د. عبد الباسط هيكل ينزع قناع شائعات حول طه حسين بين الإسلامويين والعلمانيين مع د. رغد صفوت في صالون تفكير
كتب : نور البطاوي لمجلة “تفكير”
في أجواء فكرية مفعمة بالبحث عن الحقيقة ومحاولة استعادة الوعي التاريخي بعيداً عن صخب المعارك الأيديولوجية، نظم “صالون تفكير” ندوته العاشرة ضمن موسمه الثقافي، تزامناً مع مرور مائة عام على صدور الكتاب الأكثر إثارة للجدل في الثقافة العربية الحديثة: “في الشعر الجاهلي” لعميد الأدب العربي طه حسين. الندوة التي أدارتها باقتدار الدكتورة رغد صفوت، استضافت الأكاديمي والمفكر المصري الدكتور عبد الباسط هيكل، المتخصص في تحليل بنية الخطاب الديني بجامعة الأزهر، ليفتح ملفاً شائكاً طالما أُسيء فهمه: “طه حسين والقرآن الكريم”.
بقلم: نور البطاوي

ما وراء “رجل القش”: تفكيك الاختزال الأيديولوجي
استهل الدكتور عبد الباسط هيكل حديثه بتفنيد حالة “الاختزال” التي تعرضت لها علاقة طه حسين بالقرآن الكريم. وأوضح هيكل أن هذه العلاقة حوصرت بين طرفين متخاصمين؛ خطاب إسلاموي صلب يرى في طه حسين “شيطاناً” هادماً للدين بناءً على فقرات مقتطعة، وخطاب علماني صلب يريد حصر العميد في تلك اللحظة الصدامية فقط.

أكد الضيف أن “طه حسين التاريخي” يختلف تماماً عن تلك الصورة الذهنية المشوهة التي روجتها شائعات مكذوبة، مثل ادعاء طلبه “قلماً أحمر لتصحيح أخطاء القرآن”. واستشهد هيكل بكتابات العميد الأخرى، مثل “مرآة الإسلام” الصادر عام 1959، حيث وصف طه حسين القرآن بأنه “المعجزة الكبرى” وآية صدق الرسول. كما استعرض الجانب الوجداني في حياة العميد، مسترجعاً ذكرياته في “الأيام” عن تأثره العميق بالقرآن كأول كتاب عرفه، ودموعه التي انهمرت حين سمع الشيخ محمد عبده يتلو آيات الله بخشوع وحنان.
المنهج الأدبي: القرآن كنص جمالي مستقل
من النقاط الجوهرية التي ركزت عليها التغطية هي دعوة طه حسين المبكرة في كتابه “في الصيف” (1933) إلى ضرورة دراسة القرآن دراسة جمالية فنية مستقلة. ورأى هيكل أن العميد كان يطمح لتأسيس “منهج أدبي” يرى في جماليات القرآن مظهراً من مظاهر الإيمان، وهو ما تشكل لاحقاً على يد تلميذه أمين الخولي.

وكشف المحاضر عن مفاجأة معرفية تتمثل في كتاب مخطوط بعنوان “دنيا القرآن”، أعلنت عنه حفيدة العميد بعد وفاته بـ 45 عاماً. هذا الكتاب يضم أبحاثاً ومحاضرات ألقاها طه حسين في الأربعينيات والخمسينيات، تتناول “الأمثال في القرآن” و”القصص القرآني”، مما يؤكد أن اشتباكه المعرفي مع النص المقدس لم ينقطع يوماً.
ثلاث قضايا في قلب العاصفة
انتقل الدكتور هيكل لتحليل ثلاث قضايا محورية قام عليها كتاب “في الشعر الجاهلي” وعلاقتها بالقرآن:
- أصالة الشعر الجاهلي: رأى طه حسين أن القرآن الكريم هو أصدق نص يعبر عن الواقع الاجتماعي العربي قبل الإسلام، مقارنة بالشعر الجاهلي الذي اعتراه الانتحال. وأوضح هيكل أن العميد، رغم مبالغته في تعميم فكرة الانتحال، إلا أنه قدم خدمة جليلة للبحث العلمي بوضع “الشك المنهجي” كأداة لاختبار الموثوقية.
- قصة إبراهيم وإسماعيل: ناقشت الندوة اتهام طه حسين بتكذيب القرآن في إخباره عن بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة. وأوضح هيكل أن العميد كان يفرق بين “القصص الديني” الذي يقدم العبرة والهداية، و”القصص التاريخي” الذي يبحث عن الحفريات والوثائق. وأشار إلى أن العميد حذف الفقرات التي سببت إشكالية في الطبعات التالية، مرجحاً أن ذلك كان لقناعة معرفية بأن وجود الأنبياء كشخصيات إيمانية لا يحتاج بالضرورة لوثائق تاريخية مادية.
- نشأة اللغة العربية: خاض هيكل في قضية لغة القرآن، مبيناً أن طه حسين رفض فكرة “توقيفية اللغة” أو هبوطها مكتملة من السماء (لغة آدم). العميد رأى اللغة ككائن حي واجتماعي يتطور، مؤكداً أن العربية التي نزل بها القرآن تشكلت في لحظة تاريخية متأخرة نتيجة تفاعلات اجتماعية، وهو ما تؤيده الدراسات الحفرية الحديثة.
اشتباك الحضور: بين التبرئة والبحث العلمي
لم تخلُ الندوة من مداخلات ساخنة؛ حيث انتقدت الأستاذة أمل عبد الحميد ما وصفته بإصرار المحاضر على “تبرئة” طه حسين وإثبات إيمانه، معتبرة أن البحث العلمي يجب أن يمضي في مساره بغض النظر عن المنطلق الإيماني للباحث. ورد الدكتور هيكل موضحاً أنه لا يحاكم ضمائر الناس، بل يستعرض “المنتج المعرفي” للعميد الذي تم تغييبه لصالح المعارك الوهمية.
كما أثار الأستاذ أشرف قنديل مسألة السياقات السياسية، مشيراً إلى أن الهجوم على العميد كان مرتبطاً بصراعات حزبية (الأحرار الدستوريين) ومواقف سياسية مثل زيارة الجامعة العبرية. بينما ركز الدكتور عماد ثابت والأستاذ جمال عمر على مفهوم “التاريخية” ومصدر المعاني في اللغة، وكيف أن سلطة التراث منحت القداسة لآراء بشرية حول اللغة والقرآن.
خاتمة: إرث لا ينقطع
اختتمت التغطية بالتأكيد على أن مشروع طه حسين والقرآن ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو دعوة مستمرة لتحرير العقل من “الجمود”. وكما خلص الدكتور عبد الباسط هيكل، فإن العميد أراد لنا أن ننتقل من “النقل والترديد” إلى “السؤال والبحث”، مؤكداً أن الخطأ في البحث هو مقدمة لكل صواب، وأن الإيمان الحقيقي لا يخشى التفكير.
لقد أثبتت ندوة “تفكير” أن مائة عام لم تكن كافية لإغلاق ملف طه حسين، لأن الأسئلة التي طرحها ما زالت تمس جوهر وعينا بهويتنا ونصنا المقدس في القرن الحادي والعشرين.
لمشاهدة ندوات موسم المحاضرات حول كتاب في الشعر الجاهلي كلها اضغط هنا
لمشاهدة فيديوهات د. عبد الباسط هيكل في صالون تفكير اضغط هنا
للاستماع لتسجيل صوتي لندوة د. عبد الباسط على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا
لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد