من البردي إلى الأبدية… بنادي كتاب تفكير… تقدمة المهندسة نهلة هنّو

ملحمة إيرين فاييخو “البردي”

كتب نور البطاوي لمجلة تفكير

في فضاء ثقافي يمزج بين عمق التقصي التاريخي وقلق الراهن الرقمي، استضاف “نادي كتاب تفكير” ندوة استثنائية لمناقشة كتاب “البردي: اختراع الكتب في العالم القديم” للباحثة الإسبانية إيرين فاييخو. الندوة، التي قدمتها الباحثة “نهلة هنو” وأدارها “أكمل”، لم تكن مجرد استعراض لعمل موسوعي يتجاوز الأربعمائة صفحة، بل كانت محاكمة أنثروبولوجية لكيفية صياغة الكتاب للهوية البشرية، واستخدام الماضي كمرآة نصقل فيها وعينا بحاضر مهدد بالتلاشي الرقمي.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 من البردي إلى الأبدية... بنادي كتاب تفكير... تقدمة المهندسة نهلة هنّو

بدأت فاييخو سرديتها بـ “خطاف أدبي” يوقظ المخيلة: فرسان غامضون يجوبون طرق اليونان الوعرة بتكليف سري من بطليموس الأول. لم تكن طريدتهم ذهباً أو سبايا، بل كانت “الكتب”. إن هذا الهوس البطلمي، الذي ورثه عن الإسكندر الأكبر، لم يكن مجرد ترف معرفي؛ بل كان تجسيداً لإرادة سياسية تسعى لاحتكار المعرفة الكونية. لقد أراد الإسكندر، المسكون بأسطورة “أخيل” بطل الإلياذة، أن يحقق خلوداً يتجاوز المجد العسكري، فكانت الكتب هي وسيلته لمنافسة الأبطال الأسطوريين. هكذا تحول الكتاب من مجرد أداة تقنية إلى “فريسة مقدسة” في رحلة البحث عن الأبدية.

التطور التقني للكتابة: المادة كقدر للفكر

إن العلاقة بين الفكر البشري والمادة الخام التي تحتويه هي علاقة جدلية بامتياز؛ فخلود الفكرة ارتهن دوماً بصلابة الوسيط أو خفته. توضح الندوة كيف خاض الإنسان صراعاً مع المادة لتأمين انتشار المعرفة، فكان الانتقال من “ثقل الطين” إلى “سيولة البردي” ثورة توازي في أهميتها اختراع العجلة.

مقارنة وسائط الكتابة وتحديات البقاء:

الوسيطالمادة الخامالمزاياالعيوبالقدرة على الصمود (عبر الزمن)
الألواح الطينيةالطين المبللمتوفرة ورخيصةثقيلة الوزن وصعبة النقلعالية جداً (إذا حُفظت من الكسر)
ورق البردينبات البردي (مصر)خفيف، مرن، ثوري في النقليتأثر بالرطوبة والنار والحشراتضعيفة (تحول لهش في رطوبة أوروبا)
الرِّق (الجلد)جلود الحيواناتشديد التحمل ومعمرباهظ الثمن وصعب التحضيرممتازة (صمد في مناخات متنوعة)

لقد تجلت “الديمقراطية المعرفية” في أعظم صورها عبر اختراع الأبجدية. فبينما كانت الكتابات التصويرية (الهيروغليفية والمسمارية) حصناً منيعاً لا يقتحمه إلا الكهنة والكتبة النخبويون، جاءت الأبجدية بـ 22 حرفاً فقط لتحطم هذا الاحتكار. هذا التبسيط حرر المعرفة من المعبد إلى الشارع، ممهداً لولادة الفكر النقدي. ولعل رحلة حرف “E” من أصوله الهيروغليفية (رجل يرفع ذراعيه بهجة) وصولاً إلى اللاتينية، تجسد هذا الاتصال الثقافي الذي جعل الكتابة ملكاً للعامة.

صورة-نهلة-هنو-2-996x1024 من البردي إلى الأبدية... بنادي كتاب تفكير... تقدمة المهندسة نهلة هنّو
نهلة هنّو

الإسكندرية: “الميوزيام” كرحم بكر للعقلانية الكونية

لم تكن الإسكندرية مجرد عاصمة سياسية، بل تجلت كـ “مختبر كوني” أنتج نظريات سبقت عصرها بقرون. كانت “المعرفة كسلطة” هي المحرك لسياسات الاستحواذ العدوانية؛ حيث كانت السلطات تصادر الكتب من السفن الراسية لتنسخها وتخزن “الأصول” في المكتبة، في حين يُمنح أصحابها “النسخ”.

في هذا المناخ، برز “كليماخوس” كـ “مهندس لذاكرة العالم” من خلال وضعه لأول فهرس شامل للمخطوطات. ولم يكن “الميوزيام” مجرد مكان للحفظ، بل كان مصنعاً للعقول أنتج:

  • النموذج الشمسي: بذور مركزية الشمس قبل كوبيرنيكوس.
  • المحرك البخاري والروبوتات: ابتكارات “هيرو” السكندري التي ذهبت طي النسيان.
  • الترجمة العالمية: أول مشروع طموح لنقل معارف بابل وفارس ومصر إلى الوعاء اليوناني، مما أنقذ إرث الشرق من الضياع.

هذا المنجز العظيم، الذي اعتمد على البردي المصري كعماد تقني، هو ما جعل الإسكندرية المركز الذي لا تغيب عنه شمس الفكر، لكنه ظل محصناً بهشاشة الورق أمام عواصف التعصب.

تراجيديا الفقد: عندما يغتال الجهل ذاكرة العالم

يمثل تدمير مكتبة الإسكندرية “انقطاعاً في الذاكرة البشرية” لا يمكن جيره. وكما ذكر عالم الفلك كارل ساجان: “كان بإمكان البشرية الوصول إلى القمر قبل قرون لو لم تدمر مكتبة الإسكندرية”. إن سقوط هذه القلعة المعرفية لم يكن حدثاً عارضاً، بل تراجيديا ممتدة:

  1. زمن كليوباترا: حريق الصراعات العسكرية الذي نال من “مخازن” الكتب.
  2. القرن الرابع الميلادي: ذروة الصدام بين التعصب الديني والفلسفة، الذي انتهى بتحطيم معبد سيرابيوم.
  3. مأساة هيباتيا: اغتيال عالمة الرياضيات هيباتيا على يد حشد غاضب مثل “رصاصة الرحمة” على عصر التنوير القديم، وبداية عصور الظلام.

من الضروري تاريخياً، كما أكدت الندوة، توضيح أن الرواية الثالثة المتعلقة بـ “حريق العرب” هي رواية ضعيفة تاريخياً، تفتقر إلى السند الموثوق. وتربط فاييخو بذكاء بين هذا الفقد التاريخي و”فوبيا الكتب” المعاصرة؛ فحرق الكتب على يد النازيين، وسرقة المكتبات الفلسطينية إبان النكبة لمحوها من الوجود، هي تجليات لنفس العنف الذي يستهدف اغتيال الآخر عبر حرق ذاكرته.

الجدل النقدي: المركزية الأوروبية في ميزان “تفكير”

لم تمر مراجعة الكتاب دون اشتباك نقدي حاد من أعضاء النادي. فقد أبدى “أحمد خفاجي” و”محمد التداوي” غضباً مشروعاً تجاه “المركزية الأوروبية” الطاغية على سردية فاييخو. فبينما جعلت الكاتبة من اليونان “المتن”، رأى النقاد أن بذور المكتبات والكتابة بدأت في مصر (لوحات أبيدوس التي سبقت المسمارية) والعراق، قبل أن يعرف اليونان القلم.

دافعت “نهلة هنو” بأن تخصص الكاتبة الأكاديمي في الكلاسيكيات اليونانية والرومانية هو ما حدد إطارها، لكن النقاش تعمق ليشمل “سلطة النص”. فمن سقراط الذي خشي أن “تقتل الكتابةُ الذاكرة”، وصولاً إلى “تنقيح” روايات مارك توين اليوم بدعوى الصوابية السياسية، نجد أنفسنا أمام خطر الرقابة الدائم. هنا تتقاطع “يوتوبيا” أفلاطون الرقابية التي طالبت بـ “شرطة للشعر”، مع “ديستوبيا” جورج أورويل في (1984)، حيث تصبح مراقبة الفكر وسيلة لضبط القطيع البشري عبر خوارزميات “أمازون” التي تملك اليوم سلطة حذف الكتب عن بعد كما حدث مع رواية أورويل نفسها.

خلود الورق ونداء استعادة المتن

في ختام الندوة، استقرت الرؤية الفلسفية على أن الكتاب الورقي هو اختراع “مكتمل” ونهائي، تماماً كالعجلة والمقص؛ أداة بلغت ذروة تطورها الوظيفي ولا يمكن تجاوزها. إن الفضل في بقاء هذا الإرث لا يعود للملوك فحسب، بل لجيوش من “القراء المجهولين” الذين خاطروا بحياتهم لنقل المخطوطات عبر عصور الفوضى.

الرسالة النهائية واضحة: الشاشات والورق لا يتنافسان، بل يتكاملان لحفظ الذاكرة البشرية. ومع ذلك، يظل هناك نداء ثقافي ملحّ للمؤسسات الثقافية العربية: إن كتاب “البردي” رغم جماله، يظل رواية من “الجانب الآخر”. نحن بحاجة لاستكمال هذا الجهد التوثيقي من منظور غير مركزي، يستعيد المتن المعرفي العربي والمصري القديم، ويمنحه حقه كصانع أول لسر الخلود البشري.. سر الكتابة.

لمشاهدة فيديوهات ندوات نادي كتاب تفكير اضغط هنا

للاستماع لتسجيل صوتي للندوة من راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات