أخيرا خالد فهمي يواجه “ولي النعم”مع رغد صفوت بصالون تفكير
كتب: نور البطاوي لمجلة “تفكير”
في أمسية ثقافية ممتعة ضمن موسم “كاتب وكتاب 2026” السنوي الذي ينظمه صالون تفكير، استضافت الدكتورة رغد صفوت المؤرخ الكبير الأستاذ الدكتور خالد فهمي، أستاذ كرسي إدوارد كلير لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لمناقشة أحدث إصداراته التاريخية المثيرة للجدل: كتاب “ولي النعم: محمد علي باشا وعالمه”. الكتاب الصادر عن دار الشروق في يناير 2026، ليس مجرد ترجمة لأصل إنجليزي صدر عام 2008، بل هو عمل موسوعي موسع وصل حجمه إلى ضعف الطبعة الإنجليزية، ليقدم رؤية أكثر تركيباً وشمولاً لشخصية محمد علي باشا.
بقلم: نور البطاوي

خارج السردية التقليدية: سؤال “المصريين”
بدأ الدكتور خالد فهمي حديثه بتوضيح كواليس كتابة هذا العمل، مشيراً إلى أن اهتمامه بمحمد علي لم يبدأ من الشخصية ذاتها، بل من المؤسسات التي أنشأها. فبعد أكثر من عشرين عاماً من البحث في تاريخ الجيش والطب والقانون في مصر خلال القرن التاسع عشر، شعر فهمي أنه مستعد أخيراً لمواجهة “الباشا” وجهاً لوجه عبر سيرة سياسية (Biography) تحاول سبر أغوار هذه الشخصية المهيمنة والمربكة.
الجديد الذي يطرحه فهمي في هذا الكتاب ليس مجرد مادة تاريخية بكر، بل هو “سؤال جديد” يقلب موازين التأريخ التقليدي: أين كان المصريون في مشروع محمد علي؟. يرفض فهمي الاكتفاء بالحديث عن النخب مثل رفاعة الطهطاوي وعلي مبارك، بل يغوص في تجربة آلاف الفلاحين الذين انخرطوا كجنود في الجيش، وكيف تفاعلوا مع مؤسسات الدولة الحديثة سواء بالتكيف أو المقاومة أو التقويض.
محمد علي وعبد الناصر: تقاطعات المأساة
لم يخلُ اللقاء من مقاربة ذكية عقدها فهمي بين محمد علي وجمال عبد الناصر، موضحاً أن الأخير كان مدركاً تماماً لهذه التقاطعات؛ فكلاهما مثل “البطل التراجيدي” الذي يواجه بدائل سوداوية ويستمر في المضي قدماً. وأشار فهمي إلى أن عبد الناصر، أثناء أزمة السويس، استدعى فوراً تجربة محمد علي وما فعلته القوى الأوروبية به، مما يعكس حضور محمد علي القوي في المخيلة السياسية المصرية كرمز للمشروع الذي أُجهض بتواطؤ دولي.
عالم محمد علي: الدوائر المتقاطعة
حاول فهمي في كتابه تتبع “مفتاح شخصية” محمد علي، وهو هاجس عدم الاطمئنان لمكانته. هذا الهاجس هو ما دفع الباشا لإعادة خلق نفسه مراراً عبر مراحل حياته الثمانين. فمحمد علي لم يكن يتحرك في فلك مصر وحدها، بل في عوالم متداخلة: العالم العثماني الذي كان يمثل مصدر شرعيته وخصمه في آن واحد، والعالم المتوسطي/الإمبراطوري حيث كان واعياً تماماً بموازين القوى بين بريطانيا وفرنسا وروسيا.
ومن القصص التشويقية التي رواها فهمي في الندوة، لقاء محمد علي بغريمه اللدود خسرو باشا في الإسكندرية عام 1825. فقد وصف كيف قفز محمد علي بنفسه على مركب ليقود معركة بحرية ضد قراصنة يونانيين، ثم عاد ليحتال على خسرو باشا باستقبال حافل يمزج بين التكريم والإهانة أمام ضباطه، مما يعكس “دهاءً معاوياً” في إدارة الخصوم.
ولي النعم.. لا المواطنة
ناقشت الندوة دلالة عنوان الكتاب “ولي النعم”، حيث أوضح فهمي أن هذا اللقب لم يكن رسمياً في البداية، بل استعاره محمد علي من ألقاب السلاطين ليؤكد هيمنته. وأكد فهمي أن محمد علي لم يكن يؤمن بـ “المواطنة” أو “المساواة”، بل كان يرى نفسه “راعياً” مسؤولاً أمام الله عن رعيته، يحفظ حياتهم (عبر الطب والصحة) ليعظم من نفوذ دولته، وليس لتمكينهم كأصحاب بلد.
وفي رده على تساؤلات الجمهور حول علاقته بالمصريين، لفت فهمي إلى حقيقة ملفتة: محمد علي لم يكن يتحدث العربية، ولم يكن يحتك بالمصريين في احتفالاتهم، بل كان ينظر إليهم كـ “أولاد عرب” (أي فلاحين) غير صالحين للقيادة، وظلت النخبة الحاكمة في عهده تتحدث التركية.
تفكيك أسطورة “الفشل التراجيدي”
من أهم النقاط التي فجرها الدكتور خالد فهمي هي تصحيحه لنهاية محمد علي؛ فخلافاً للسردية الشائعة بأنه مات مقهوراً ومخرفاً بعد معاهدة لندن 1840، أكد فهمي أن الباشا حقق إنجازاً تاريخياً غير مسبوق. لقد استطاع انتزاع فرمان يجعل حكم مصر وراثياً في أسرته، وهو ما ضمن بقاء دولته حتى عام 1952. كما ظل متقد الذهن حتى شهوره الأخيرة، حيث أشرف على مشروعات ضخمة مثل القناطر الخيرية وأول تعداد عام للسكان (تعداد النفوس) بين عامي 1846 و1848.
الأرشيف: حيث يسكن الباشا
أنهى فهمي حديثه بالإشادة بكنوز دار الوثائق القومية، وخاصة “ديوان المعية الثانية”، الذي يضم مئات الآلاف من الوثائق التي تجعل محمد علي حاضراً بقوة. وأعرب عن أسفه للمعوقات الأمنية التي تواجه الباحثين اليوم في الوصول إلى هذه الوثائق التي هي “ملك للمصريين وليست ملكاً للدولة”، مؤكداً أن هذه الأوراق تحتوي على قصص درامية وإنسانية تتجاوز بكثير ما ندرسه في المناهج المدرسية.
لقد قدمت ندوة صالون تفكير مع الدكتور خالد فهمي وجبة فكرية دسمة، نجحت في هدم “الثوابت” الجامدة لتعيد بناء شخصية محمد علي باشا في سياقها الإنساني والسياسي المعقد، داعيةً إيانا لإعادة قراءة تاريخنا ليس بعيون النخب، بل من خلال أنات وآمال أولئك الذين دفعوا ثمن “الحداثة” من فلاحي مصر وجنودها.
للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.
لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:
لمشاهدة قائمة ندوات د. خالد فهمي في صالون تفكير اضغط هنا.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد