بين القناع والحقيقة… باسم خندقجي في حوار مع نهلة هنّو… الجزء الثالث
بقلم: نهلة هنو

الجزء الثالث: بين القناع والحقيقة
دينا: شخصيتا سماء إسماعيل وأيالا شرعابي هما نقيضان، كفتي الميزان. أيالا وقعت بغرام أور شابيرو لأنها مستحيل كانت تحبه لو عرفته كنور الشهدي. وسماء إسماعيل تعاطفت مع نور رغم رفضها لقناعه، لأنها إنسانة واضحة وصريحة.
باسم: أيالا شرعابي من جهة صهيونية، ومن جهة أخرى تتعرض للاضطهاد والعنصرية من الأشكنازي الأبيض. هي نقيض لسماء، وترى فيها منافسة على العلاقة مع أور شابيرو، وفي كراهيتها له. كما يقول ابن خلدون: المغلوب مولع بتقليد الغالب. لأنها فئة مضطهدة، حاولت تقليد هذا الأشكنازي في ظلمه واضطهاده للعرب والفلسطينيين، لتثبت مدى صهيونيتها وعنصريتها.
سماء إسماعيل تتعرض لاضطهاد مزدوج: من الأشكنازي الأبيض ومن اليهودي الشرقي، الذي يفترض أن تكون بينه وبين العربي سمات مشتركة، لأن اليهود العرب عاشوا في سياق الدولة العربية الإسلامية بحقوق مواطنة كاملة. لم يكن في التاريخ العربي الإسلامي اضطهاد لليهود، خاصة يهود المغرب والمشرق العربي. عائلة شرعابي هي عائلة شرقية من بلاد الشام، هاجرت لفلسطين دون أن تعاني اضطهاداً في سوريا أو لبنان. حتى قضية الفرهود في العراق قبل 48 كانت مدبرة من الحركة الصهيونية لدفع اليهود للهجرة.
يجب أن نكون حذرين: أتحدث عن اليهود كأبناء ديانة، وليس كقومية أو شعب أو صهاينة. لأن الصهيوني يرفض الآخر، يرفض القسمة على اثنين. أنا تربيت على التسامح والتعددية، التي تكفل عدم الإقصاء والإنسانية والتعايش. لكن ليس تعايشاً على قاعدة التطبيع، ولا على قاعدة قبول الوجود الصهيوني في أرضي. أتعامل مع كل يهودي على أرض فلسطين كصهيوني وفاشي ومستعمر، بغض النظر عن توجهاته. الحركة الصهيونية لا تؤمن إلا بمعادلة واحد زائد واحد يساوي اثنين، وأنا لست اثنين، أنا ثلاثة أو واحد ونصف، لذا يريدون إقصائي.
نشوى: أحييك على الجزء الأول والثاني من الرواية، وأشجع الجميع على قراءة الجزء الثاني، فهو مجهود في قراءة علم النفس، ووصف اضطراب ما بعد الصدمة بدقة. سؤالي: هل الجزء الثالث سيكون تكملة لشخصية نور وأور شابيرو أم بطل جديد؟ وكيف كنت تحصل على كتب علم النفس في السجن؟
باسم: عشت أجواء من يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، وربما أعاني منه بحكم معاناتي في السجن، مثل العديد من الأسرى. استندت لكتب في علم النفس، وكان ذلك قبل 7 أكتوبر. كنا كأسرى ننتزع حقوقنا من السجان عبر إضرابات الطعام، فكانت لدينا مكتبات وكتب من الخارج. أحضرت كتباً في علم النفس، وتواصلت مع أخصائيين وأطباء نفسيين، حتى شعرت أنني أمتلك قاعدة معلومات أهلتني لتناول هذه الشخصية في أبعادها النفسية. كل كاتب هو بالضرورة عالم نفس، وفي نفس الوقت مريض نفسي، في علاقة جدلية بين علم النفس والكتابة. لا أستطيع الكتابة عن شخصية دون الدخول لأعمق مستوياتها، خاصة النفسية. دخلت أعماق أور شابيرو، واستطعت تسليط الضوء على أبعاد أزمته النفسية، وخرجت بمجموعة من الاستخلاصات التي ساعدتني في رسم ملامح شخصيته.
أهداف سويف: قلت كلمة ثم انقطع الاتصال، تحدثت عن جامعة مروان برغوثي في السجن، أرجو التوضيح.
باسم: الثلاثية التي كتبتها، “قناع بلون السماء” و”سادر المحرقة” و”فراشات مريم الجليلية”، لم تكن لتكتب لولا هذه الجامعة. كنا مسجلين في حلقة التحرر المعرفي، التابعة لجامعة القدس، ولها فرع في سجن هداريم، وكان المشرف الأخ مروان البرغوثي. كنا نتعلم 4 ساعات يومياً، ولدرجة أن بعض المعتقلين الجدد من دكاترة الجامعات كانوا يندهشون من درجة المعرفة والإتقان الأكاديمي والنقدي. كان المسار دراسات إسرائيلية للماجستير، وبكالوريوس علوم سياسية، معترف بها من وزارة التعليم الفلسطينية ودولياً. تعلمنا العبرية، وأغلب دراساتنا كانت بها، وبطريقة مختلفة. مروان أحدث نقلة نوعية في تاريخ الحركة الأسيرة بتأسيس هذه الحلقة، وخرج العشرات من الأسرى، وساهمت في تطوير معرفتهم. لولا هذه الشهادة، لما تعرفت على مضامين الحركة الصهيونية الخفية في مستوياتها المعرفية والثقافية والأدبية والسياسية. كتبت الثلاثية وأنا أمتلك قوة المعرفة وقوة الخطاب المعرفي، كما قال إدوارد سعيد. دخلت على الصهاينة وأنا أمتلك لغتهم، وأدرك وعيهم، وأحمل الوعي النقيض لهذه الرؤية. وكما قال الكاتب الجزائري كاتب ياسين: كنا نتلقى المعرفة من فم الذئب. كنا ندرس والسجان يراقب دون أن يعرف ما نفعل، حتى خرج العديد من الأسرى بثقافة رفيعة ومستوى معرفي مضاد للكولونيالية.
رانيا: وجهة نظرك في القضية الفلسطينية قبل وبعد 7 أكتوبر، على المستوى الدولي، ليس فقط الحكومات بل الأفراد.
باسم: كمناضل، لا أستطيع أن أنكر جميل ما فعلته غزة. هذه المقاومة وهذا الصمود لا يمكن أن أهاجمهما. لكن في مستوى آخر، قضيتنا وصلت للعالم، ودفعنا ثمناً كبيراً، دماراً هائلاً، دماءً غزيرة، أكثر من 70 ألف شهيد، عائلات بأكملها أبيدت. لم يكن ممكناً أن ندفع هذا الثمن، لكن من المسؤول؟ الحق على المقاومة أم على الصهيوني؟ من حقي أن أقاوم وسأدفع ثمناً كبيراً، هذه هي القصة. الطامة الكبرى هي الصهيوني، هو الذي دمرني وقتلني. البعض يقول: أنت أعطيته الحجة، أعطيته الشرعية لقتلك. لكن ما هي الخيارات المتاحة؟
المطلوب منا كفلسطينيين أن نقرأ 7 أكتوبر على المستوى التكتيكي القريب ككارثة ودمار، لكن على المستوى البعيد، أعتقد أننا انتصرنا منذ اللحظات الأولى، وانتصار استراتيجي. لن نلمسه الآن، نحتاج لسنوات لنكتشف أننا زلزلنا العقيدة الأمنية الصهيونية. لماذا جن جنون الصهيوني وسبب كل هذا الدمار؟ لأنه لم يعتد أن يبادر الفلسطيني، أن يصفعه صفعة مؤلمة، ويزلزل مفهوميته الأمنية. شعبنا دفع ثمناً كبيراً، ولكن من جعله يدفع ليس المقاومة، بل الحركة الصهيونية الفاشية الدموية، الوحش الذي يعتمد عقيدة الثأر القبلية.
نحن الآن في النفق، وسنعاني، وكثيرون يتساءلون: ماذا فعلتم بنا؟ تعرضت لنقد بأنني أتحدث عن جثامين الناس. كنت أعرف أن الثمن هكذا، وكنت سأبقى في السجن لأنني كمناضل أعرف مصيري. أشكر شعبنا على صموده وعلى الثمن الكبير الذي دفع من أجل تحررنا. لكن القضية ليست فقط تحرير الأسرى، بل تحرير الأرض والإنسان، وتحرير أنفسنا كفلسطينيين من الخنوع والظلم لهذا الاستعمار الصهيوني.
نهلة: نشكر كل الحضور، ونشكر جمال عمر وإيمان رفاعي والقائمين على الصالون، وضيفنا الغالي باسم خندقجي. نتمنى لقاء قادماً، وعقبال أن نستضيفك في فلسطين.
باسم: شكراً لكم، وأنا أستضيفكم في نابلس، وأطعمكم أحلى كنافة نابلسية.
جمال: نشكر المهندسة نهلة على التنظيم والإدارة، ونشكر باسم خندقجي. الأغاني ما زالت ممكنة، وسنستضيفه مرة أخرى. الشكر للجميع والمتابعين على يوتيوب. نوقف البث الآن.
للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد