القناع والمواجهة: باسم خندقجي في حوار مع نهلة هنّو

الجزء الثاني: القناع والمواجهة

بقلم: نهلة هنو

nah-21-1-3 القناع والمواجهة: باسم خندقجي في حوار مع نهلة هنّو

نهلة: شخصية مراد في الرواية، وهي أقرب شخصية لك، الأسير الفلسطيني. في فقرة يلوم فيها صديقه نور لانشغاله بقضية مريم المجدلية وإهماله قضايا معاصرة، ويقول على لسان محمود درويش: “الكتابة كثافة”. ما معنى هذه المقولة؟

باسم: في السجن، كنت أعيش حالة من الكثافة في كل شيء، لأنني كنت في ملاحقة ومطاردة دائمة مع السجان. وهذا يتطلب تركيزاً وتكثيفاً. عندما كنت أكتب، كنت أشعر أنني أكتب لآخر مرة، وقد يصادر السجان كلماتي أو روحي أو يقتلني. فاعتمدت الكثافة والتركيز في نصوصي. شخصية مراد هي صوتي السري ككاتب، وليس فقط ككاتب، بل تحاول لعب دور الموجه وناقوس الخطر لنور.

في بداياتي، كتبت روايات تاريخية مثل “مسك الكفاية”، التي انشغلت بقصة الخيزران، أم هارون الرشيد، وكانت بعيدة عن اشتباكي مع الواقع، رغم أنها ترمز لفلسطين في اللاوعي. لكنني انتبهت أن انهماكي في التاريخ وابتعادي عن همومي الوجودية كفلسطيني يتطلب مواجهة الواقع المعاصر والاشتباك معه. هذا ما حاولت التحذير منه من خلال صوت مراد، الذي يوجه نور ليصبح مثقفاً مشتبكاً قادراً على تحدي واقعه. وهذا يتجلى في الجزء الثاني، “سادر المحرقة”، من خلال تسليط الضوء على صوت نور المضاد للكولونيالية والفاشية الصهيونية.

نهلة: الرواية مقسمة لثلاثة أجزاء، هل كانت الفكرة موجودة من البداية؟

باسم: لا، لم تكن. بعد الانتهاء من النص الأول، شعرت بالحاجة لكتابة جزء عن أور شابيرو الأصلية، إقامة محاكمة أخلاقية له. الجزء الثاني أعمق من الأول، فيه بعد أخلاقي وفلسفي وتأملي، وكان أكثر إرهاقاً. تعبت جداً في كتابته، لأنني تعرضت لشخصية صهيونية أشكنازية بيضاء، ضابط سابق في وحدة المظليين التي ارتكبت جرائم بحق الفلسطينيين، وهو مريض نفسي يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، يحاول إيجاد توازنه على حساب الفلسطينيين.

واجهت صعوبة في الكتابة لأنني كنت أفكر بالعبرية وأكتب بالعربية، عشت معه على مدار 24 ساعة لأكثر من ستة أشهر، أقرأ عبري، أسمع عبري، وأحلم بالعبرية أحياناً، لكنني كنت أكتب بالعربية. تقمصت هذه الشخصية الصهيونية حتى توغلت في أعماق مفهوميتها، وأستطيع أن أدعي أنني فككتها أخلاقياً وهزمتها، وانتصرت لصوتي الفلسطيني الإنساني الكوني في صراعي معه. رفضت التعاطف معه كما فعل كتاب آخرون، رفضت أنسنته على قاعدة التطبيع. أنسنته من أجل هزمه، تعاملت معه كإنسان يتنفس، يحلم، يحب، يكره، يبكي، يفرح، لكنني في النهاية أنزلته من علوه الشاهق، من برجه ككائن خارق، لكي أهزمه وأفككه أخلاقياً، ولكي أستعيد إنسانيتي كفلسطيني.

نهلة: شوقتني لقراءة الجزء الثاني. والثالث سيصدر قريباً؟

باسم: إن شاء الله في سبتمبر.


نهلة: حدثنا عن لحظة فوزك بالبوكر وأنت في الأسر.

باسم: كانت لحظة صعبة، لم أكن أعرف أنني فزت. تعرضت لضرب مبرح. قبل الحرب، عرفت أنني دخلت القائمة الطويلة للبوكر، وفي بدايات الحرب عرفت أنني وصلت للقائمة القصيرة، ثم انقطعت عني الأخبار لأنني كنت في العزل، محاصراً، وصودرت كل أدوات الاتصال. في أحد أيام مايو، اقتحمت قوات القمع الصهيونية زنزانتي واقتادتني للتحقيق. كان التركيز على الكتابة والكتب، وما الذي أفعله خارج الأسر، وكيف تخرج كتبي. ففهمت أنني فزت بالجائزة. لكنهم لم يخبروني، لأن إخبار أسير فلسطيني بفوزه بجائزة هو إعلان انتصاري عليهم، فرفضوا الاعتراف بذلك. كانت الجلسة كلها تهديداً ووعيداً، وبعدها ضربوني.

كنت أعرف أنني سأتعرض للضرب، فقلت للمحقق: لو كنت أعرف أن كلماتي ستؤذيكم لهذه الدرجة، كنت كتبت أكثر. ووعدته بأني سأهديه نسخة مجانية من روايتي. دفعت ثمن هذا الكلام، كسروا أضلاعي وكسروا نظاراتي الطبية. ضابط منهم انتزع النظارات عن وجهي وحطمها، فقلت له بالعبرية: لن أستطيع أن أرى شيئاً. قال: أريدك أن ترى ظلاماً، أنت الذي مثلك لا يجب أن يرى. لكن رغم الألم، شعرت بالفخر والاعتزاز، لأن شعبي كان يتعرض للإبادة، ووجهت هذا الفوز الذي كان انتصاراً إلى كل قطرة دماء سقطت في غزة، وإلى صمود أهلنا ومقاومتهم. كان شعوراً حقيقياً بالفخر.

نهلة: والمناضل مروان برغوثي، كنت زميله في زنزانة واحدة؟

باسم: علاقتي بالأخ مروان البرغوثي لها عدة مستويات، أهمها العلاقة الشخصية. يمثل لي قيمة أبوية، وربما أنا من أكثر الأسرى عمقاً في العلاقة معه. قد نختلف في المستوى السياسي، لكن علاقتنا رائعة، وأعتز به وبمعرفته وبما أنجزه داخل المعتقل الصهيوني. مروان يحمل مشروعاً سياسياً ورؤية ربما مختلفة عن النظام السياسي الفلسطيني الحالي. أوجه له تحية من خلالكم، فهو يعاني الآن من شراسة السجان الصهيوني، ونحن نستمد الصمود منه ومن الأسرى الآخرين، وندعو لتحرره.


عاصم بدوي: أعجبتني فكرة التفكيك، محاولة رؤية الآخر من خلاله، الفوز داخله، التفكير كما يفكر. لكن فكرة الشيطنة والإدانة مفهومة ومعروفة منذ بداية الصراع، وليست منتجة. لكن محاولة رؤية البنية المعرفية للآخر، كيف ينظرون إلينا ولأنفسهم، هي ما يشغلني. كيف نخرج من هذا المأزق؟ خاصة بعد 7 أكتوبر، الأفق يبدو ضبابياً. الشعارات والإدانة سهلة، لكن لا يمكن البناء عليها.

باسم: أنا لست من النوع الذي يملك إجابات جاهزة، ولا أبشر بالخلاص، ولا أملك وصفات سحرية. تعرضت مؤخراً لحملة نقد لأنني تحدثت عن مقاومة غزة وصمود أهلها. البعض يرى أن ما بعد 7 أكتوبر هو دمار ونكبة للشعب الفلسطيني، وأن المقاومة قادتنا إلى الظلام. ورغم هذا النقد، أحترم وجع هؤلاء، لأنهم يتحدثون من ألم حقيقي، من بيوت دمرت وعائلات خسرت. أنا خسرت 21 سنة من عمري في السجن، لكنها لا تساوي قطرة دم واحدة من غزة. لو كنت أعلم أن ثمن حريتي سيكون بهذا الحجم من الدمار، لما تحررت بهذه الطريقة.

يجب أن ندرك كفلسطينيين أن تداعيات 7 أكتوبر الإيجابية هي استراتيجية وبعيدة المدى، ليست آنية. نحن الآن في نفق مظلم، عالقون فيه، بحاجة إلى دفع إلى الأمام. في آخر هذا النفق، هناك أمل في حياة ونور. يجب أن لا نجعل الصهيوني، كما دمر المباني، يدمر وعينا كفلسطينيين. الهدف الحقيقي من الإبادة الجماعية هو إبادة الوعي الفلسطيني وإبادة أي محاولة لمقاومة هذا العدو.

نحن بحاجة إلى وحدة وطنية، وإعادة بناء خطابنا السياسي ليمثل كل الفلسطينيين أينما وجدوا، في الضفة، غزة، الداخل، والشتات. صراعنا اليوم صراع على الوعي والثقافة. قبل 20 عاماً كنت أحمل السلاح، اليوم أحمل مقاومة ثقافية وأدبية. هذا لا يعني نكراناً أو ندماً على ما مضى، بالعكس أعتز بتاريخ المقاومة الفلسطيني منذ 1929. لكن اليوم هناك أشكال أخرى للنضال، أهمها إعادة بناء فرديتنا الوطنية والإنسانية. أدب الاشتباك الذي نتبناه يشكل رافعة لفتح الجبهة الثقافية ضد الآخر الصهيوني العنصري الفاشي، الذي يحاول إزاحة الفلسطيني عن الوجود.


مها: مرحبا يا نابلسي. أنا النابلسية التي التقتك في صالون الأستاذة هالة البدري.

باسم: إذا كنت نابلسية، فتحدثي كما تشائين.

مها: الإسكندرانية عنصريون قليلاً، يتعاملون مع أنفسهم كفئة خاصة، ونحن في نابلس كذلك. سؤالي: قلت إنك لا تستطيع السفر حالياً، هل السفارة منعتكم، أم هناك عائق آخر؟

باسم: لا أريد أن أتحدث عن هذا، الموضوع شائك. لكن باختصار، تم إصدار جوازات السفر لنا، لكننا في مرحلة ختمها ونقل البيانات في مصر حتى نتمكن من السفر. لدي دعوات من عدة بلدان، لكن الأمور عالقة نوعاً ما، وهي في طريقها للحل بإذن الله. نحن كأسرى محررين نحاول أن نكون خارج أي صراع داخلي فلسطيني، ونحمل هذا النفس الوحدوي والوطني البعيد عن أي صراع.


منى: ليس لدي سؤال، لكني أردت التحية. تابعت قضيتك منذ أكثر من 15 سنة عبر يوسف، كان قلبي يعتصر على الشاب الذي سيبقى في المعتقل عمره. كنت فرحة بمكتبة عم صالح، وبرواية “خسوف بدر الدين”. أتمنى لك مزيداً من النجاح.

باسم: هذا الكلام يملأ قلبي اعتزازاً. هذا الدفء الصادق من المصريين والمصريات يجعلنا نشعر أننا في وطننا. كثيراً ما أزعلهم عندما أقول إنني في المنفى، فيقولون لي: لا تقل ذلك، أنت في وطنك، بين أهلك وناسك. وهذا ما يحدث فعلاً. شكراً لك على كلماتك الدافئة والصادقة.


للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات