السلفية الجهادية: تحولاها وتحوراتها… يستكمل د. محمد بوشيخي التحليل

كتب نور البطاوي  لمجلة “تفكير”

شهد “صالون تفكير”، في حلقته الثانية المخصصة لمناقشة كتاب “تفكيك السلفية: تحولاتها، وتحوراتها من مجالس العلم إلى جبهات القتال”، ندوة فكرية استثنائية أدارها الدكتور مولاي أحمد صابر، واستضاف فيها مؤلف الكتاب الدكتور محمد بوشيخي، المتخصص في العلوم السياسية. الندوة لم تكن مجرد عرض لكتاب حديث الإصدار، بل كانت محاولة حفر عميقة لتفكيك مفهوم “السلفية” في أبعاده العلمية، والمسيسة، وصولاً إلى “السلفية الجهادية” التي أضحت موضوعاً شائكاً يتقاطع مع حقول الاجتماع والتاريخ والثقافة الإسلامية.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 السلفية الجهادية: تحولاها وتحوراتها... يستكمل د. محمد بوشيخي التحليل

من إحياء الأثر إلى اختطاف المنهج

استهل الدكتور محمد بوشيخي مداخلته بربط خيوط التحول التاريخي، مذكراً بما تناوله في المحور الأول للكتاب حول الإرهاصات الأولى للفكر السلفي؛ بدءاً من مدرسة المحدثين والمذهب الحنبلي، وصولاً إلى الوهابية في نجد. وأوضح بوشيخي كيف حدث “تزاوج” بين المدرسة النجدية ومحدثي الهند، مما أنتج ما سماه “الحديثية الإحيائية”، التي سعت لإحياء مدرسة المحدثين الأوائل وتعزيز الأثر في مواجهة المذهبية التقليدية.

هذا المسار المؤسساتي تعزز بظهور الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الذي أضاف ركيزتين خطيرتين شكلتا لاحقاً العمود الفقري للسلفية الجهادية: 

  • الأولى هي القول بأن خبر الآحاد تثبت به العقائد وليس الفقهيات فقط. 
  • والثانية هي تكفير من رد هذا الخبر

هذا التوجه “الألباني” المتمسك بالأثر دخل في صدام علمي مع المؤسسات الرسمية والفقهاء التقليديين، لكنه في المقابل وجد “نقطة التقاء” غير متوقعة مع تيار آخر مختلف تماماً في بيئته ونشأته: “القطبية”.

image السلفية الجهادية: تحولاها وتحوراتها... يستكمل د. محمد بوشيخي التحليل
ناصر الدين الألباني

اللقاء المحتوم: الألبانية والقطبية

يرى الدكتور بوشيخي أن جوهر “السلفية الجهادية” يكمن في هذا التفاعل بين سلفية الألباني الأثرية وحركية سيد قطب. فبينما كان الألباني يركز على تصفية العقيدة، كان سيد قطب يطرح مفاهيم “الحاكمية” و”الجاهلية” و”المفاصلة”. الخطير في الأمر، كما يحلل بوشيخي، هو تبني الألباني لهذه المصطلحات القطبية وإدماجها في خطابه، لدرجة الاستشهاد بفقرات مطولة من كتب قطب لوصف “الجاهلية المعاصرة”.

d8b5d988d8b1d8a9-d8b3d98ad8af-d982d8b7d8a8 السلفية الجهادية: تحولاها وتحوراتها... يستكمل د. محمد بوشيخي التحليل
سيد قطب

هذا التماهي أفرز اقتناعاً لدى الأتباع بدمج السرديات السلفية الألبانية مع المقولات الحركية القطبية. ومن هنا ولدت “قاعدة” أسبقية الجهاد على الفقه؛ حيث كان سيد قطب يرى أن الفقه الحقيقي لا ينتج إلا في “أرض الحركة” (الجهاد)، ساخراً من “فقه الأوراق” أو فقه القاعدين.

صراع المرجعية: العالم في مواجهة القائد الميداني

أفردت الندوة مساحة واسعة لتحليل العلاقة الملتبسة بين “الشرعي” و”الميداني” داخل التنظيمات الجهادية. وسلط بوشيخي الضوء على نموذجين بارزين:

  1. ثنائية سيد إمام (الدكتور فضل) وأيمن الظواهري: حيث مثل الأول المرجعية الشرعية المتأثرة بالألبانية، بينما مثل الثاني المرجعية الميدانية المتشبعة بالقطبية. انتهى هذا الصراع بانسحاب سيد إمام بعد مصادرة سلطته العلمية من قبل الظواهري، الذي اعترف صراحة بأن وجود “عالم” في التنظيم كان مجرد واجهة لرفع الحرج أمام الجماعات الأخرى.
  2. ثنائية أبو محمد المقدسي وأبو مصعب الزرقاوي: المقدسي، الذي حاول “تسليف” الفكر الجهادي وربطه بالعلم الشرعي، اصطدم بتلميذه الزرقاوي الذي أعلن تجاوز سلطة العالم غير المنخرط في القتال. الزرقاوي تبنى المنهج القطبي كاملاً، معتبراً أن الفقه يولد فقط من رحم العمليات الجهادية.

التحور الأخير: الذئاب المنفردة والقطيعة الشرعية

في الجزء الأكثر إثارة من الندوة، تناول الدكتور بوشيخي تحول السلفية الجهادية نحو ما وصفه بـ “القطيعة الشرعية”. هذه المرحلة تتجسد في تنظيمات مثل “داعش” والذئاب المنفردة، حيث تحرر المقاتل تماماً من قيود الاجتهاد التقليدي وألغى أي وساطة علمية.

وأشار بوشيخي إلى أن “داعش” أعلنت صراحة في أدبياتها (كتاب إعلام الأنام) أن مواقفها ليست “بحثاً شرعياً” بل رؤية قيادية تخدم المصلحة الجهادية أولاً. أما في الغرب، فقد كشفت البحوث الميدانية عن نمط جديد من الجهاديين (الذئاب المنفردة) الذين لا يملكون أي ثقافة دينية، بل ويتمسكون بثقافة “الراب” و”الهيب هوب” ولهم سوابق إجرامية، ولا يهتمون بمسائل الحلال والحرام إلا نادراً. هؤلاء، بحسب بوشيخي، “اختاروا بأنفسهم أن يكونوا راديكاليين” بفضل “التوسل بالمرجعية” الرقمية والكاريزمية، بعيداً عن أي فحص نقدي للنصوص.

نقاشات الصالون: رشيد رضا ومسؤولية قطب

لم تخلُ الندوة من مداخلات أثرت النقاش؛ حيث أشار الأستاذ جمال عمر إلى الدور المفصلي للشيخ محمد رشيد رضا في نقل التأثيرات الهندية إلى مصر وتأسيس الجمعيات السلفية (مثل أنصار السنة)، معتبراً إياه حلقة الوصل بين الأفغاني وبين حسن البنا. ورد الدكتور بوشيخي موضحاً أن رشيد رضا، رغم دفاعه عن الوهابية كخيار سياسي لإحياء الخلافة، ظل محتفظاً بنزعة عقلانية ونقدية تختلف عن السلفية “الجامدة”.

صورة-محمد-رشيد-رضا- السلفية الجهادية: تحولاها وتحوراتها... يستكمل د. محمد بوشيخي التحليل
محمد رشيد رضا

من جانبه، طرح الأستاذ محمد أمين تساؤلاً حول مسؤولية سيد قطب التاريخية عن هذه المآلات، وهل كان يقصد فعلياً تأسيس منهج للعنف؟ فأجاب بوشيخي بأن قطب يتحمل “مسؤولية أدبية” وليست بالضرورة مباشرة، لأن أفكاره قُرئت في بيئات مختلفة ووفق نظارات متنوعة، فمنهم من أخذها نحو التكفير (شكري مصطفى) ومنهم من أخذها نحو العمل المسلح.

نحو تفكيك شامل

اختتم الدكتور مولاي أحمد صابر الندوة بالتأكيد على أن موضوع السلفية ليس هامشياً، بل هو إشكال معرفي وحضاري يتصل بكيفية تعامل العقل المسلم مع الماضي والحاضر. الكتاب الذي قدمه الدكتور بوشيخي يعد، بكلمات جمال عمر، “علامة” في دراسة الجانب الفكري الرابض وراء الحركات الحركية.

إن ما خرجنا به من هذا اللقاء في “مجلة تفكير” هو أن السلفية الجهادية اليوم تعيش “أزمة هوية”؛ حيث وصلت إلى مرحلة تنفي فيها نفسها وتتجاوز منطقها العلمي لصالح عنف مادي يبحث عن مسوغات انتقائية. إنها دعوة للباحثين ليس فقط لنقد المظاهر، بل للحفر في العمق المعرفي واللغوي الذي تتغذى منه هذه التيارات.

لمشاهدة فيديوهات موسم كاتب وكتاب 2026 اضغط هنا

لمشاهدة فيديوهات د. بوشيخي في صالون تفكير اضغط هنا

للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات