الحلقة الثالثة: أثر الاختيارات على التأويل، وتحجيم التعدد في القراءات والفقه
في أربع حلقات، ننشر نص الحوار الذي جمع جمال عمر وسماء معاوية حول كتاب «تاريخ المصحف الحالي».
بقلم: إيمان رفاعي

تبدأ سماء بالقول:
«أتذكر أنه في بداية الألفينات، مثلًا، كان يوزع علينا مصحف مزود بتفسير السيد طنطاوي، وأظن أنه كان مصحف الشمرلي من حيث الكتابة. وفي الوقت نفسه كان المصحف المنتشر الذي حفظنا عليه هو مصحف المدينة المنورة.
إذن هناك شيء يسود على المستوى العام، وشيء آخر رسمي أو حكومي يكلَّف به الطلاب في الوقت نفسه.»
ثم يطرح بهاء سؤاله:
«أريد أن أسأل الأستاذ جمال، بما أنك ضليع في تراث نصر أبو زيد، إلى أي مدى أثرت الاختيارات التي سادت، رغم تعددها، في تأويل النص، أو في إمكانات الاستفادة من تأويله؟ هل ضيقت مساحات التأويل، أم العكس؟ ماذا ترى؟»
فيجيب جمال:
«سأجيبك بمثال.
انظر إلى طباعة تفسير الطبري. إنه من أشهر التفاسير وأكبرها حجمًا وأقدمها بين التفاسير المنتشرة. والطبري لم يكن يسمي كتابه “التفسير”، بل كانت كلمة “تأويل” موجودة في عنوانه؛ لأن “التأويل” أصبحت في واقعنا المعاصر كلمة يمكن أن تحمل معنى الهوى، فتحول العنوان إلى “تفسير”.
والطبري له كتاب في القراءات لم يصلنا، به اثنين وعشرين رواية لقراءة القرآن، وتفسير الطبري يُضمّن اثنين وعشرين رواية لقراءة القرآن. فعندما يأتي أحمد شاكر لتحقيق الكتاب، ويحقق المخطوطة، ثم يصل إلى نص الآية المذكورة، فإنه يكتبها وفق المصحف الحالي، برواية حفص عن عاصم، في حين أن الطبري قد يكون أوردها برواية أخرى وقراءة أخرى.
أنا لا أتحدث هنا عن تفسير أحمد شاكر، بل عن مجرد كتابة نص المخطوطة نفسها. قِس على ذلك كل التحقيقات. فالكتب التي تصلنا تأتي دائمًا برواية معينة.
وكما فعلت سماء في هذا الكتاب، فنحن نقرأ الآن تاريخ المصحف برواية سماء وسندها عن جمال عمر. ونقرأ تفسير محمد عبده برواية رشيد رضا. فليس الأمر أن الإمام أو المفسر يجلس وحده ويكتب، ثم ننقل عنه مباشرة. محمد عبده، مثلًا، كان يفسر في سنة 1902، وكان حوله أشخاص كثيرون، لكننا أخذنا رواية رشيد رضا لما قاله. ورواية رشيد رضا هي التي سادت.
وكذلك في كتب التفسير التراثية. فإذا رجعت إلى الزمخشري، مثلًا، ستجد أنه باعتباره معتزليًا قد يورد قراءات وروايات أخرى يحتملها المعنى، وهذا يوسع إمكانات التأويل. وهذه العملية ما زالت موجودة حتى الآن؛ لأن تحجيم القراءة والرواية يحجم الخيارات المتاحة أمامنا في فهم النص.»
ثم يتوسع في فكرة التحجيم:
«يمكنني أن أرصد في الثقافة العربية الإسلامية عمليات التحجيم هذه قديمًا في مجالات المعرفة المختلفة، حيث يتحول التعدد والتنوع إلى اختيار واحد.
وتظهر هذه الظاهرة بوضوح في الفقه. في المذهب الحنفي، مثلًا، كان هناك أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وزفر، وكانوا متقاربين في الزمن. فما بالك بمذهب امتد أكثر من ألف ومئتي سنة؟ ستجد آراء تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
ثم يأتي شخص داخل المذهب ويحاول تحديد “المعتمد”، أي اختيار رأي واحد من بين الآراء الموجودة، وجعله الرأي المعتمد الذي تكون عليه الفتوى. وهذا ما قام به ابن عابدين، مثلًا، في المذهب الحنفي في القرن التاسع عشر.
وتجد الأمر نفسه في التفسير وعلم الكلام والحديث. فالبخاري كان مخطوطات متعددة بروايات مختلفة، وعندما أُخرجت الطبعات الحديثة، جرى الاختيار من بين هذه المخطوطات.
إذن نحن لا نعود إلى الماضي كما هو، وإنما نعود إلى صورة يرسمها المعاصرون للماضي.
والمصحف الحالي هو أيضًا صورة تشكلت من خلال اختيارات متعددة. فإذا كانت اللغة العربية قديمًا غير منقوطة ولا تحتوي على علامات إعراب، فقد تحتمل الكلمة أكثر من قراءة (تبيّنوا/تثبّتوا). لكنك عندما تطبع النص اليوم، لابد أن تختار صيغة واحدة وتضع علامات الإعجام والإعراب، وهنا تتم عملية الاختيار.
وهذا يحدث طوال التاريخ.»
ثم يضيف:
«هناك مسألة أخرى يمكن أن تكون موضوعًا لخلافات مستقبلية، وهي روايات الحديث.
إلى حد كبير استقرت روايات الحديث، فلم يعد الناس يقولون عادة سلسلة السند كاملة، وإنما يقولون: ورد في البخاري برقم كذا، أو في مسلم برقم كذا.
أما القرآن فلدينا عشر قراءات، ولكل قراءة روايتان، فأصبح لدينا عشرون رواية، ولكل منها سلسلة سند. وهناك أيضًا طرق وتحريرات. وهذا يقودنا إلى عملية الجمع الثانية التي قام بها المصريون في ستينات القرن العشرين، مع أول مصحف مرتل كامل، وهو المصحف الذي سجل بصوت الشيخ الحصري عام 1960.
هنا لم تعد المسألة مرتبطة بالمطبوع فقط، بل أصبحت مرتبطة بالنطق أيضًا: بأي طريقة، وعن أي طريق، ومن أي قارئ.
فبعد حفص، هناك طرق كثيرة، وكل طريق يحمل اختلافات. وعندما نصل إلى الشيخ الحصري، نجد أننا أمام اختيار لطريق معين من حفص إلى الشيخ الحصري. وهنا حدثت عملية تحجيم ثانية، من خلال الاختيارات التي قامت بها اللجنة التي حددت الطريقة التي يقرأ بها الشيخ الحصري عام 1960. وسجل أيضا رواية ورش عن نافع عام 1961.
وكل هذه اختيارات.
ولا تزال مسائل التحريرات غير محسومة، وهناك من يعمل عليها اليوم، مثل الشيخ إيهاب فكري، خريج طب عين شمس الذي يعمل على التحريرات في السعودية، في المدينة المنورة، ويحاول تحجيم التحريرات.
لكن هذا موضوع طويل.»
ثم يُطرح سؤال من محمد ياسين حول تشكيل لجنة 1924:
«هل اجتمعت اللجنة من تلقاء نفسها أم تم تكليفها من جهة ما؟»
فيجيب جمال:
«كانت لجنة 1924 بتكليف من نظارة المعارف. فهؤلاء الأشخاص كانوا يعملون في وضع المقررات للمدارس الأميرية؛ مثل كتب اللغة العربية والنحو وغيرها. وأرادت نظارة المعارف أن تنتج مصحفًا أميريًا، ولذلك كُلِّفوا بذلك. وكان حفني ناصف (كبير مفتشي اللغة العربية) قد خرج إلى المعاش، فكُلِّف برئاسة اللجنة.
وبعد ذلك طُبع المصحف طبعة أميرية سنة 1924 في مطابع هيئة المساحة المصرية، ولذلك سمي أحيانًا “مصحف المساحة”، لأن الهيئة كانت تضم مطابع متخصصة في هذا النوع من العمل.»
ثم يدخل محمد ياسين بمداخلة حول دور النص المسموع:
«أين دور النص المسموع؟ إذا كنا نقول إن المصحف اختيار من متعدد، فأين دور النص المسموع؟ النص المسموع حاكم أيضًا، وهو متعدد الروايات. لكن القراءة التي نقرأ بها اليوم، مثل حفص عن عاصم، كانت مسموعة حتى تم توثيقها وتسجيلها. فهل النص المسموع هو الأصل؟»
فيجيب جمال:
«هذا هو ما أقوله. المصحف الحالي مأخوذ من الرواية الشفهية. فقد أخذنا رواية محمد خلف الحسيني الحداد، الذي كان له سند يصل إلى النبي، ودور اللجنة كان تحويل المنطوق إلى مكتوب. فالمكتوب الحالي هو عملية تحجيم.
لكن السؤال الآخر هو: هل كانت الرواية التي كان يقولها محمد خلف الحسيني الحداد هي الرواية الوحيدة؟
إذا عدت إلى الثمانينات والتسعينات، ستجد المشكلات التي كانت تُثار حول الشيخ عنتر وقراءاته. لأنك أصبحت تملك معهدًا للقراءات، وقد حُدد فيه ما يدرس وما لا يدرس.»
ثم يروي قصة الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي:
«هناك قصة طويلة، وسأذكر الجزء المختصر منها.
عندما تأسس معهد القراءات وأصبح فيه أساطين مثل عبد الفتاح القاضي والسيد عامر عثمان، أصبحت هناك مدرسة ومناهج ومقررات. الشيخ إبراهيم شحاتة السمنودي كان أحد مشايخ الجيل الثاني. وكان لا يُدرِّس القراءات من دون أن يُدرِّس التحريرات، وهذه التحريرات موضوع طويل. فالشيخ المتولي (توفي 1895)، الذي تعود إليه سلاسل السند، كان لديه خمس وخمسين تحرير لم يروها عن شيوخه.
وعندما نقول رواية حفص عن عاصم، فبين عاصم وحفص والنبي قرن ونصف. لماذا نقول قراءة عاصم ورواية حفص؟ لأن عاصم اختار اختيارات معينة، واشتهرت هذه الاختيارات وسادت وانتشرت، فأصبحت قراءة معتمدة.
وكما أن ابن مجاهد اختار القراءات السبع، وكانت هناك القراءات الخمسين والتي أصبحت فيما بعد قراءات شاذة -فكل ما يخرج عن العشر قراءات تعتبر قراءة شاذة-، فإن عملية الاختيار هذه تكررت عبر التاريخ.
إذن الوحدة التي نراها الآن هي نتاج عمليات الطباعة والقواعد التي وضعت وأصبح من غير المعتاد الخروج عنها. فعندما تقول إن المصحف ثابت، فإنك تنظر إلى النتيجة النهائية لعملية استمرت قرونًا.
وأصبحت رواية حفص عن عاصم هي الرواية السائدة؛ فلا يوجد مصحف في العالم بطبعة تصل إلى ثلاثمئة وخمسين مليون نسخة برواية أخرى. وبمرور مائة عام من الآن، قد تجد أن كثيرًا من الروايات والقراءات اختفت من الاستعمال وأصبحت تدرس تاريخيًا فقط. فقراءة الدوري عن أبي عمرو كانت منتشرة في مصر والسودان، وورش عن نافع وقالون عن نافع في شمال أفريقيا، بينما أصبحت حفص عن عاصم هي الغالبة.
إذن هذه العملية هي نتاج وليست العكس.»
يتبع…..
لتنزيل نسخة بي دي اف من الكتاب من مكتبة تفكير اضغط هنا
لمشاهدة سلسلة محاضرات تاريخ المصحف الحالي لجمال عمر، اضغط هنا.
للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل الحوار، اضغط الرابط التالي:
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد