الرَّجُلُ الَّذي فَقَدَ خِفَّةَ ظِلِّهِ… بقلم: أكمل صفوت
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

كان لي صديق نذل…… وكنت أعرف أنه نذل، إلا أنني كنت أحبه؛ لأنه كان خفيف الظل.
صعب أن تكره شخصًا خفيف الظل، وصعب أن تتصور أن فيه خسة أو قسوة. لذلك كنت أغض النظر عن نذالته، وأغفر له هناته؛ لأنني كنت أفهم نذالته على أنها ضعفًا لا خسة، وخوفًا لا خيانة.
كنت أرى أننا نكبر ونخرج للحياة ونحن غير مؤهلين إنسانيًا لمواجهة ما تلقيه في وجهنا من اختبارات، سواء كان هذا حبًا أم صداقة أم اختيارات أخلاقية تزداد ضبابية كلما تشابكت مع الاحتياج والطموح والخوف الدفين من الفشل والتهميش. كنت ألتمس له الأعذار، فأقول لنفسي: لا يمكن في مثل هذه الظروف أن تكون الاختيارات فعلًا اختيارات؛ هي في الأغلب «تخبطات» يسوقها سوء التقدير، وقلة الخبرة، والتباس الحقائق، لا التفكير الحر ولا ميزان الأخلاق والمبادئ. وكنت أجد ملاذي من حيرتي في سمرنا حينما نسخر من تصرفاتنا الخرقاء، ومن جهلنا بأنفسنا وبالحياة، ونضحك. فهو، كما قلت لكم، كان خفيف الظل….
وصف الشخص الظريف، لطيف المعشر، خفيف الدم بأنه «خفيف الظل» عبقري بلا جدال.
فالظل كيان مدهش وغريب وملهم للتصورات الأدبية.
يمكنك -إن أردت- أن تعتبره امتدادًا للشخص، ويمكنك أن تعتبره ضميره الذي يلاحقه أينما ذهب، أو تراه جانبه المظلم الشرير، كصورة النيجاتيف على فيلم الكاميرا.
غير أن ما يميز الظل حقًا، وما يربطه بخفة الدم، هو أنه لا يوجد إلا على مُتلقٍّ، سواءٌ كان هذا سطحًا مصمتًا في حالة الظل، أو شخصًا آخر في حالة خفة الظل. وأنا لم أدرك عبقرية التشبيه «خفيف الظل» إلا حين تمثلت العكس: شخص لزج، مؤذٍ، غليظ الحس، يجر وراءه ظلًا ثقيلًا؛ كلما سقط على شخص خنقه، وكلما دخل به مكانًا أظلمه.
«ثقيل الظل» تعبير منفر؛ لأنه يوحي بالقسوة والعنف والإيذاء..
ولعل هذا هو المفتاح. صديقي، رغم مرور الوقت، لم يتغير، ما زال نذلًا….. لكن الوقت اختلف، فنحن لم نعد شبابًا ساذجًا من جيل مثالي آماله مؤجلة وضحية الظروف. نحن أصبحنا «الظروف»، واختياراتنا أصبحت فعلًا اختيارات.
اختيارات صديقي القديم الإنسانية والعملية والسياسية دفعته فعلًا إلى ما يستحق، وإلى حيث أراد، كما أنها جعلته يلقي -بقسوة- من سفينته بكل من، وكل ما يثقلها عن الانطلاق، غير مدركٍ أن كل ما تركه وكل من ألقاهم قد علقوا بظله، وأن ظله لذلك يزداد مع الأيام ثقلًا وسوادًا وعتامة.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد