القرآن في الأدب العربي ما قبل العصر الحديث 4.. دانيلو مارينو… ترجمة: عماد السعيد
الإعجاز، الاقتباس، التأثير والتحويل.
بعض الملاحظات حول الأدب الهزلي.
للباحث الإيطالي: دانيلو مارينو
ترجمة: عماد السعيد
عماد السعيد

الحلقة الرابعة
4
إذا كانت الاقتباسات القرآنية في الشعر تُعدّ عبئًا ثقيلًا على المؤلف بحيث تدفع الشاعر في أغلب الأحيان، كما رأينا إلى تفضيل التلويح البسيط أو التلميح إلى الكلمة الإلهية، وعلى العكس من ذلك، فإن النثر، يستخدم الاقتباسات القرآنية بحرية. الاقتباس المباشر من كلام الله. وفوق ذلك، ففي حين ظلّ الشعر حتى بعد نزول الوحى خاضعًا زمنًا طويلًا لهيمنة القصيدة الجاهلية، فلم يكن للنثر العربي من نموذجٍ يُحتذى سوى القرآن نفسه. ويعود ذلك أيضًا إلى أنّ كتاب الإسلام المقدّس لا يقدّم نفسه بأيّ حالٍ كنصٍّ شعري، وهو ما يجعله بصورةٍ غير مباشرة أقرب إلى النثر.
وهكذا، وكما لاحظ كلٌّ من وداد القاضي ومستنصر مير يمكن القول، من منظورٍ شكليّ بحت، إنّ القرآن أثّر في النثر العربي أكثر ممّا أثّر في الشعر. فعلى سبيل المثال، يبدأ كلُّ نصٍّ غير منظوم _ من المعاهدات، والرسائل، والخطب، والروايات التاريخية، أو الأحكام الفقهية، فضلًا بالطبع عن كامل الأدب العلمي، سواء الديني منه أو الدنيوي_ بالبسملة، أي الصيغة القرآنية: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، وهي الجملة التي تتصدّر سور القرآن الكريم، حتى إنّ غيابها من افتتاح أيّ نصٍّ نثري كان يجعل ذلك النصّ يُعدّ ناقصًا أو مبتورًا.
وقد استخدم أدب المراسلات، على وجه الخصوص، الاقتباسات القرآنية استخدامًا واسعًا منذ القرنين الأول والثاني الهجريين / السابع والثامن الميلاديين، كما تشهد بذلك البرديات القديمة ورسائل أحد روّاد النثر العربي، عبدالحميد بن يحيى الكاتب (ت. 132-750). وعلى المستوى الأسلوبي، يظهر التأثير القرآني بوضوحٍ خاص في بعض الوسائل البلاغية، مثل: (الازدواج)، وهو تكرار المعنى نفسه في جملتين أو أكثر؛ أو استعمال الألفاظ المتضادّة المتجاورة (التضاد). فضلًا، بطبيعة الحال، عن الإيقاع الموسيقي الذي يميّز النثر العربي. من خلال السَّجْع، أي الكلام الموزون المقفّى، وهو بلا شكّ الإرث الأكثر أهمية وإن كان الأكثر إشكالًا الذي تركه القرآن.
أمّا بالنسبة للمختارات الأدبية والرسائل في شتى الموضوعات غير المرتبطة مباشرةً بالعلوم الدينية، فإن الاقتباسات القرآنية تُستخدم على نطاق واسع، خاصة في المقدمات والخواتيم. ففي الحالة الأولى، تأتي الآيات في صيغة ابتهالات وأدعية، أمّا في الحالة الثانية، فعندما يكون الموضوع حساسًا أو مُشكِلا، فإن الإشارات إلى الكتاب المقدّس يمكن أن تُفهم كنوع من الاستغفار غير المطلوب. وهذا هو حال كتاب راحة الأرواح للبدري الذي يخصص قسمًا مهمًا من عمله لقصائد ونوادر مستوحاة تتناول العلاقة بين الحشيش والمثلية، حتى إنه يقترب أحيانًا من حدود المجون، وهو جنس أدبي موجود أصلًا في الأدب العربي الفصيح. وفي الحقيقة، في إطار تصوّرٍ يقوم على التناظر البنيوي للعمل، فإن ختام النص بإشارات قرآنية تستدعي العفو والمغفرة الإلهية لا يهدف فقط إلى تأكيد -إن كان ذلك ضروريًا- تدين المؤلف وانتمائه الكامل إلى الجماعة والقيم الإسلامية، بل يعني أيضًا الامتثال لقواعد الكتابة النثرية التي غالبًا ما تقوم على بناءٍ دائريّ للنص.
لقد ألمعتُ باختصار في القسم السابق، إلى استخدام الإشارات القرآنية المُنزَعة من سياقها، وإعادة دمجها ببراعة داخل سياقٍ مثل السياق الشعري، حيث إنّ الأثر المُفاجئ الناتج عن التناقض بين الاستعمال المقدّس والاستعمال الدنيوي يولّد لدى القارئ شعورًا بالإعجاب بقدرات الشاعر على نظم الشعر، وفي الوقت نفسه نوعًا من التسلية المرتبطة بالاقتباس، بوصفها تقنية أسلوبية ولعبةً ذهنية بين المؤلف والقارئ. وبالمثل، لم تُغفل المِلح في الأدب العربي ما قبل الحديث تسجيل الحضور الدائم للنصّ المقدّس والدين في الخطاب والحياة اليومية للمسلمين. وذلك من خلال مرآة السخرية والضحك. وكما بيّن أورليش مارزولف أن هذه النصوص لا ينبغي إطلاقًا اعتبارها محاولات للسخرية من النصوص المقدّسة أو من النبي أو من العقائد الإسلامية، وإلا اعتُبرت نوعًا من التجديف. بل على العكس، فإن حضور وانتشار نوادر فكاهية تُدرج إشارات دينية داخل مختارات لفقهاء كبار ذوي نزعة محافظة، مثل ابن الجوزي (ت. 597/1201)، يحملنا على الاعتقاد بأن هذه الممارسة لم تكن محلّ رقابة صارمة أو منع. بل إنّ الأمر يوحي بأنّ الأمر كان مقبولًا إلى حدٍّ كبير، فإذا كانت الفكاهة وسيلةً لمعالجة التوترات الجوهرية في المجتمع وكانت الديانة تُشكّل إطارًا للقيم والسلوك اليومي، فإن الأدب الهزلي الذي يسعى إلى تصوير هذه التوترات مثل الصراع بين الأخلاق الدينية وتجاوز المعايير لا يمكنه الاستغناء عن البعد المقدّس نفسه. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية أكبر على ضوء القيمة التربوية والنموذجية التي تحتلها الفكاهة في الأدب العربي.
ومن جهة أخرى، يُنقل عن النبي نفسه قوله: (روحوا القلوب ساعة فإنها إذا أكرهت عميت) {تنسب هذه المقولة للإمام علي بن أبي طالب وليست للنبي، المترجم}،، أو (من لا يمازح لا يُعتدّ به)، {روي عن النبي: أنا لا أمزح ولا أقول إلا حقا، المترجم}، و(إن أهل الفضل يُسرّون). كما تتفق الروايات على تصوير النبي محمدا كشخصٍ محبٍّ للدعابة، بشوش الوجه، وقد يضحك أحيانًا ضحكًا شديدًا حتى تتبدى نواجذه، كما في هذه الرواية: {جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم – وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان – فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر – والعرق: المكتل – قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذا، فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني: يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه. ثم قال: أطعمه أهلك}.
وفي رواية أخرى، فالنبي نفسه هو من يمزح من سذاجة امرأة مسنة:
{أنَّ امرأةً عجوزًا جاءتْهُ تقولُ لَهُ: يا رسولَ اللهِ ادع اللهَ لي أنْ يدْخِلَني الجنةَ فقال لَها: يا أمَّ فلانٍ إِنَّ الجنَّةَ لا يدخلُها عجوزٌ وانزعجَتِ المرأةُ وبكَتْ ظنًّا منها أنها لن تدخلَ الجنةَ فلما رأى ذلِكَ منها بيَّنَ لها غرضَهُ أنَّ العجوزَ لَنْ تدخُلَ الجنَّةَ عجوزًا بل يُنشِئُها اللهُ خلقًا آخرَ فتدخلُها شابَّةً بكرًا وتَلَا عليها قولَ اللهِ تعالى: إِنَّا أَنشَأْناهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أبْكًارًا عُرُبًا أُتْرَابًا.}. (الواقعة: 35).
إن هذه الأمثلة، التي ستُدمج لاحقًا في مختلف المصنفات والنوادر الأدبية، تُظهر أن الفكاهة ليست غريبة عن الإسلام ولا حتى متعارضة معه، ليس فقط لأن النبي لا ينهى عنها، بل أيضًا لأن القرآن نفسه كما بيّن مستنصر مير، يستخدمها بوصفها تقنية خطابية. فعلى الأغلب، من خلال السخرية والاستهزاء، يسعى النص القرآني إلى تقليل شأن الخصم، وإظهار جهله، وغياب منطقه، أو حتى عجزه أمام الله. وفي حالات أخرى، وفقًا لمير، تعبّر الفكاهة القرآنية عن رؤى دينية معيّنة، وتوضّح تعاليم لاهوتية، أو تعمل كعنصرٍ في إبراز السمات.
وعلى أي حال، وكما يلاحظ أورليش مارزولف، فإن الإشارات الكتابية في النوادر العربية ما قبل الحديثة تنقسم إلى نوعين: من جهة، الإشارة إلى القرآن بكليّته دون تحديد آية أو سورة، ومن جهة أخرى الإحالة إلى آية بعينها. وقد يكون مصدر الاقتباس شخصية يُراد إظهار غبائها أو سذاجتها أو عبثيتها، أو على النقيض من ذلك، لإبراز دهائها وذكائها. وفي كلتا الحالتين يكون البعد الفكاهي شديد الحضور.
وينتمي إلى النوع الأول عدد من النوادر التي يُساء فيها فهم كلام الله أو يُحرَّف معناه، أو يظنّ بعض الأشخاص أنهم المقصودون بالخطاب الإلهي، كما في هذه القصة: {في عهد المأمون، ادّعى رجلٌ النبوة، فلما مثل أمام الخليفة سأله: ما آيتك؟ وما دليل نبوّتك؟ فأجاب: القرآن. إن الله العزيز يقول: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (110:1)، واسمي هو الفتح. فقال المأمون: هل هذا خاص بك وحدك أم يشمل كل من اسمه الفتح؟ فقال الرجل: وعندما قال الله في كتابه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ هل كان يقصد محمدًا وحده أم كل من اسمه محمد؟ فضحك الخليفة وأمر بتوبته ثم صرفه}.
{بدويٌّ يُدعى مُجرما كان أعرابي يُدعى “مُجرِما” يصلّي في الصف الأول، فقرأ الإمام: المرسَلات حتى وصل إلى قوله: {ألم نهلك الأولين} فتأخر البدوي إلى الصف الآخر، فقال {ثم نُتبعهم بالآخرين}، فرجع إلى الصف الأوسط، فقال: {كذلك نفعل بالمجرمين} فولى هاربا وهو يقول: ما أرى المطلوب غيري}.
{سرقَ أعرابيٌّ صرةً فيها دراهم، ثم دخل المسجدَ يصلي وكان اسمُه موسى فقرأَ الإمامُ قولَه تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}.. فقال الأعرابيُّ: والله إنّك لساحر! ثم رمى الصرّةَ وخرج هاربًا}
{سرق أعرابي غاشية سرج، فدخل مسجدا فقرأ الإمام: {هل أتاك حديثُ الغاشية}، فقال: اسكت قد دخلت في الفضول، فقرأ الإمام {وجوه يومئذ خاشعة}، فقال ها هي غاشيتكم، فلا تخشعوا وجهي}.
{صلى رجل بقوم فأخذ يردد {قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن مَعِي} فقال أعرابي: أهلكك الله وحدك}
وكما يتضح من هذه الأمثلة، فإن الأعراب يشكّلون فئةً خاصة. فإذا كان يُشاد في التراث العربي بنبلهم وشجاعتهم، وبخاصة بتمكنهم العميق من اللغة العربية، فإنهم في المقابل يُعدّون من أبرز الصور النمطية في الأدب الهزلي، أيضًا في ضوء الموقف القرآني الملتبس منهم، كما يتضح من هذه النوادر الشهيرة:
{سمع أعرابيٌّ قوله تعالى عنهم: ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾ (التوبة :97) فامتعض، ثم سمع: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله﴾ فقال: الله أكبر! هجانا الله ثم مدحنا في الوقت نفسه}، وكذلك فعل الشاعر حيث يقول:
هجوت زُهير ثم إني مدحته وما زالت الأشراف تُهجى وتُمدح
وتوجد فئة أخرى من الحكايات، جُمعت في أقسامٍ خاصة ضمن المختارات الأدبية في العصور الوسطى، تتعلق بأخطاء القراءة الواعية أو غير الواعية للقرآن، سواء من الأطفال أو من الجهّال، بل وحتى من بعض المتدينين:
{حدّثني بعض العلماء أن رجلا مغفلا نظر في المصحف فقال: قد وجدتُ فيه غلطتين فقمتُ فأصلحتهما، قالوا: وما هما؟ قال: ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾، قال: هذا غلط، إنما يجب أن يكون: كل (بناء وجصاص)}
والأخرى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، إنما هي: (والجبن والزيتون).
{قال رجلٌ لابنه وهو في الكتب: في أيّ سورة أنت؟
قال في: «﴿أقسم بهذا البلد ووالدي وما ولدِ﴾، فقال أبوه لعمري من كنت ابنه فهو بلا ولد}.
و{عن محمد بن خلف قال: مر رجل بإمامٍ يصلي بقوم فقرأ: ألم غلبت الترك، فلما فرغ قلت: يا هذا، إنما هو {غلبت الروم}، فقال: كلهم أعداء، لا نبالي من نذكر منهم}.
وفي مجموعة أخرى من الروايات، يُجعل بيتٌ شعريّ عاديّ وكأنه آية قرآنية، في نوعٍ من المحاكاة الساخرة لكلام الله:
{ونبأنا في هذا المعنى رجلا قدم ابنا له إلى القاضي: ما تقول يا غلام فيما حكاه أبوك عنك؟ قال: يقول غير الصحيح، إني أصلي ولا أشرب الخمر، فقال أبوه: أصلح الله القاضي، أتكون صلاة بلا قراءة؟ فقال القاضي: يا غلام تقرأ شيئا من القرآن؟ قال: نعم وأجيد القراءة، قال: اقرأ، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم:
علق القلب ربابا بعد ما شابت وشابا
إن دين الله حق لا أرى فيه ارتيابا
فقال أبوه: والله أيها القاضي ما تعلم هاتين البيتين إلا البارحة، لأنه سرق مصحفا من بعض جيراننا، فقال القاضي: قبحكم الله، أحدكم يقرأ كتاب الله ولا يعمل به}.
وفي روايةٍ أخرى من القصة نفسها، شهد أعرابي عند أمير فقال المشهود عليه كيف تقبل شهادته وهو لا يحسن شيئا من القرآن فالتفت إليه وقال اقرأ، {عندها أجاب الرجل بآيةٍ من عندياته ونسبها إلى القرآن فقال:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
فقال الأمير إنها آية محكمة وليست من الآيات المتشابهة كما تصفها التفسيرات الكلاسيكية. وبغضّ النظر عن الطابع التكراري والتعريفي في مضمونها وهو أمر لا يخلو منه أحيانًا النص القرآني نفسه، فإن موسيقى هذا البيت تقوم على تكرار ألفاظ تنتمي إلى الجذر نفسه (ب_ ن _و)، وهو أسلوب قريب من الأسلوب القرآني، كما في قوله تعالى: الآية، ونصّها: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ}، (النور: 31).
أما فيما يتعلق باستخدام النصّ المقدّس من قبل شخصياتٍ ماكرة، فقد لاحظ مارزولف، أنّ أمثلة هذه الفئة محدودة نسبيًا مقارنةً بالأمثلة الكثيرة من الأنماط السردية التي تمّ تحليلها حتى الآن. فإذا كان الاستناد إلى سلطة الكتاب المقدّس في الفئة السابقة يُعدّ علامةً على الحمق _ وهو مفهوم ينعكس اشتقاقيا في أصل كلمة (أحمق، أبلَه) _ مما يعني أيضًا معرفةً ناقصة بالنصوص المقدّسة، فإن في المقابل، فإنّ المحتالين بوصفهم ماكرون بارعين يستشهدون بالقرآن عن وعيٍ كامل لتحقيق غايةٍ محدّدة. وبهذا يتمّ قلبٌ رمزيٌّ واضح، إذ لا يُبرز ذلك فقط مهارتهم البلاغية في اختيار آيةٍ معيّنة وتكييفها في سياقٍ محدّد – وهي مهارة تقرّبهم من براعة الشعراء الذين يُدرجون المقاطع القرآنية داخل قصائدهم – بل تؤكّد أيضًا امتلاكهم الجيّد للنصوص المقدّسة.
فعلى سبيل المثال، في حكايةٍ مشهورة، نجد شخصًا طفيليا وهو من أولئك الذين يتقنون حِيَل الأكل دون دفع ثمن معروفًا بخبرته في شؤون الطعام، دُعي يوما إلى بيت بعض الأصدقاء لإعداد طبقٍ لذيذ هو العصيدة. وقد قُدِّم الطبق في صحنٍ واحد تتوسّطه كمية من السمن المذاب. فبدأ الضيوف يتنافسون فيما بينهم على من يستطيع الوصول إلى أكبر قدر من السمن، عبر حفر قناةٍ صغيرة في العصيدة بأصابعهم، بحيث يُوجِّهون السائل الثمين نحو جهتهم الخاصة من الطبق…فأخذ أحدهم لقمةً، وغمسها في السمن وقال: {فكبكبوا فيها هم والغاوون} الشعراء :94.
وجر إليه السمن، وقال الآخر: إذا ألقوا فيها {سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا} الفرقان:12:
وجرّ السمن إليه، فذهب، قلت {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} الحج:45. وخرقت السمن إلي، فقال الآخر: {قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا} الكهف:71. وجر السمن، فقلت: {أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} السجدة: 27. وخرجت السمن إلي، فقال آخر: {فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ} الرحمن: 66. وجر السمن إليه، فقلت أنا: {فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ} الرحمن :50. وخرقت السمن إليّ، فقال آخر: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} القمر:12، وجر السمن إليه، فقلت أنا: {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} فاطر:9، وخرقت السمن إليّ، فلم أرَ أحدا يتكلم، فقلت أنا: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} هود:44. وخلطت السمن بما بقي من العصيدة، فضحكوا، واختنق واحد منهم، فما زالوا يلطمونه حتى نزلت اللقمة، والحمد لله على سلامته كثيرا.
في حكايةٍ أخرى يُستعملُ فيها نصٌّ قرآني للتأكيد على أن حلوى معيّنة وهيّ في هذه الحالة الفالوذجة وليست حُلوة بما فيه الكفاية: {أهدى رجلٌ إلى إسماعيل الطالبي فالوذجة قديمةً قد زنخت، وكتب معها إني اخترت لعملها سكر السوس والعسل الماذي والزعفران الأصفهاني، فكتب إليه: برئت من الله إن كانت هذه الفالوذجة قد عملت قبل أن يوحي ربك إلى النحل}.
وفي هذه الحكايةٍ الأخرى الطويلة، تُستخدم الآيات القرآنية التي تتضمن أعدادًا لحثّ الآخرين على الحصول على نصيبٍ إضافي من حلوى تُسمّى اللوزينج:
فقلتُ: ﴿فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ البقرة:163 فأطعمني واحدة؛
قلتُ: ﴿إذ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ (يس:14 فأطعمني ثانية؛
قلتُ: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ (يس:14 فأطعمني ثالثة؛
قلتُ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ (البقرة:26) فأطعمني رابعة؛
فقلتُ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ المجادلة:7، فأطعمني خامسة؛
فقلتُ: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الكهف:22، فأطعمني سادسة؛
فقلتُ: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ﴾ (الملك: 3، فأطعمني سابعة؛
قلتُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الأنعام:143، فأطعمني ثامنة؛
قلتُ: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ النمل:48، فأطعمني تاسعة؛
قلتُ: ﴿عَشَرَةُ كَامِلَةٍ﴾ البقرة:196، فأطعمني عاشرة؛
قلتُ: ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ يوسف:4، فأطعمني أحد عشر؛
قلتُ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ التوبة:36، فأطعمني اثني عشر؛
قلتُ: ﴿إن يكن منكم عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ الأنفال:65، قال: فرمى بالجام إليّ، وقال لي: كل يا ابن البغيضة، قلت: والله لو لم ترمِ إلىّ بالجام لقلت لك: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ أُمَّةٍ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ الصافات:147.
وفي بعض الحالات قد يكون استخدام الآيات القرآنية شديد الوقاحة، بل يصل أحيانًا إلى حد الابتذال الفاحش، كما في هذه الحكاية الواردة في كتاب نثر الدرّ للآبي:
أهدى أبو علي البصير إلى أبي العيناء كيرينجات، وكتب عليها: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (46) [الحجر : الآية 46] فردّها وكتب عليها: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها [القصص : الآية 13].
وكما لاحظت فدوى مالتي دوجلاس، فإن هذه النصوص رغم اعتمادها على مستويات مختلفة من التشابه الدلالي مع النصّ القرآني، تبدو جميعها وكأنها تستخدم القرآن بهدف إضفاء قوةٍ أكبر على المقاصد السردية وتحقيق غاياتها، ومنها إشباع رغبات الطفيليين والجشعين. وبعبارة أخرى، لا يبدو أن هناك تداخلًا دلاليًا حقيقيًا بين النصّ القرآني والسياق القصصي، بل مجرد إعادة توظيف وتأويل للنصّ المقدّس داخل سياقٍ أدبي ساخر.
5
على نقيض استخدام القرآن في الأدب الجاد، ولا سيّما في النثر غير الأدبي، حيث لا يترك سياق المرجع المقدّس مجالًا لتأويلات بديلة لكلمة الله، فإن النوادر وجزءًا من الشعر الهزلي أيضًا لا تهدف، رغم ما قد يبدو، إلى النيل من قدسية النصوص، بل تقدّم، ضمن لعبة التناص وإعادة التوظيف، أشكالًا من التكييف أقلّ حصرًا وأكثر تركيبًا تتجاوز حدود الاقتباس البسيط. فإذا كان الأدب، من جهة، يخفّف من الطابع العقائدي للنصّ المقدّس ويعيده إلى طبيعته الأصلية كأداة محضة أو كلمة خالصة بحسب تعبير أغامبن، فإنه من جهة أخرى، يعزّز أيضًا طاقته التواصلية ويُبرز طابعه الكوني، ويُظهر أنّ الكلمة الإلهية، إلى جانب بعدها الرمزي والمقدّس، قادرة أيضًا على حمل معانٍ أخرى وإنتاج صورٍ متعددة.
وبعبارة أخرى، فإنّ الاقتباس القرآني المُنزَع من سياقه يُعيد إلى الاستعمال الأدبي المشترك شيئًا كان النصّ المقدّس قد خصّه بوظيفةٍ مخصوصة، أي الكلمة ذاتها وبهذا المعنى وبذلك، ومع هذا الاستخدام، تستعيد اللغة شيئًا كانت الديانة قد سلبته من الإنسان. وهنا يتضح معنى ما يسميه جورج أغامبن بـالتدنيس، أي العملية التي لا تهدف فقط إلى إعادة الاستعمال المشترك لكلمةٍ انتزعتها الديانة من تداولها الطبيعي، بل إلى حمل هذه الكلمة إلى استعمالٍ جديد بعد تفريغها من معناها المقدّس ومن الروابط التي تُخضعها لغرضٍ محدّد (التدنيس لا يعني محو الحدود أو إلغائها، بل تعلّم كيفية استعمالها بطريقة جديدة، والتلاعب بها). ومع ذلك، حتى بعد هذا التدنيس الذي يعيد للإنسان حقّه في استعادة الكلمة، يبقى شيء من المقدّس حاضرًا بإصرار. وهذا التذكّر للمرجع النبيل، وهذا الانزياح من القداسة، هو ما يشكّل جوهر هذه النصوص، والنقطة الحاسمة التي بدونها لا يتحقق ذلك الأثر المفاجئ والمُربك المميّز للفكاهة.
إنّ عقيدة إعجاز القرآن، إذ تفترض مسبقًا عجز الإنسان عن إدراك بلاغة النصّ المقدّس، قد رسّخت فصلًا واضحًا بين جمالية الخطاب البشري (الشعر) وجمالية الخطاب الإلهي الذي لا يُجاري (القرآن). ومع ذلك، فإن هذه العقيدة نفسها هي التي تتيح على نحو مفارق وجود إشارات قرآنية صريحة في السياق الأدبي. وكما يوضح التنسي في كتابه نظم الدر كما ينقله فان غيلدر، فإن الاقتباسات القرآنية المدرجة في النثر أو الشعر قد تشبه النصّ المقدّس، لكنها في الواقع لا تُفهم على أنها مقاطع قرآنية بالمعنى الحرفي. وعلى العكس، لو اعتُبرت هذه الإشارات آياتٍ مقدسة فعلًا، فإن أي تغيير في الشكل أو المضمون أو السياق يقوم به شاعر أو كاتب كان سيؤدي به حتمًا إلى تهمة الكفر. ومع ذلك، فإن الحرية التي تعامل بها الأدباء مع الآيات توحي بأن الخط الفاصل مهما كان دقيقًا بين الاقتباس والنصّ غير القابل للمحاكاة كان واضحًا تمامًا لدى المؤلفين والجمهور على حدّ سواء. بذلك يكون هذا الخط الفاصل واضحًا لدى المؤلفين والجمهور على حدّ سواء.
ومع ذلك، فإنّ ذلك الحيّز الذي يحدّده مبدأ إعجاز القرآن، والذي يؤكد استحالة بلوغ نموذجه، يبدو في الوقت نفسه المجالَ الأكثر ملاءمةً لظهور السخرية والمحاكاة الساخرة. إذ تهدف هذه الأخيرة، في الواقع، إلى “إرباك الحدّ الفاصل بين المقدّس والدنيوي وجعلُه غير قابل للتمييز على نحوٍ دائم”. هذا البقاء المتشبّث عند الحدّ الفاصل، في فضاءٍ مجاور، لا يسمح للسخرية باستقلالية تامة بأن لا تُعيد تمثيل النموذج مباشرة، بل أن تكتفي في المقابل بتأكيده ضمنيًا عبر التحويل والانزياح. فخلافًا للمحاكاة التي هي محض تخييل، تعتمد السخرية على إعادة النص بشكل هزلي، وعلى {استحالة قدرة اللغة على بلوغ الشيء أو استحالة أن يجد الشيء اسمه الخاص}.
الملخص
منذ ظهور القرآن، ظلّ يؤثّر في الحياة اليومية للمسلمين، حيث يُحفظ النصّ المقدّس عن ظهر قلب، وغالبًا ما تُقاس درجة التديّن بمدى القدرة على تلاوة القرآن والاستشهاد به. تتناول هذه الدراسة العلاقة المعقّدة بين الأدب العربي قبل الحديث والقرآن الكريم. أولًا، تعرض الدراسة النظريات المتعلقة بعقيدة إعجاز القرآن؛ وثانيًا، تبحث في الملاحظات الواردة حول الشعر والشعراء في النصّ القرآني وفي الحديث النبوي؛ وأخيرًا، تحلّل استخدام الاقتباسات والإشارات القرآنية في الأدب الهزلي العربي في العصور الوسطى.
انتهى.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد