الالتزام حين يحول الكلمة إلى أسطول حرية يحاول كسر الحصار
كتب: نور البطاوي لمجلة “تفكير”
حين يتُرجم الشعر إلى أفعال: إيهاب لُطيف في ندوة كاشفة عن أسطول الحرية ووجع المنافي
في أمسية حماسية، وتحت سقف النقاش الفكري الحر، نظم صالون “تفكير” ندوة أدارتها ببراعة الأستاذة نهلة هنو، استضافت فيها المهندس والشاعر والناشط المصري الكندي إيهاب لُطّيف. لم تكن الندوة مجرد استعراض لسيرة ذاتية، بل كانت رحلة عميقة في فلسفة الالتزام، وكيف يمكن للكلمة الموزونة أن تتحول إلى جسد يواجه الرصاص، وسفينة تكسر الحصار.
بقلم: نور البطاوي

من هندسة عين شمس إلى أروقة ماجيل: ازدواجية المنطق والعاطفة
استهلت نهلة هنو الندوة بتقديم ضيفها الذي يجمع في شخصيته نقيضين يندر اجتماعهما بسلاسة: دقة المهندس الكهربائي، وسيولة الشاعر العامي والفصيح. إيهاب لُطيف، خريج هندسة عين شمس، الذي جاب بلدان الخليج للعمل مع شركة “شلومبرجيه” قبل أن يستقر به المقام في كندا منذ أواخر الثمانينات، يعمل حالياً مهندساً في جامعة ماجيل العريقة بمنتريال.
تحدث لُطيف عن بداياته، وكيف كان يكتب “شعر حلمنتيشي” في مدرسته الإنجليزية بمصر، وكيف أن “المجموع” هو ما ساقه للهندسة رغم ولعه باللغة العربية التي تسببت في خفض معدله في الثانوية العامة. هذه الخلفية العلمية لم تقتل الشاعر فيه، بل لعلها منحت مواقفه السياسية لاحقاً صبغة من الواقعية والمنطق الرصين.
فلسفة الفعل: “يقولون ما لا يفعلون”
العنوان الذي اختارته الندوة “حين يتُرجم الشعر إلى أفعال” لم يكن اعتباطياً. كشف لُطيف أن الآية القرآنية التي تصف الشعراء بأنهم “يقولون ما لا يفعلون” كانت دائماً تؤرقه وتدفعه دفعاً نحو العمل الميداني. بالنسبة له، الكلمة لا قيمة لها إن لم تكن مدعومة بموقف. ومن هنا، انخرط لُطيف في العمل الحقوقي في كندا، ليس فقط من أجل القضية الفلسطينية، بل كناشط في المجتمع المدني الكندي، يطالب بتغيير النظام الانتخابي ويحارب العنصرية،.
أسطول الحرية: مواجهة التوحش في عرض البحر
شغل حيز كبير من الندوة الحديث عن تجربة لُطيف الأخيرة في “أسطول الحرية” لكسر الحصار عن غزة. لُطيف، الذي كان أحد مؤسسي مشروع “السفينة الكندية إلى غزة” عام 2010، لم يكتفِ بالتنظيم من بعيد، بل قرر أن يكون على متن السفينة في رحلتها الأخيرة قبل أسابيع قليلة.
وصف لُطيف “التوحش” الإسرائيلي الذي واجهه الأسطول هذه المرة، حيث تم اعتراض السفن في المياه الدولية على بعد أكثر من 500 ميل بحري من غزة. روى تفاصيل مؤلمة عن “سفينة السجن” التي نُقل إليها الناشطون، حيث تعرضوا لعقاب بدني وسيكولوجي مستمر.
وفي شهادة صادمة، كشف لُطيف عن تعرضه للطعن بسكين من قبل أحد الجنود أثناء محاولته استغلال مهاراته اللغوية للترجمة لزملائه ومساعدتهم في الحصول على الماء أو الدواء. ورغم إصابته بكسر في الضلوع وإصابة في الرئة، أكد لُطيف أن “روحهم بقيت في السماء”، وأن الهدف من هذه الأساطيل ليس إيصال المساعدات فحسب -وهي رمزية أمام حاجة غزة- بل هو “زق الباب” وفتح وعي العالم على ما يحدث.

خديعة الحريات في الغرب: “تقدميون إلا في فلسطين”
لم تخلُ الندوة من نقاش سياسي حاد حول وضع الحريات في الغرب. طرحت الأستاذة رانية سؤالاً جوهرياً حول ثمن المواقف السياسية في كندا. أجاب لُطيف بواقعية شديدة، مشيراً إلى مصطلح “تقدميون إلا فيما يخص فلسطين” (Progressive Except Palestine).
أوضح لُطيف كيف تعرض للمضايقات في عمله الأكاديمي، وكيف تم سحب دعواته من مهرجانات أدبية بسبب مواقفه. بل وأشار إلى “القوائم السوداء” التي تضعها منظمات صهيونية لتشويه سمعة الناشطين. وأكد أن الديمقراطية الكندية، رغم تفوقها بمراحل على دول الشرق الأوسط، تظل تحت ضغط “اللوبي الصهيوني” الذي يسيطر على مراكز القوى والتبرعات.
وجع مصر وغربة الروح
انتقل النقاش إلى علاقة لُطيف بمصر، وطنه الأم. كشف لُطيف بمرارة أنه ممنوع من دخول مصر منذ عام 2013 بسبب نشاطه الداعم للديمقراطية. هذا المنع لم يثنه عن متابعة الشأن المصري، لكنه أثر بعمق في شعره.
خلال الندوة، ألقى لُطيف قصيدته المؤثرة “موتي يا مصر”، التي كتبها في لحظة يأس من حال الوطن الذي “باعه أهله في سوق العبيد”. كما قرأ قصيدة “ماريا” المهداة للإسكندرية، والتي تعكس حنيناً جارفاً لمدن لم يعد قادراً على زيارتها إلا في خياله.
اختراق الوعي الغربي: شباب الجامعات هم الأمل
ورغم التشاؤم السياسي الذي أبداه لُطيف تجاه “حل الدولتين” الذي يراه الآن مستحيلاً، إلا أنه أعرب عن تفاؤله بـ “الاختراق” الذي حدث في وعي الشعوب الغربية، خاصة بين شباب الجامعات. وأكد أن المظاهرات المليونية في شوارع منتريال ولندن ونيويورك هي ثمرة لعمل تراكمي، وأن الفن والسينما الفلسطينية يلعبان الآن دور “القوة الناعمة” الأقوى في تغيير الرأي العام العالمي.
الشاعر الذي لم ينكسر
انتهت ندوة “تفكير” بصوت إيهاب لُطيف وهو يلقي شعراً يمزج بين الفصحى والعامية، تاركاً في نفوس الحاضرين رسالة واضحة: أن الغربة ليست رحيلاً عن المكان، بل هي تمسك بالمبادئ حتى لو كان الثمن الطعن والمنع والتشويه.
إيهاب لُطيف ليس مجرد مهندس في ماجيل، بل هو جسر حي يربط بين نضال الشرق وقيم الحرية في الغرب، وشاعر أدرك مبكراً أن أجمل قصائده هي تلك التي يكتبها بمساره فوق موج البحر، متجهاً نحو غزة.
لمشاهدة كل موسم ندوات كاتب وكتاب 2026 اضغط هنا
للاستماع إلى تسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد