاجتماعي؟ أما في «نقد العقل العربي» فأصبح السؤال: ما البنى المعرفية التي أنتجت أنماطًا معينة من التفكير داخل الثقافة العربية الإسلامية؟ ومن هنا أصبحت ثنائية البيان والعرفان والبرهان أدوات أساسية في تفكيك العقل العربي.

وعليه، يمكن تلخيص المسار كله في أن العروي والجابري يشتركان في محاولة تجاوز التقليد وبناء فهم تاريخي للحداثة العربية، لكنهما يختلفان في نقطة ارتكاز التحليل. فالجابري ينتقد العروي لأنه يقترب من الهيغلية والتاريخانية، ويهمل الاستعمار والممارسة والصراع الاجتماعي، ويراهن على النخبة وعلى استيعاب المسار الأوروبي. غير أن نقد الجابري نفسه يمكن أن يخضع للمساءلة: فكما لا يجوز اختزال التاريخ العربي في الوعي والتاريخانية، لا يجوز اختزاله في الإمبريالية والتبعية؛ وكما ينبغي ألا يفرض المجرد نفسه على الواقع، ينبغي ألا تتحول البنية المعرفية إلى إطار تفسيري مستقل عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها.

ومن هذه الزاوية، فإن تجاوز العروي والجابري معًا لا يكون باختيار أحد قطبيهما، وإنما ببناء تحليل يدرس العلاقة المتغيرة بين الخارج والداخل، وبين البنية والممارسة، وبين الفكر والمؤسسة، وبين الوعي والتاريخ. فالتاريخ لا تصنعه الأفكار وحدها، ولا تحدده الإمبريالية وحدها، وإنما يتشكل من خلال التفاعل المستمر بين البنى والفاعلين والمؤسسات والممارسات والشروط الخارجية.

المصادر المعتمدة في هذا المقال:
عبد الله العروي، L’Idéologie arabe contemporaine: essai critique, François Maspero, Paris, 1967.
ص. 17: علاقة تشخيص المجتمع بصورة الغرب.
ص. 18–26: «Trois hommes, trois définitions»؛ الشيخ والليبرالي والتكنوقراط.
ص. 151–152: الماركسية بوصفها «نظام الأنظمة» و«الملخص المنهجي للتاريخ الغربي».
ص. 158: إمكان الجدل وبذوره الأولى وإجهاضه.
ص. 159–160: الصراعات، انقسام الأنا، المعتزلة والعقل المجرد.
ص. 161–162: المحاسبي، صدع الأنا، والتصوف.
ص. 162: التصوف «حل لفظي لمشكلة حقيقية» والخوف من تكرار إجهاض الماضي.
ص. 163: الجدلية كأيديولوجيا أو كمنهج.
عبد الله العروي، العرب والفكر التاريخي.
ص. 61: الانفصال بين الجسد في الحاضر والأفكار والمشاعر في الماضي.
ص. 208: الاستلاب في اللغة والتراث والتاريخ القديم، والتحرر منه بواسطة الوعي التاريخي واستعادة الذات في «الآن والمكان».

(عابد الجابري: في غمار السياسة) الجزء الثاني ـ ص 278 و ما بعدها.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات