طريد العدالة الذي يحقق العدل… الشريعة والحقيقة والسينما… د. وليد الخشاب بأكاديمية تفكير
بقلم: AI

اختتم الدكتور وليد الخشاب، في “أكاديمية تفكير”، الجلسة الثالثة والأخيرة من دورته المعمقة “الشريعة والحقيقة والسينما”، وهي الجلسة التي تمثل ذروة التحليل الفلسفي والجمالي للنماذج البشرية في النص المقدس والتمثلات البصرية المعاصرة. تأتي الأهمية الاستراتيجية لهذه الجلسة من تركيزها على شخصية “موسى كليم الله” بوصفه نموذجاً درامياً وفلسفياً فريداً يجسد التوتر الخلاق بين “الشريعة” بصفتها نظاماً تشريعياً وقانونياً، و”الحقيقة” بوصفها تأملاً روحياً وعرفانياً، و”السينما” كوعاء بصري يعيد صياغة الأسطورة برؤى أيديولوجية. تهدف الجلسة إلى رصد التشابهات البنيوية بين الأنماط الشخصية في القصص المقدس والسينما، متسائلةً كيف يمكن لـ “طريد العدالة” -الذي ارتكب فعلاً جسيماً كفعل القتل- أن يتحول إلى “حامل للشريعة” ومؤسس للعدل، مما يفتح آفاقاً لتفكيك الأبعاد القانونية والرمزية لهذه الشخصية المركزية العابرة للثقافات.
التحليل الثيماتي: نموذج “طريد العدالة” وتحولاته
تنطلق قصة موسى من مفارقة سردية كبرى: كيف يتحول “مخالف الشريعة” إلى المشرع الأول؟ تبدأ هذه الرحلة من حادثة قتل موسى للرجل المصري، وهو الحدث الذي حلله الدكتور الخشاب بوصفه “قطيعة معرفية” (Epistemological Rupture) وجذرية مع السياق الثقافي والتربوي الذي نشأ فيه.
- تفكيك الحدث المركزي وجذوره: يُنظر إلى فعل القتل هنا كفعل “قتل الأب المجازي”؛ فموسى الذي يحمل اسماً مصرياً خالصاً “موسى” أو “وليد الماء” (ابن النيل)، يمارس بقتله للمصري قطيعة تامة مع “بيت فرعون” الذي احتضنه. هذه المفارقة تكمن في أن “ابن الماء” المصري بالتربية والاسم، يقتل هويته المصرية ليعيد تأكيد انتمائه الرسالي أو العرقي، مما يخلق صدعاً في “الأنا” قبل أن يتحول إلى قائد.
- مستوى الشريعة والقانون: تتيح القصة مساحة فلسفية للمغفرة وإعادة الاعتبار للمخطئ؛ فموسى الذي فرّ هارباً كجاني، عاد حاملاً للوصايا. هذا النموذج يجد صدىً في السوسيولوجيا السياسية المعاصرة، مثل قادة الجماعات في الربع الأخير من القرن العشرين الذين انتقلوا من خانة “مخالفي القانون” أو “المسجلين خطر” إلى قيادة حركات ترفع لواء الشريعة، مستمدين شرعيتهم من فكرة “التوبة” وإعادة إنتاج الذات كحامل للقانون.
التمايز بين الرؤية العبرانية والرؤية القرآنية:
- الرؤية العبرانية: تركز على الانتماء العرقي والقبلي الصرف (دم بني إسرائيل)؛ حيث ينتصر موسى لابن جلدته في صراع هوياتي مغلق.
- الرؤية القرآنية: تعيد صياغة الحدث بتخفيف الحدة العرقية، حيث يُصاغ الانحياز في التفاسير كونه انحيازاً لـ “المؤمن” ضد “غير المؤمن”، مما يتجاوز المنطق القبلي نحو أفق دعوي أشمل يركز على الموقف الإيماني لا العرقي.
مستوى “الحقيقة”: التأويل الصوفي والرمزي للقاء الإلهي
في فضاء “الحقيقة”، تتحول الجريمة والهروب إلى “اصطفاء روحي”. تعد لحظة سماع الصوت الإلهي من خلف “الشجرة المشتعلة” لحظة التحول الجوهري؛ حيث تندمج العناصر المادية (النار/الشجرة) بالصوت المتسامي، ليعلن عن ولادة “كليم الله” من رحم “طريد العدالة”.
جدلية التجسيد والتجريد: ناقش الدكتور الخشاب التصورات الثلاثة للإله في التراث العبري وتجلياتها الرمزية، وكيف تتقاطع مع المفهوم الصوفي لاسم الله الأعظم:
| التصور اللاهوتي | المعنى الرمزي والسياقي |
| يهوه (Yahweh) | الإله الذي يظهر فجأة لينفي الآلهة السابقة، وهو فعل قطيعة وجودية مع الوثنية. |
| الوهيم (Elohim) | تعني لغوياً “الآلهة” كجمع، وتشير رمزياً إلى “جماع الطاقات الروحية” والفيوضات المتعددة عبر العصور. |
| الاسم (Ha-Shem) | يمثل أقصى درجات التجريد؛ حيث يُمتنع عن النطق بالاسم تجنباً للتجسيد، وهو ما يوازي “اسم الله الأعظم” في العرفان الإسلامي. |
المقارنة العرفانية: يلفت النظر غياب الاهتمام الصوفي بواقعة القتل المادي، مقابل احتفائهم بلحظة “اللقاء”. يُنظر إلى القتل هنا كمجاز لـ “قتل النفس” أو الرغبات الدنيوية للوصول إلى المعرفة الباطنية. هذا يبرز الفرق بين “علم الظاهر” الذي يرى جريمة قتل، و”علم الباطن” الذي يرى تهيئةً روحية للوصول إلى الدائرة الإلهية وتلقي الوحي.
التجليات السينمائية: بين الأيديولوجيا والتحرر الوطني
تتحول القصة المقدسة على شاشة السينما إلى “ليتورجيا علمانية” وأداة سياسية، حيث يُعاد توظيف الرمز لخدمة غايات أيديولوجية وقومية معاصرة.
- النموذج الهوليوودي (الوصايا العشر 1956): وظف سيسيل دميل قصة موسى كخطاب دعائي يدعم “القومية الأشكينازية”. تعمد الفيلم “شيطنة” المصريين وتضخيم قسوتهم لتبرير فعل القتل وتصويره كفعل “أخلاقي” ضروري، مما يشرعن سردية نشوء دولة إسرائيل كخروج من العبودية إلى “أرض الميعاد”.
- النموذج المصري (أدهم الشرقاوي 1964): قدم الفيلم “موسى شعبياً” في صورة أدهم الشرقاوي. هنا، يتحول “المجرم” في نظر المستعمر إلى “بطل وطني” يحمل شريعة التحرر. استخدم المخرج تقنيات بصرية تضفي مسحة “عرفانية تكنولوجية” على العمل السياسي:
“اعتمد الفيلم تقنية ‘السوبر إنبوزيشن’ (Super-imposition) في مشاهد المظاهرات، حيث تظهر الأرواح أو الأطياف الملائكية وهي تصاحب الشعب الثائر، مما يحول الفعل السياسي إلى طقس روحي محمي بالعناية الإلهية.”
يتقاطع الفيلم في نهايته مع إيقونوغرافيا المسيح؛ حيث يظهر أدهم ممدداً كشهيد ضحى بـ “الجسد” لمنح “الحياة” للوطن، بجوار وجه أنثوي متألم (لبنى عبد العزيز) يحاكي حضور المجدلية أو مريم العذراء، مما يدمج بين تضحية المسيح وتشريع موسى.
الرؤية النقدية والمناقشات: تساؤلات الهوية وعصمة الأنبياء
أثارت الطروحات نقاشات معمقة حول التوفيق بين التحليل الأكاديمي البنيوي وبين المعتقد الإيماني الراسخ.
- إشكالية الفعل والنية: تناول الحضور مسألة “عصمة الأنبياء”؛ فبينما يصر التفسير التقليدي على أن القتل كان “خطأً” (وكزه موسى)، ركز التحليل الأكاديمي على “فاعلية الواقعة” درامياً، بوصفها الوسيلة التي قدرها الله لإحداث القطيعة الوجودية التي تمهد للرسالة.
- الحقيقة التاريخية مقابل الحقيقة السردية: نوقش غياب الأدلة الأثرية لقصة موسى في مصر. وهنا أكد الدكتور الخشاب على منطق الدراسات الثقافية: “إن قوة القصة لا تستمد من برهانها الأثري المادي، بل من فاعليتها كـ ‘أسطورة مؤسسة’ قادرة على تشكيل وجدان الشعوب عبر العصور”.
أهم التساؤلات والردود:
- هل القتل شرط لتلقي الوحي؟ الإجابة: هو مجاز لقطع الأواصر مع “ثقافة الاستعباد” لتهيئة الذات للقاء “الحق” المطلق.
- لماذا يظهر موسى بملامح بشرية حادة؟ الإجابة: لأن البناء الدرامي القرآني يبرز “بشرية” الأنبياء وقربهم من معاناة النفس، مما يجعل تحولهم نحو الشريعة نموذجاً ملهماً للتغيير.
- كيف نتعامل مع غياب الدليل المادي؟ الإجابة: السينما والقصص المقدس يعملان في فضاء “الحقيقة السردية”، وهي حقيقة أقوى أثراً في التاريخ من الأدلة الإمبيريقية الصامتة.
الخاتمة: السينما ككتاب مفتوح للتأمل العرفاني
تخلص الجلسة إلى رؤية مركزية مفادها أن السينما ليست مجرد أداة للترفيه، بل هي “مساحة لممارسة العرفانية البصرية” وامتداد بصري للتأمل في النصوص المقدسة. إن تحول موسى من طريد للعدالة إلى مشرع للحق يجسد قدرة الروح على الانبعاث من جديد. السينما، بوصفها “ليتورجيا معاصرة”، تظل حية بتعدد مستويات قراءتها: من الألسنية التي تفكك اسم “موسى”، إلى السياسية التي ترصد صراع القوميات، وصولاً إلى الصوفية التي ترى في الكاميرا عيناً تبصر “اللامرئي”. هذا الحوار المستمر هو ما يبقي النص المقدس والعمل السينمائي نابضين بالمعرفة الإنسانية المتجددة.
للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد