“القاهرة الملكية”… حسن حافظ… مع د. رغد صفوت… بصالون تفكير
تمثل عملية توثيق التحولات العمرانية والثقافية للعواصم الكبرى أداةً معرفية لإعادة قراءة ذاكرة الشعوب وهويتها المتغيرة، متجاوزةً الرصد التوثيقي إلى التحليل البنيوي. وفي هذا الإطار، استضاف صالون “تفكير” ضمن فعاليات “موسم كاتب وكتاب 2026” ندوةً نقدية حول كتاب “القاهرة الملكية”، الذي يعد أحدث ثمار المشروع التأريخي الضخم للدكتور نزار الصياد، أستاذ العمارة والتخطيط بجامعة كاليفورنيا، والذي استكمله بالتعاون مع الأستاذ حسن حافظ، المؤرخ والباحث في التاريخ الإسلامي والصحفي بمؤسسة “أخبار اليوم”. يأتي هذا الكتاب ليتوج سلسلة بدأت بـ “القاهرة السينمائية” و”القاهرة المؤرخة”، محاولاً سبر أغوار حقبة ليبرالية معقدة امتدت بين عامي 1922 و1952.
بقلم: AI

تكمن القيمة الاستراتيجية لهذه الندوة في تحليلها لمنهجية “تعدد الأصوات” (Polyphony) التي اتبعها الكتاب، بمشاركة نخبة من الباحثين (مثل د. عماد أبو غازي ود. عاطف معتمد). إن هذا التنوع التخصصي يعمل كأداة لكسر أحادية الرواية التاريخية التقليدية، مقدماً رؤية مراجعاتية (Revisionist Historiography) لا تكتفي برصد المشهد من منظور السلطة، بل تشتبك مع فضاء المدينة ككتلة تفاعلية شهدت انفجاراً عمرانياً وثقافياً فاق ما حدث عبر قرون سابقة. هذا الجدل المنهجي يمهد بالضرورة للاشتباك مع إشكالية المصطلح ذاته، وتساؤل القوى الفاعلة في تشكيل فضاء المدينة.
“السيولة السياسية” وفضاء “الأفندية”
أثار اختيار عنوان “القاهرة الملكية” جدلاً منهجياً بين فريق البحث، كونه يوحي بسيطرة أحادية للقصر على مفاصل العاصمة، وهو ما فنده الأستاذ حسن حافظ مؤكداً أن المدينة كانت ساحة لـ “سيولة سياسية” وتدافع بين قوى أربع كبرى: القصر الملكي، الاحتلال البريطاني، الأحزاب الليبرالية (الوفد)، والنخبة المثقفة من “الأفندية”.
لقد شكلت طبقة “الأفندية”، كما طرحتها الباحثة لوسي ريزوفا في تأطيرها الفكري للكتاب، العمود الفقري لهذا العصر؛ حيث حملت هذه الطبقة تصورات حداثية واشتبكت مع العمران كأداة للترقي الاجتماعي والمواجهة الوطنية. إن تسمية “القاهرة الملكية” هنا تعمل كمصطلح جاذب وإشكالي في آن واحد، فهي لا تعني الهيمنة المطلقة للنظام الملكي، بل تعكس تعقيد المشهد الذي لم يكن فيه الحجر يُبنى بإرادة واحدة، بل كان وليد صراع استراتيجي وتوافقات قلقة بين هذه القوى المتنافسة، مما جعل المدينة مختبراً للتيارات الليبرالية والوطنية المتصاعدة.
القاهرة بين التمدن و”ترييف المركز”
شهدت الحقبة الملكية تحولاً جذرياً في جغرافيا العاصمة، حيث نجحت في كسر “العزلة الجغرافية” التي فرضتها الحواجز الطبيعية (جبل المقطم ونهر النيل) لأكثر من 1200 عام. ومع تطور تكنولوجيا الكباري، اندفع العمران غرباً نحو الجيزة والدقي، وشمالاً نحو القرى التي استوعبتها المدينة (الوايلي، المطرية).
إلا أن الندوة طرحت مقولة نقدية ثقيلة: “القاهرة فشلت في التمدن ولم تتريف”. ويشرح حسن حافظ هذا المنطق بأن التوسع العمراني التهم القرى والظهير الزراعي، لكنه فشل في إحداث تحول حقيقي في “النسيج الاجتماعي” لهؤلاء السكان، مما أدى إلى نوع من “الترييف داخل المدينة” (Ruralization of the city)؛ حيث نُقلت الكتل البشرية بريفيتها إلى قلب العاصمة دون ميكانيزمات دمج مديني حقيقية.
خريطة القوى المكانية وتحولات الحراك (1919-1952):
| نقطة الارتكاز | الأهمية التاريخية التقليدية | التحول في العهد الملكي (الحراك الشعبي) |
| حي السيدة زينب | حي ديني ومركز تقليدي | أهم نقطة ارتكاز للثورة؛ لمجاورته للمدارس العليا والدواوين، وكونه حلقة وصل بين الأطراف والمركز. |
| حي بولاق | ميناء نهري وتجاري | تحول إلى قلعة صناعية كبرى ومحرك للحركة العمالية والاحتجاجية الصاخبة. |
| الجيزة وإمبابة | قرى زراعية ومنفذ للقوافل | تحولت إلى أحياء سكنية ومنتزهات وواجهة سياحية ونقاط جذب للنخب الجديدة. |
| واجهة النيل | منطقة فيضانات وأراضٍ زراعية | ساحة للصراع الرمزي بين “الكومباوند الاستعماري” والمشروعات القومية الملكية. |
صراع القباب والشرعية
لعبت السلطة الملكية دوراً محورياً في صياغة “هوية بصرية” للمدينة كأداة لتكريس شرعية الحكم. ويبرز الملك فؤاد هنا كـ “حاكم مثقف” متأثر بتعليمه الإيطالي، حيث امتلك تصوراً للاستقلال يرتكز على استعادة سلطات الحاكم المطلقة (نموذج الخديوي إسماعيل).
تجلت هذه الهوية في رمزية “القباب الثلاث”: (قبة جامع محمد علي بالقلعة التي أتمها فؤاد، قبة البرلمان، وقبة الجامعة المصرية). كانت هذه القباب تهدف لصناعة صورة ذهنية للدولة الملكية الليبرالية. وبالتحليل المقارن، نجد أن النظام الجمهوري بعد 1952 استبدل هذه الرمزية بـ “الخطوط الرأسية والكتل الصماء” (برج القاهرة، مبنى الاتحاد الاشتراكي، مجمع التحرير)، لينتقل بالمدينة من جماليات “القباب الملكية” إلى وظيفية “الدولة الثورية”.
القاهرتان: “الكومباوند الاستعماري” وحرب التماثيل
كشفت الندوة عن وجود جغرافيا استعمارية واضحة استحوذت على واجهة النيل الاستراتيجية، مكونةً ما يسمى بـ “الكومباوند الإنجليزي” (قصر الدبارة، ثكنات قصر النيل، فندق شيبرد، وجاردن سيتي). وفي مواجهة هذا الوجود، استخدمت السلطة الملكية والقوى الوطنية “التماثيل” كأدوات في صراع سياسي رمزي داخل الميادين.
ويظهر هذا الصراع بوضوح في “أزمة تمثال سعد زغلول”؛ حيث عرقل الملك فؤاد نصبه لسنوات، رافضاً تخليد خصمه اللدود في فضاء المدينة، ولم يُسمح بوضعه إلا في عهد الملك فاروق عام 1936 في منطقة الجزيرة (بعيداً عن احتكاك الجماهير). بينما ظلت تماثيل مثل “نهضة مصر” لمختبار و”مصطفى كامل” بمثابة “صرخات استقلال” معمارية تحاول مزاحمة الوجود البريطاني في ميادين العاصمة.
الراديو والصحافة وإعادة تشكيل الوعي
لم تكن القاهرة مجرد حجر، بل كانت آلة إعلامية أعادت هندسة الحياة اليومية عبر تقنيتين حيويتين:
- الأثير (الراديو): أحدثت الإذاعة الحكومية (1934) زلزالاً اجتماعياً وعمرانياً؛ إذ أدت إلى “تقليص مساحات المقاهي”، حيث لم تعد المقاهي بحاجة لمسارح حية وضخمة لاستيعاب الفرق الموسيقية، بل استُبدلت بـ “المذياع” الذي خلق فنون استماع جماهيري جديدة (حفلات أم كلثوم).
- الصحافة: تحولت الصحافة إلى “رقيب عمراني”، حيث انتقلت المؤسسات الكبرى (الأهرام، أخبار اليوم) إلى مبانٍ مؤسسية ضخمة فيما عرف بـ “شارع الصحافة”. ولم تكتفِ الصحافة بتغطية الافتتاحات الملكية، بل مارست نقداً لاذعاً لإهمال الصرف الصحي وتفشي العشوائيات، مما مهد لانتقال هذه الميكانيزمات الإعلامية بالكامل لنظام 1952 الذي وظفها في مشروعه القومي.
حريق القاهرة والانهيار الدرامي للمشهد
انتهى الزخم الملكي بنهاية درامية في يناير 1952 مع “حريق القاهرة”، الذي لم يكن مجرد كارثة عمرانية، بل كان “النهاية الفعلية” للنظام. كشفت الندوة عن مفارقة “الفراغ المعلوماتي”؛ حيث صمتت الصحف لمدة 15 يوماً بسبب حظر النشر، وبينما كانت العاصمة تحترق وتفقد معالمها (مثل فندق شيبرد)، كانت العناوين الرسمية تنشغل بتغييرات وزارية روتينية، مما عكس انفصال السلطة التام عن واقع المدينة المنهار.
إن القيمة المضافة لكتاب “القاهرة الملكية” تكمن في كونه لم يقدّم مادة “نوستالجية” للجمال المعماري، بل قدم مادة نقدية تحاسب السلطة على إهمال المهمشين، مؤكداً أن “القاهرة الملكية” كانت مدينة الصراعات الكبرى التي مهدت، بركام حريقها وبنية مؤسساتها، لظهور القاهرة الجمهورية.
للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:
لمشاهدة مزيد من ندوات موسم كاتب وكتاب 2026 اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد