هل اختَطفَ التاريخُ الإسلامَ؟… د. مولاي أحمد صابر …مع سماء معاوية… بصالون تفكير

تأتي ندوة “هل اختطف التاريخ الإسلام؟” لتمثل فضاءً نقدياً يتجاوز الطرح السطحي نحو الاشتباك مع “الأزمة البنيوية في العقل المسلم”، بوصفها محاولة لخلخلة مؤسسة “الفرملة الفكرية” التي أعاقت الاجتهاد طويلاً. في الندوة الخامسة من موسم “كاتب وكتاب 2026″، الذي نظمه صالون تفكير وأدارت الندوة الأستاذة سماء معاوية هيكل، طُرحت أطروحة الدكتور المغربي مولاي أحمد صابر الصادرة عن “دار التنوير” ببيروت، كأداة إبستمولوجية للتمييز بين “جوهر النص” المفارق وبين “التجربة التاريخية” المأزومة. لم تكن الندوة مجرد استعراض لكتاب، بل كانت مساحة “للتفكير والبحث وطرح السؤال” الوجودي حول قدرة الإسلام كرسالة كونية على التحرر من قيود الفهومات البشرية التي صبغته بصبغتها الزمانية والمكانية، وهو ما سيفككه هذا التقرير عبر فحص الأطروحة المركزية ومحاورها النقاشية العميقة.

بقلم: AI

ai هل اختَطفَ التاريخُ الإسلامَ؟… د. مولاي أحمد صابر ...مع سماء معاوية... بصالون تفكير

سوسيولوجيا “الاختطاف” والاستلاب المزدوج

يعالج الدكتور صابر مفهوم “الاختطاف” كمدخل سوسيولوجي لفهم أزمة التدين المعاصر، موضحاً أن الاختطاف قد يكون “بفعل فاعل” خارجي، أو “بفعل الذات” التي تسجن نفسها في تصورات واهمة ومذاهب ضيقة. فالإنسان هو الفاعل الحقيقي في التاريخ، وهو الذي “ينطق” النص وفقاً لتحيزاته، مما أدى إلى ظهور “إسلامات” متعددة أبعدت “الإسلام القيمي” عن مساره القاصد نحو الرحمة والأنسنة.

ويمكن تفكيك هذا الاختطاف عبر رصد نوعين من الاستلاب المعرفي:

  • الاستلاب التاريخي (النموذج المتشدد): كما في تجارب “داعش” والقاعدة، حيث تم اختطاف الإسلام وسجنه في لحظة زمنية معينة (القرن السابع)، والتعامل مع التاريخ بوصفه “مكتملاً” ومقدساً، مما أدى للانفصال عن قيم الجمال والتعارف.
  • الاستلاب الجغرافي (النموذج الحداثي الأيديولوجي): وهو الاتجاه الذي يدعو للقطيعة المعرفية التامة مع التراث، مرتمياً في أحضان التجربة الغربية دون وعي بسياقات الهوية، مما يجعل هذا النموذج يختطف الإسلام بنفيه من الحاضر بدلاً من قراءته قراءة معاصرة.

هذه الثنائية تؤكد أن الإسلام كمنظومة قيمية بات محاصراً بين تقديس الماضي أو القطيعة معه، مما يستوجب بناء هيكلية فكرية تستثمر الذاكرة دون الارتهان لها.

البنية المفاهيمية للكتاب: المحاور الثلاثة

يقع الكتاب في 220 صفحة، متناولاً قضايا مفصلية كالمرأة والفن والاجتهاد، عبر هيكلة ثلاثية تضمن شمولية الطرح المعرفي، كما يوضح الجدول التالي:

المحورالمحتوى التحليلي
الإسلام: جدل الماضي والمستقبلالحفر في زوايا التاريخ وسؤال كيفية التعامل مع الدين كمنظومة قيمية تتجاوز الطقس الموروث.
القرآن: معين لا ينضبالرؤية الداخلية للقرآن كرسالة كونية تتجاوز التحيزات المذهبية والتاريخية الضيقة.
الفكر بين عبء الماضي وآفاق المستقبلالتحدي المتمثل في استثمار الذاكرة التاريخية لصالح التنمية وصناعة الغد بدلاً من اجترار الصراعات.

ويبرز هنا استنتاج المؤلف بأن “القرآن أكبر من الحضارة الإسلامية”؛ فالقرآن نص “مهيمن” يعيد تركيب السرديات الكبرى (مثل قصص الأنبياء في سفر التكوين) بمنظور أكثر “أنسنة” وتحرراً من العرقيات. إن كونية القرآن تنبع من كونه خطاباً “للعالمين”، بينما الحضارة التاريخية هي منتج بشري محدود بسياقاته، مما يجعله نصاً مفتوحاً قادراً على تأسيس برادايمات حضارية جديدة تتجاوز انغلاق القرون الوسطى.

التنمية، القيم، والذكاء الاصطناعي

يرى الدكتور صابر أن الانحباس في “المجتمع الجميل” للماضي يعطل قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات الوجودية. وقد اجترح رؤية مبتكرة لمفهوم “الغد” في آية “ولتنظر نفس ما قدمت لغد”، معتبراً إياه “الغد الدنيوي” المرتبط بالتنمية، التعليم، والمناخ.

وقدم المؤلف مثالاً تاريخياً عبقرياً هو “وقف الطيور” (دار بلارج) في المغرب، كدليل على تحول القيم الإسلامية إلى مؤسسات تنموية تعنى بالبيئة والكائنات، مما يعكس بصر وبصيرة المسلم تجاه غده المعاش. وفي ظل “السيولة المعلوماتية”، تناول في الندوة أثر الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أنه أداة قد تساهم في “بناء الحياة” إذا شُحنت بقيم الرحمة، أو “صناعة الموت” إذا تحولت إلى خوارزميات صماء تفتقر إلى “الروح والبصيرة” الإنسانية، مما يضع الإنسان المسلم أمام مسؤولية أخلاقية ليكون فاعلاً في هذه التقنية لا مجرد مستهلك لها.

جدل الحضور

ساهمت المداخلات في تكريس مبدأ “النقد المزدوج” (للتراث والحداثة معاً)، مما أثرى الحوار النقدي:

  • إشكالية الأصالة والمعاصرة (أحمد خفاجي): دعا إلى ضرورة البحث عن “نموذج تركيبي” يتجاوز الصدام المفتعل مع الحداثة، مؤكداً أن الإسلام حادث تاريخي يتفاعل مع الواقع.
  • الفعل الإنساني في التاريخ (أشرف): شدد على أن الإنسان هو من “ينطق” النص؛ فالفاعل الحقيقي هو البشر الذين يحرفون المسار أو يستقيمون به، رافضاً فكرة وجود نسخة مثالية معزولة عن الفعل البشري.
  • إشكالية “الإسلامات” والقرآن (د. زينب توجاني): أثارت “حيرة معرفية” تجاه فكرة “القرآن خارج الحضارة”، متسائلة عن إمكانية تقديم قراءة عقلانية كونية تقنع المسلم وغير المسلم، ورد المؤلف بأن الحضارات لا تنطلق من الصفر بل من “نصوص مؤسسة” تعيد صياغة الوجود.
  • تفعيل “الغد” في الوعي الجمعي (د. محمد عيسى): ركز على ضرورة تحويل الخطاب من وعظ يركز على “الآخرة” فقط، إلى بناء المجتمعات كجزء من نيل رضا الله.

استخلص النقاش أن “الحداثة ليست مكتملة” وأن “التاريخ ليس مقدساً”، مما يستوجب تجاوز المركزية الغربية والمركزية الإسلامية المنغلقة نحو أفق إنساني رحب.

نحو برادايم تفكيري جديد

إن الجدوى الاستراتيجية من إعادة قراءة التاريخ الإسلامي في هذه اللحظة الراهنة تكمن في تحرير العقل من “الاستلاب” والارتقاء من إسلام الوراثة إلى “إسلام الفعل”. يدعو الدكتور مولاي أحمد صابر إلى اعتماد “البصيرة” في قراءة النصوص والواقع، والتحلي بالفعل الخلاق بدلاً من رد الفعل العبثي.

التوصية النهائية: يجب الانتقال نحو “خطاب كوني إنساني” يدرك أن الإسلام أكبر من الثقافة العربية وأكبر من التجارب التاريخية المحدودة. إن الخروج من سجن التاريخ نحو آفاق “الاستخلاف الكوني” يتطلب استثمار الذاكرة بروح خلاقة، تجعل من القرآن رسالة للمستقبل تصنع “الإنسان المستخلف” القادر على مواجهة تحديات الألفية الثانية بوعي علمي وأساس أخلاقي متين.

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

لمشاهدة مزيد من ندوات موسم كاتب وكتاب 2026 اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات