الكتابة فعل حياة ومقاومة… باسم خندقجي في حواره مع نهلة هنّو… الجزء الأول

قناع بلون السماء
حوار مع الكاتب الفلسطيني والأسير المحرر باسم خندقجي.

بقلم: نهلة هنو

nah-21-1-3 الكتابة فعل حياة ومقاومة... باسم خندقجي في حواره مع نهلة هنّو... الجزء الأول

نهلة هنو: الحقيقة أنه مهما حاولت التعبير عن سعادتي، فلن أستطيع، فضيفنا اليوم هو الأديب الفلسطيني الحاصل على جائزة البوكر للرواية العربية، باسم خندقجي. سعادتي وامتناني له لأنه خصص لنا هذا الوقت الثمين.

باسم خندقجي: تسلمي، شكراً لك.

نهلة: لاحظت على صفحته أنه كان في زيارة للإسكندرية مؤخراً. وكإسكندرانية أصيلة، أقول لك: إسكندرية نورت.

باسم: والله منورة فيكم، حبيبتي.

نهلة: قبل أن نبدأ، وبعد إذنكم، اسمحوا لي أن أنتهز هذه المناسبة، فصالون تفكير يمر عليه خمس سنوات، وندوتنا اليوم هي الندوة الأولى في موسم ثقافي يستضيف أربعة عشر كاتباً وكاتبة لمناقشة أعمالهم. فأطلب من مؤسس الصالون، والدينامو الذي يقف وراء استمراره ونجاحه، الصديق جمال عمر، أن يحدثنا بإيجاز عن الصالون وأنشطته القادمة.

جمال عمر: أولاً يا باسم، كون إسكندرانية ترحب بك فهذا أمر عظيم، لأن الإسكندرانية معروف عنهم أنهم يعتبرون أنفسهم فئة خاصة. أشكر نهلة على جهدها، والندوة اليوم كلها من ترتيبها، وأشكر الأستاذ باسم خندقجي على حضوره، وأشكر الحضور الكريم.
صالون تفكير هو مجموعة على فيسبوك تأسست منذ خمس سنوات، نحن الآن في الشهر الأول من السنة السادسة، ويبلغ عدد أعضائها حوالي ثلاثة آلاف ومائة عضو وعضوة موزعين حول العالم. تتضمن أنشطتنا الثقافية ندوات، وأكاديمية تفكير، ومسرح تفكير، ونادي كتاب تفكير، وأنشطة أخرى متنوعة.
الفكرة هي تكوين مجتمع ثقافي. أقمنا العام الماضي خمسة وستين فعالية ثقافية، وفي عام 2024 نظمنا اثنين وسبعين فعالية. اليوم نبدأ موسم ندوات يتضمن اثنين وعشرين ندوة في شهر ونصف. أشكر نهلة مجدداً، وأرحب بباسم، وأهنئه على حريته، وأشكر إيمان رفاعي، الدينامو الآخر التي تنظم وتصمم بوسترات الندوات. شكراً جزيلاً، وأهلاً بكم.

نهلة: شكراً يا جمال. سينقسم اللقاء إلى ثلاثة أجزاء: نبدأ بسيرة مختصرة لضيفنا، ثم حوار معه، وأخيراً نفتح المجال لأسئلة الحضور.
عادة نبدأ بسيرة الضيف يلقيها مدير اللقاء، لكني سأطلب من باسم أن يحدثنا عن نفسه.

باسم: لا أحب التحدث عن نفسي، لكن أولاً أشكركم على إتاحة هذه الفرصة لي، وأعتذر عن الظرف الطارئ الذي دفعني لتأخير الحضور. رغم ذلك، أنا سعيد بوجودي معكم. نهلة، أشكرك وأشكر جمال والجميع الذين ساهموا في حضوري معكم اليوم.
أنا باسم خندقجي، أسير فلسطيني محرر بفضل صمود أهل غزة ومقاومتهم. قضيت في سجون الاحتلال الصهيوني أكثر من عشرين عاماً. أنا من مدينة نابلس في وسط فلسطين، وحاصل على ماجستير في الدراسات الإسرائيلية، ونلت هذه الشهادة وأنا داخل المعتقل. كتبت العديد من المقالات، والروايات، ودواوين الشعر، إلى أن استقررت على كتابة الرواية. وها أنا اليوم أحيا في الحرية، وإن كانت حرية منقوصة، بعيداً عن فلسطين، لكنني أشعر بالدفء وهذا الاحتضان الرائع من الشعب المصري الذي أعتبره شعبي الأصيل، ومصر هي وطني الثاني. شكراً.

نهلة: منور مصر يا باسم. سأبدأ فقرة الأسئلة الآن، وحاولت فيها أن أبتعد قدر الإمكان عن الموضوعات التي ناقشتها في لقاءاتك السابقة، وخصوصاً لقاءك مع رباب المهدي، الذي غطى مواضيع كثيرة، وأنصح كل الحاضرين بمشاهدته إن لم يكونوا قد فعلوا.
سأبدأ معك من علاقة الكتابة بالأسر. حالياً ألخص كتاباً رائعاً بعنوان “بابايروس” أو “البردي”، للكاتبة الإسبانية إيريني فاليخو، وتتناول فيه مراحل اختراع الكتابة ورحلتها عبر التاريخ. هناك قصة في الكتاب ذكرتني بك، عن مترجم هولندي اسمه نيكولاس روست، كان سجيناً في معسكرات النازية بهولندا. كنوع من المقاومة للجوع والتعذيب والخوف، قام بعملين: كتابة مذكراته اليومية رغم صعوبة الحصول على مستلزمات الكتابة، وتأسيس نادي كتاب لمجموعة من السجناء. هل فيما فعله هذا الرجل أي شبه بتجربتك؟

باسم: أشكرك على هذا السؤال. قبل فترة كنت أقرأ كتاب “أليس هذا إنساناً؟” لبريمو ليفي، الناجي من محرقة أوشفيتز، وهو يهودي إيطالي. يسلط الكتاب الضوء على معاناة الأسرى تحت الوحشية النازية. لم أكمل الكتاب لأنني شعرت أن بريمو ليفي يتحدث عني، وكما أشرتِ إلى ذلك الكاتب الهولندي، فأنا أشبهه تماماً.
في المعتقل الصهيوني، تنتهج سلطات الاحتلال سياسات تهدف إلى قتل إنسانية الأسير الفلسطيني وتفكيك ملامحه الإنسانية، من خلال حرمانه من الأقلام والأوراق والكتب. وبهذا تصبح الكتابة، كما أقول دائماً، فعلاً للحياة، وفعلاً للصمود، وفعلاً للإرادة، وفعلاً لاستعادة الإنسانية. البحث عن قلم داخل الأسر هو بحد ذاته عملية بطولية، وكذلك إخفاء الأوراق والكلمات، والحفاظ على الكتب. لأن هناك مطاردة حقيقية من السجان للسجين، وهذا السجان يطمح إلى تحويل الفلسطيني من إنسان إلى حيوان، إلى كائن لا يمتلك أدنى مقومات الإنسانية. وهذا السجان يعتقد أن امتلاك الفلسطيني للأوراق والكلمات سيشكل تهديداً لخطابه اللاأخلاقي. أنا لا أهدد حياة هذا السجان عندما أكتب، لكنني أهدد مفهومه وقيمه وهذه المنظومة الفاشية التي تمارس وحشيتها بحق الأسرى الفلسطينيين. من هنا، فإن الكتابة هي خلاص وتحرر وحياة، وإن كانت كتابة مجازية تحتمل الخيال والاستعارات.

نهلة: روايتك الفائزة بجائزة البوكر، “قناع بلون السماء”، بطلها الفلسطيني نور، ينتحل شخصية أور الإسرائيلي. هناك ثلاث ظواهر رصدها مفكرون وأدباء: ظاهرة الوعي المزدوج التي تحدث عنها دبليو إي بي دو بوا، حيث يرى الأمريكيون السود أنفسهم من منظورين: نظرتهم هم لأنفسهم ونظرة البيض لهم. ثم ظاهرة “الباسينغ” أو التظاهر في الأدب والسينما الأمريكية، حيث يتظاهر بعض السود ذوي البشرة الفاتحة أنهم بيض هرباً من العنصرية. وأيضاً كتاب فرانز فانون “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”، عن تبني السود أحياناً للقناع الأبيض المتمثل في الثقافة والقيم الأوروبية. هل ترى تشابهاً بين أثر الاستعمار على السود وأثر الاستعمار الصهيوني على الفلسطينيين؟

باسم: يجب أن نضع النظام الصهيوني في سياقه الاستعماري، فالتعامل مع إسرائيل كدولة احتلال فقط هو تبسيط مخل. ما يجري في فلسطين منذ نكبة 1948 هو كينونة كولونيالية استعمارية صهيونية، تطورت إلى نظام هجين. الفلسطيني في هذا السياق يُنتج ككائن استعماري مشوه، لم يولد ولادة طبيعية كفلسطيني، بل وُلد مشوهاً من هذا الرحم الكولونيالي. لذلك هناك أسير، شهيد، معتقل، مبعد، جريح، مطارد، لاجئ، نازح. كل هؤلاء، بما فيهم أنا اليوم، كائنات مشوهة، ولا يمكننا إزاحة هذا التشويه إلا من خلال إعادة تطوير فرديتنا الإنسانية، ومن خلال المقاومة بكافة أشكالها.
كما يقول فرانز فانون، يصبح العنف بهذا المعنى عنفاً ثورياً في سبيل التطهر واستعادة الإنسانية. ربما اعتمدت رؤى فانون في هذا الجانب وطورتها أدبياً. نور الشهدي يختلف عن الأسود في أمريكا أو الفئات المضطهدة في العالم. نور يعتمد القناع كتقنية لمواجهة الآخر. في البداية، اعتمد القناع كتماهٍ للوصول إلى معلومات عن مريم المجدلية، لكنه يستخدم القناع لاحقاً كسلاح وأداة لاختراق البنية الصهيونية. كما أن نور يتمتع بملامح أشكنازية، عيون زرقاء، شعر أشقر، بشرة بيضاء، مما يجعله يشبه الأشكنازي الأبيض المهيمن على قمة الهرم الصهيوني. لديه تقنيتان مزدوجتان: تزوير بطاقة هوية صهيونية، وملامحه التي تسمح له بالتحرك بحرية في العالم الاستعماري، حيث يكتشف أن هذا العالم يتعامل وفق الملامح، فإذا كنت أبيض تمر، وإذا لم تكن أبيض لا تمر. وهذا ما يعانيه أيضاً الصهاينة من شرائح مختلفة، مثل اليهود الشرقيين، والإثيوبيين، والهنود، واليمنيين، والمغاربة.
نور يكتشف هذا الأمر ويحاول تسليط الضوء على هذه الملامح الصهيونية البشعة، حتى يصل إلى إجابته الحقيقية: هويته الفلسطينية الأصيلة، التي يجدها من خلال سماع إسماعيل، بطلة الرواية. في ختام الجزء الأول، يلقي نور بالهوية الصهيونية كمنظومة للسيطرة الثقافية والسياسية والاجتماعية. يختلف الأمر هنا عن “أبناء العم توم” في السردية الأمريكية، لكن نضال السود في الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا يتضامن مع نضال الفلسطينيين، لأن المستعمر يستخدم ذات الأدوات، وأخطرها الأداء الثقافي والفكري الذي يمكنه من تفكيك إنسانية الآخر ومحوها دون تردد.

نهلة: ذكرت أن نور لجأ إلى هذه الحيلة لتسهيل وصوله إلى معلومات عن مريم المجدلية. لماذا اخترت مريم المجدلية بالذات؟

باسم: قد تكون مريم المجدلية هي القناع الأساسي في الرواية، وليس قناع نور. قد تكون القناع التاريخي الذي لجأت إليه ككاتب، وهنا تتجلى الحيلة السردية. يتحول الإطار التاريخي للنص إلى تقنية لجذب القارئ. مريم المجدلية، عبر التاريخ الثقافي والسردية الإنجيلية والدينية المسيحية، كانت شخصية حاضرة غائبة، وتعرضت للاضطهاد الذكوري والبطريركي من التيار الرئيسي داخل المؤسسة الإنجيلية في السياق الغربي والأوروبي.
أحاول من خلال الولوج في التاريخ إعادة الاعتبار لهذه الشخصية في سياقها الكنعاني الفلسطيني، وإعادتها من غياهب الاستعمار الغربي الذي اعتاد سرقة تاريخنا وآثارنا وتراثنا. مريم المجدلية، رغم أبعادي الكونية في الأدب، هي امرأة كنعانية فلسطينية، وليست أوروبية. كثيرون في العالم الأول سيصدمون حين نقول لهم إن مريم المجدلية كنعانية فلسطينية، وإن المسيح كان يتحدث الآرامية ويتجول في القدس وبيت لحم ونابلس، وإن يسوع هو ابن الناصرة الجليلية، أي فلسطيني.
كما طوروا مفهوم الاستشراق ببعده الاستعماري على لسان إدوارد سعيد، سرقوا رموزنا وحوروها وزيفوا رؤانا وأفكارنا، ومثلوها في السرد والدراما والسينما والمسرح. أسعى ككاتب ومثقف مشتبك إلى انتزاع شخصية مريم المجدلية وإعادة توطينها فلسطينياً، مع بعد كوني لا يدعي الانغلاق أو الفئوية أو العنصرية. وأعيد تأنيث مريم المجدلية، وأعيد إليها أنوثتها ورؤيتها النسوية للعالم. الهوية بالنسبة لي هي هوية أنثوية بالأساس، لأن المجتمعات البدائية كانت مجتمعات أنثوية، ولم تكن فيها حروب ولا نزاعات. قد تكون نظرة طوباوية، لكنني أتعامل مع نفسي كمثقف وكاتب ومناضل على أن هذه الهوية أنثوية بطبعها.

نهلة: من كلامك، ذكرت إدوارد سعيد ومريم المجدلية كأنثى، وشخصية سماء إسماعيل التي تؤكد عروبتها. هي فلسطينية تعيش تحت الاحتلال، وكامرأة تواجه ضغوط المجتمع الذكوري الفلسطيني والإسرائيلي، ومع ذلك رسمتها كشخصية تعبر عن الصمود والشموخ. ماذا تمثل المرأة عندك، خاصة بعد 20 عاماً في مجتمع ذكوري؟

باسم: لا أتعامل مع المرأة كنصف الرجل، بل هي المكمل، هي الأساس. في المعتقل، كان مجتمعنا ذكورياً أبوياً، وكنا نعاني من الفقدان الذي يستطيع ترويض هذه الذكورية وتأنيس بطولة المناضل والأسير، لأن البطولة تنزع عنا أحياناً. مطلوب منا أن نكون صناديد وأصناماً ومناضلين، لكنني هربت من هذا الواقع الذكوري ولجأت إلى النص، وكان النص أنثوياً بامتياز. ستلاحظين في مجمل أعمالي أن المرأة حاضرة، والشخصية المركزية في النص هي المرأة، كبعد هوياتي وإنساني ووطني.
سماء إسماعيل، رغم تواضع دورها، تمثل الخلفية للنص بأكمله، وهي الوجه الآخر المعاصر لمريم المجدلية. سماء هي الحاضر الغائب في الخطاب الوطني الفلسطيني، لأنها تنتمي إلى الأقلية الفلسطينية التي صمدت في أرضها منذ نكبة 1948، وهؤلاء هم من يمتلكون القدرة على إعادة ترميم الهوية الوطنية. نور يلجأ في نهاية الجزء الأول إلى سماء إسماعيل كهوية وبوصلة، وهي لا تقدم الإجابة، لكنها تفتح الطريق. وهذا يتجلى في الجزء الثالث من الثلاثية، “فراشات مريم الجليلية”، حيث الشخصية المركزية هي فتاة فلسطينية من الداخل المستعمر منذ 1948.

نهلة: عنوان الكتاب “قناع بلون السماء”، أول إيحاء هو أن السماء زرقاء وبيضاء كعلم إسرائيل، لكن مع الرواية اكتشفت شخصية سماء، فاخترت لها هذا الاسم. هل كنت تلعب بالأسماء بهذه الطريقة؟

باسم: أنا مفتون باختيار الأسماء والعناوين. إذا لم يكن العنوان واضحاً منذ البداية، لا أستطيع الكتابة. الأسماء لها سحر خاص، وبعد دلالي وسيميائي يقودنا نحو النص. اختيار اسم إسماعيل لم يكن عبثاً، فهي حفيدة إسماعيل ابن إبراهيم، المضطهد والمظلوم دوماً. وسماء ترمز إلى الأفق الأوسع، إلى الكونية والفضاء الواسع بلا حدود ولا عنصرية.
العنوان لم يكن كذلك في البداية، كان “شياطين مريم المجدلية”، لكن دار النشر فضلت التغيير خوفاً من كلمة شياطين. تغيير العنوان أخذ مني ساعتين، ركضت في السجن حتى اهتديت إليه. السماء تحتمل معنيين: الأبيض والأزرق، ألوان العلم الصهيوني، وترمز أيضاً إلى تهميش الفلسطيني وإبعاده عن المتن المقدس للصهاينة، أي صهيَنة التوراة وتحويلها إلى كتاب غضب وعنف. نور يرتدي هذا القناع، ثم يلقيه، فهو يريد سماء أخرى أوسع وأرحب، لا تمطره بالصواريخ والقذائف والموت.

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

لمشاهدة مزيد من ندوات كاتب وكتاب 2026 اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات