“أول دراسة لمحمد أركون كانت عن الجانب الإصلاحي عند طه حسين” ذكر د. اليامين بن تومي في صالون تفكير

كتب نور البطاوي لمجلة “تفكير”

في أمسية فكرية حماسية ضمن صالون “تفكير”، وفي إطار الندوة الثانية عشرة من سلسلة ندوات الاحتفاء بمرور قرن على صدور كتاب “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي طه حسين، استضاف الصالون الباحث الأكاديمي الجزائري الدكتور اليامين بن تومي، أستاذ تحليل الخطاب بجامعة سطيف، ليأخذنا في رحلة معرفية عميقة حول “طه حسين في أفق محمد أركون”،. أدارت الندوة باقتدار الأستاذة مشيرة زيدان، وبحضور نخبة من المثقفين والباحثين العرب، في محاولة للإجابة على سؤال مفصلي طرحه هذان العلمان: كيف نقرأ التراث بعين النقد لا بعين التسليم؟.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 "أول دراسة لمحمد أركون كانت عن الجانب الإصلاحي عند طه حسين" ذكر د. اليامين بن تومي في صالون تفكير

اكتشاف “الأركون الشاب”: طه حسين كمنطلق للإصلاح

استهل الدكتور بن تومي حديثه بالكشف عن جانب غير معروف للكثيرين في العلاقة بين المفكر الجزائري الراحل محمد أركون وعميد الأدب العربي طه حسين؛ إذ أوضح أن أركون خصص أول أعماله الأكاديمية (رسالة الليسانس) عام 1953-1954 لدراسة “الجانب الإصلاحي في أعمال طه حسين”. هذا الكتاب الذي ظل حبيس الأدراج لعقود، لم يخرج للنور باللغة العربية إلا قبل عامين تقريبًا (2022) بترجمة بطلب من أرملة أركون، السيدة ثورية يعقوبي.

صورة-محمد-أركون "أول دراسة لمحمد أركون كانت عن الجانب الإصلاحي عند طه حسين" ذكر د. اليامين بن تومي في صالون تفكير

يرى بن تومي أن أركون الشاب، وهو في مقتبل العمر (24 عامًا)، وجد في طه حسين “بطلاً ثقافياً” ونموذجاً منهجياً استطاع أن يحرر الدرس الثقافي العربي من المسلمات المورثة،. لقد انطلق أركون من سؤال وجودي تحت وطأة اللحظة الكولونيالية في الجزائر: لماذا رزحنا تحت الاستعمار؟ وما هي مسببات استكانتنا؟ ولم يجد الإجابة الشافية إلا في تشريحات طه حسين للتراث العربي، سواء في “الشعر الجاهلي” أو دراساته عن المتنبي وأبي العلاء المعري، وصولاً إلى كتابه “مستقبل الثقافة في مصر”.

بين الإصلاح الكلاسيكي والتحديث الجذري

أفاض المحاضر في تحليل رؤية أركون للصراع الذي خاضه طه حسين، معتبراً إياه صراعاً بين تيارين في الثقافة العربية: تيار يدعو للتحرر ومواكبة سقف العالم، وتيار يعتصم بالثوابت الكلاسيكية،. وهنا ميز أركون بين شكلين من الإصلاح:

  1. الإصلاح الكلاسيكي (الأرثوذكسي): الذي يمثله أمثال أحمد بن حنبل وابن تيمية، وهو إصلاح يحاول استعادة “النموذج الأول” وصلاح الأمة بالعودة لما صلح به أولها.
  2. الإصلاح الحديث (الليبرالي): الذي يمثله طه حسين، وهو إصلاح لا يكتفي بترميم المؤسسات، بل يغوص في “بنية الثقافة العربية” ذاتها.
d8b7d987-d8add8b3d98ad986 "أول دراسة لمحمد أركون كانت عن الجانب الإصلاحي عند طه حسين" ذكر د. اليامين بن تومي في صالون تفكير

أكد بن تومي أن أركون أدرك ذكاء طه حسين في فهم أن “القوى الارتكاسية” والسلبية لا توجد فقط في مؤسسة كالأزهر، بل هي مشكل كلي يرزح تحته العقل العربي برمته،. لذا، انتقل طه حسين من الإصلاح الجزئي (إصلاح مناهج التعليم والقراءة) إلى الإصلاح الكلي (مشروع بناء إنسان عربي جديد ومواطن مكتمل الإرادة).

الهامش كمركز للفكر الحقيقي

في لفتة نقدية لافتة، أشار الدكتور بن تومي إلى أن طه حسين وأركون ينتميان إلى “سلالة معرفية سوربونية” واحدة لا تقدم المتن فقط، بل تهتم بالهامش. فالهوامش في كتبهما تختزن المواد المعرفية الحقيقية والموجهات التي قد يتردد المفكر في قولها في المتن خشية السلطات السياسية أو الدينية،. من خلال هذه الهوامش، استعرض أركون كيف تحالفت السلطتان السياسية والدينية في الثقافة العربية للمحافظة على الوضع القائم وتمجيده، وهو ما سماه أركون “الترضية”.

ثلاثية الهوية: الإسلام، اللغة، والمتوسط

توقف المحاضر عند كتاب طه حسين “مستقبل الثقافة في مصر”، موضحاً كيف دافع العميد عن انتماء الثقافة المصرية والعربية إلى فضاء البحر المتوسط. وحسب قراءة أركون، فإن طه حسين لم يدعُ للانسلاخ عن الأصول كما يروج خصومه، بل أكد على ثلاثة مشارب: الإسلام، اللغة العربية، والعالم الحديث (الفضاء المتوسطي). القوة عند طه حسين تكمن في استجماع هذه المكونات معاً وإعادة قراءة الأصول بأدوات معرفية حديثة، لا في “الجهل المقدس” أو التكرار الببغائي.

طه حسين “الشيخ” والمثقف التنويري

وصف بن تومي طه حسين في عيون أركون بأنه “مثقف ديكارتي” و”تنويري” اكتشف في باريس مفهوم “الفرد” والحرية الشخصية. طه حسين لم يطلب من أتباعه أن يتخذوه “صنماً” أو “شيخاً” بالمفهوم التقليدي؛ لأن الوقوع في “الأستاذية” هو إعادة إنتاج لـ “فقه المشيخة” الذي ناضل العميد ضده طوال حياته. بالنسبة لأركون، طه حسين هو “بطل تحرير الثقافة” الذي واجه سادة الأزهر بذكاء وصلابة، مفضلاً التفكير الفردي المسؤول على “الببغائية الكلامية”.

مداخلات ثرية: هل تجاوز أركون طه حسين؟

لم تخلُ الندوة من نقاشات ساخنة أثرت الطرح؛ إذ تساءل الأستاذ أشرف قنديل عما إذا كان أركون قد تجاوز طه حسين بنقده لآليات إنتاج التراث نفسه، بينما اكتفى العميد بنقد المتون. وأجابت الدكتورة آمنة بلعلى بمداخلة منهجية، مشيرة إلى أن أركون انتقل من “الانبهار” بطه حسين في مرحلة الشباب إلى تبني مناهج “ما بعد بنيوية” وسيميائية وألسنية في مراحل نضجه بالسوربون، مما خلق مسافة فكرية ومنهجية شاسعة بينهما.

ومن جانبه، تساءل الدكتور عماد ثابت عن القيمة المعرفية لرسالة الليسانس وهل أعاد أركون كتابتها لاحقاً، ليوضح بن تومي أن الكتاب نُشر كما هو، مما يعكس الصلابة القاعدية لتكوين أركون منذ الخمسينات. أما الأستاذ جمال عمر، فقد اختتم المداخلات بسؤال استشرافي: كيف نبني للمستقبل؟ مؤكداً أن طه حسين وسع رؤية العدسة، بينما وسع أركون الدائرة إلى أبعد من ذلك، وعلينا كأبناء لهذه الثقافة أن نصعد على أكتافهما لنرى أبعد مما رأوا.

الحالة “الطهائية” المستمرة

في ختام الندوة، خلص الدكتور اليامين بن تومي إلى أننا جميعاً نعيش حالة “طهائية” مستمرة. فالمشروع الذي بدأه طه حسين في الإصلاح لم يستكمل بعد، وجاء محمد أركون كحلقة أساسية لتطوير هذا المشروع وطرح “اللامفكر فيه”. إن رسالة طه حسين -كما قرأها أركون- هي أن التغيير لا يبدأ من تسويد الأوراق، بل من تحرير الإنسان من “المخيال التعيس” ومن استمرارية إنتاج “الفتنة”، للوصول إلى قناعة الفرد الحر المسؤول.

لقد كانت ندوة “تفكير” هذه أكثر من مجرد تغطية لكتاب، بل كانت فحصاً دقيقاً لآليات النهضة العربية، وتذكيراً بأن أفق محمد أركون يظل مفتوحاً على طه حسين، طالما ظل العقل العربي ينشد التحرر والكرامة والمعرفة.

لمشاهدة ندوات موسم المحاضرات حول كتاب في الشعر الجاهلي كلها اضغط هنا

لمشاهدة ندوات للدكتور اليامين بن تومي في صالون تفكير اضغط هنا

للاستماع إلى تسجيل صوت للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات