الشهيد في الثقافة العربية الإسلامية.. قراءة في الجذور والتطور… د. عاصم حفني… ج1
بقلم: نور البطاوي

في ظل الأحداث المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، وتزايد الجدل حول مفاهيم الموت والقتل والاستشهاد، يبرز سؤال جوهري: كيف فهمت الثقافة العربية الإسلامية مفهوم “الشهيد” عبر التاريخ؟ وما الذي جعل فكرة الموت في سبيل هدف أسمى مقبولة، بل مرحباً بها في بعض الأحيان؟
هذا ما حاول الدكتور عاصم حفني الإجابة عنه في محاضرته الأولى ضمن دورة “مفاهيم حول الشهيد والشهادة في الثقافة العربية الإسلامية”، التي قدمها في اكاديمية تفكير، وسط محاذير أكاديمية وقانونية معروفة تتعلق بالحديث عن قضايا الشرق الأوسط الحساسة، خاصة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي وحرب غزة.
من الحضور والعلم.. إلى الموت في سبيل الله
في اللغة العربية، كما يوضح الدكتور حفني، يحمل لفظ “الشهيد” ثلاث دلالات أساسية تتضافر لتشكل المعنى الأساسي للكلمة: الحضور، والعلم، والحياة. فالشهيد هو “الحاضر” الذي يشهد ما يحدث، و”العالم” بما يشهده، و”الحي” الذي لا يموت بالمعنى الحرفي. هذه الدلالات تجتمع في اسم الله “الشهيد”، الذي هو حاضر وعالم بكل شيء وهو الحي القيوم.
أما في الاصطلاح الشرعي، فقد عرف الفقهاء الشهيد بأنه “من مات من المسلمين في قتال الكفار”. لكن هذا التعريف يحمل في طياته شروطاً وتحديات كبيرة في فهمه وتطبيقه اليوم: اشتراط الإسلام يثير تساؤلات حول من يموت من غير المسلمين في سياقات مشابهة، كما في حالة الصحفية شيرين أبو عاقلة التي وصفت بالشهيدة رغم كونها مسيحية. واشتراط قتال الكفار يصعب تطبيقه على الصراعات الداخلية بين المسلمين في العالم العربي اليوم. واشتراط مشروعية القتال يضيف بعداً أخلاقياً وقانونياً معقداً.
ويربط الدكتور حفني بين المعنى اللغوي والشرعي، معتبراً أن الشهيد هو من حضر موقفاً حقاً بنفسه، وخبره بعلمه، وكان له فيه موقف صادق يعكس صدق نيته وقصده، فقدم أغلى ما يملك: نفسه أو ماله. هذا الربط يمنح مفهوم الشهيد عمقاً فلسفياً، ويجعله أكثر من مجرد مصطلح فقهي.
الدنيا دار فناء.. أم مزرعة الآخرة؟
ينتقل الدكتور حفني إلى نقطة جوهرية في فهم مفهوم الشهادة: نظرة العقل العربي المسلم إلى الحياة. فكلمة “الدنيا” لغوياً ارتبطت بالدنو والدناءة، خاصة عند مقارنتها بالآخرة. هذا التصور جعل الدنيا تبدو “دار فناء” لا تستحق الاهتمام، مقابل الآخرة “دار بقاء”. وقد وصفت الدنيا في بعض الكتابات التراثية بأنها “امرأة مليحة جميلة، تستميل الناس بجمالها، ولكن لها أسرار سوء وقبائح من داخلها”.
هذه النظرة، كما يرى الدكتور حفني، أدت إلى استسهال الموت وقبول الاستشهاد، بل جعلته أمنية. فإذا كانت الدنيا لا تساوي شيئاً، فلماذا التعلق بها؟ وإذا كان المصير الحقيقي هو الآخرة، فلماذا الخوف من الموت؟
لكن الدكتور حفني يحذر من أن هذه النظرة قد أسيء توظيفها سياسياً، خاصة مفهوم “الصبر” الذي رُبط بالاستكانة والقبول بالظلم، و”الزهد” الذي تحول في بعض درجاته إلى احتقار للحياة ومباهجها، مما أضعف الأمة في مواجهة التحديات. فالإمام أحمد بن حنبل وصف الزهد بثلاث مراحل، أعلاها “ترك ما يشغلك عن الله”، وهو ما قد يؤدي إلى عدم السعي للقوة المادية والعسكرية.
ويشير الدكتور حفني إلى أن الإسلام نفسه يقدس الحياة، ويحرم الانتحار والإجهاض، ويكرم الجسد الإنساني، مما يدل على أن للحياة قيمة جوهرية في المنظور الإسلامي. كما ظهرت محاولات إيجابية في العصر الحديث من قبل مفكرين مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده لإعطاء الحياة قيمة، ودعوا إلى التوازن بين متطلبات الدنيا والآخرة.
الشرف والدم.. معادلة التطهير والثأر
يرتبط مفهوم الشرف ارتباطاً وثيقاً بفكرة الموت والشهادة في الثقافة العربية. فالشرف في اللغة يعني التفوق والمكانة العالية، وارتبط تاريخياً بالدم والدفاع عنه. وقد تعرض مفهوم الشرف في العصر الحديث لاختزال كبير، حيث أصبح مرتبطاً بالمرأة وعفتها بشكل شبه حصري، وابتعد عن فكرة الشرف بمعنى النجاح أو أداء العمل بشكل جيد.
ويستشهد الدكتور حفني بقول المتنبي: “لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم”، مشيراً إلى أن الدم في هذه المعادلة هو الوسيلة الوحيدة لتطهير الشرف، وأن الموت في سبيل الشرف يعتبر خلاصاً من عار أكبر. إن مشكلة الثأر، المترسخة في الثقافة العربية قبل الإسلام وبعده، تعكس هذا الارتباط العميق بين الشرف والدم.
وقد تعاطى الإسلام مع مفهوم الشرف ومنحه شرعية، إذ يعد حفظ العرض من “مقاصد الشريعة” أو “الكليات الخمس” التي جاءت لحفظها: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال. وهناك أحاديث نبوية تؤكد أن “من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد”.
وهكذا، ينتقل الوعي من قبول الموت لأن الحياة لا تساوي شيئاً، إلى الترحيب بالموت لغسل العار، ثم إلى الشهادة التي تصبح أمنية. كل هذا يسهل فكرة الموت في سبيل هدف أسمى.
القرآن والسنة.. تطور المفهوم
يكشف الدكتور حفني عن مفاجأة مهمة: القرآن الكريم، على الرغم من كونه المصدر الأول للتشريع، لم يستخدم لفظ “شهيد” أو “شهادة” للدلالة على الموت في سبيل الله بالمعنى الاصطلاحي الشائع اليوم. فكلمة “شهيد” تكررت 35 مرة في القرآن، ولم تدل مرة واحدة على أن شخصاً قتل في سبيل الله. وكلمة “الشهادة” تكررت 20 مرة، ولم تعن مرة واحدة الموت في سبيل الله.
فالآيات التي تتحدث عن الموت في سبيل الله تستخدم ألفاظاً مثل “قتلوا في سبيل الله”، كما في قوله تعالى: “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون”. وهذا يثير تساؤلاً مهماً: لماذا لم يستخدم القرآن اللفظ الذي أصبح شائعاً لاحقاً في السنة النبوية والفقه الإسلامي؟
أما السنة النبوية، فقد وسعت مفهوم الشهادة لتشمل أنواعاً مختلفة من الموت. ففي حديث أبي هريرة خمسة شهداء: المطعون، والمبطون، والغريق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله. وفي حديث آخر سبعة شهداء، تضمنت المرأة التي تموت أثناء الولادة. هذا التوسع يعكس تطوراً في فهم المجتمع الإسلامي لمفهوم التضحية والجزاء الأخروي، ويبرز رحمة الله بعباده.
وبناءً على هذه الأحاديث، قسم الفقهاء الشهداء إلى ثلاثة أقسام رئيسية: شهيد الدنيا والآخرة (من يقتل في المعركة دفاعاً عن الدين أو الوطن)، وشهيد الدنيا (من قاتل لأغراض دنيوية)، وشهيد الآخرة (من مات بسبب مرض أو حادث وينال أجر الشهيد في الآخرة). هذا التصنيف يعكس التطور الفقهي لمفهوم الشهادة، وتأثره بالسياقات الاجتماعية والسياسية.
في ختام المحاضرة، يخلص الدكتور حفني إلى أن مفهوم الشهيد والشهادة ليس ثابتاً، بل تطور عبر العصور وتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية. فالقرآن ركز على دلالات الحضور والعلم والشهادة على الحقيقة، بينما وسعت السنة النبوية المفهوم ليشمل أنواعاً مختلفة من الموت، وعكست التصنيفات الفقهية هذا التطور.
ويؤكد الدكتور حفني أن الشهادة الحقيقية هي التي تنبع من نية صادقة، وتكون في سبيل الله، ولتحقيق أهداف نبيلة تخدم الصالح العام، وتساهم في بناء مجتمعات قوية وعادلة. ويدعو إلى التفكير النقدي، والتمييز بين المفهوم الأصيل للشهادة، وبين التوظيفات الخاطئة التي قد تسيء إليه.
ويختتم المحاضرة بسؤال مفتوح للتأمل: “هل فهمنا المعاصر لمفهوم الشهيد يعكس جوهره الأصيل، أم أنه ابتعد عنه تحت وطأة التوظيفات السياسية والأيديولوجية؟”
سؤال يظل مفتوحاً، في انتظار إجابات الباحثين والمفكرين، وفي انتظار وعي مجتمعي قادر على استعادة جوهر المفهوم بعيداً عن التشويه والاستغلال.
يتبع…
للاستماع الى تسجيل صوتي للجلسة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة فيديو للجلسة اضغط على الرابط التالي
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد