جَوْهَرُ الجَحِيمِ .. تأليف: روبرت سيلڨربرج .. ترجمة: أنطونيوس نبيل
تأليف: روبرت سيلڨربرج
ترجمة: أنطونيوس نبيل
أنطونيوس نبيل
طبيب وشاعر وملحن.

عِنْدَمَا بَلَغَ پول ديربورن العِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، بَزَغَ فِي نَفْسِهِ للمَرَّةِ الأُولَى يَقِينٌ رَاسِخٌ بِأَنَّ الجَحِيمَ مَآلُهُ لَا مَحَالةَ، لَكِنَّ القَلَقَ الذي أَلَمَّ بِهِ إزَاءَ مَآبِهِ البَئِيسِ لَمْ يَدُمْ زَمَنًا طَوِيلًا.
وَعِنْدَمَا بَلَغَ الأَرْبَعِينَ مِنْ سِنِي حَيَاتِهِ، اِسْتَهْوَتْهُ فِكْرَةُ أَنَّ الجَحِيمَ هُوَ عَاقِبَتُهُ وَأَثْلَجَتْ صَدْرَهُ بِلَهِيبِهَا المَوْعُودِ؛ فَمَا الجَنَّةُ فِي لُبِّهَا إلَّا سَأَمٌ لَا انْقِضَاءَ لَهُ وَلَا مَنْجَى مِنْهُ.
لَكِنَّهُ عِنْدَمَا بَلَغَ السِّتِينَ، عَاوَدَهُ القَلَقُ عَلَى ضَآلَتِهِ مُجَدَّدًا. قَالَ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَقَدْ عَبَّ مِنَ الجِعَةِ مَا جَاوَزَ حَدَّ شَرَابِهِ المَأْلُوفَ بِقَدَحَينِ دَاهِقَيْنِ: “إنَّ قَلَقِي لَا يَنْبُعُ مِنْ خَوْفٍ يُخَامِرُ قَلْبِي؛ فَلَسْتُ بِخَائِفٍ عَلَى الإِطَلَاقِ.”
لَمْ يَنْبِسْ الرَّجُلُ -ضَئِيلُ البَدَنِ، رَثُّ الهَيْئَةِ- الوَاقِفُ بِجِوَارِهِ عِنْدَ البَارِ بِبِنْتِ شَفَّةٍ، مُسْتَغْنِيًا عَنْ عَنَاءِ الكَلَامِ بمَحْضِ الابْتِسَامِ؛ فَقَالَ پولُ جَاهِرًا وَقَدْ صَارَتْ نَبْرَتُهُ مُشَبَّعَةً بالحَزْمِ القَاطِعِ: “لَسْتُ بِخَائِفٍ عَلَى الإِطَلَاقِ، إنِّي أَشْعُرُ بِقَلِيلٍ مِنَ القَلَقِ فَحَسْبُ.”
تَسَاءَلَ الرَّجُلُ الضَّئِيلُ: “وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّكَ ذَاهِبٌ إِلَى الجَحِيمِ حَتْمًا؟”
أَجَابَهُ پولُ قَائِلًا: “لَمْ يُسَاوِرْنِي الشَّكُ فِي ذَلِكَ قَطُّ.” صَمَتَ هُنَيْهَةً ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَائِلًا بِنَبْرَةٍ تَنْضَحُ إِفْكًا: “إنَّهُ أَمْرٌ لَا يُكَدِّرُنِي ألبَتَّةَ ولَيْسَ فِي نَفْسِي مِنْهُ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنَ المَرَارَةِ، وإِنِّي لَصَادِقٌ حِينَ أُخبِرُكَ أَنِّي قَدْ عِشْتُ حَيَاةً رَغْدًا إِلَى حَدٍّ مَا، وَأَنِّي لَمُتَأَهِّبٌ لِدَفْعِ الثَّمَنِ وقَانِعٌ بِهِ بَلَا اسْتِيَاءٍ وَلَا احْتِجَاجٍ وَلَا لُحَيْظَةٍ مِنْ نَدَمٍ. هَل أَطْلُبُ لَكَ قَدَحًا آخرَ مِنَ الجِعَةِ؟”
أَجَابَهُ نَدِيمُهُ الضَّئِيلُ: “لَا شَيءَ يَمْنَعُنِي مِنْ قُبُولِ قَدَحِ جِعَةٍ آخرَ، مُطْلَقًا.”
أَوْمَأَ پولُ إِلَى السَّاقِي أَنِ امْلَأْ بالجِعَةِ القَدَحَيْنِ، ثُمَّ تَابَعَ حَدِيثَهُ قَائِلًا: “إنِّي مُوقِنٌ بِأَنَّ الجَحِيمَ هُوَ مَقْصِدِي وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الشَّكَّ اللَّعِينَ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِي ويُنْشِبُ أَظْفَارَهُ فِي شَغَافِ قَلْبِي: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مُتَحَقِّقًا مِنَ الصُّورَةِ التي يَتَجَلَّى فِيهَا الجَحِيمُ-“
أَجَابَهُ الرَّجُلُ الضَّئِيلُ وَقَدِ ائْتَلَقَتْ عَيْنَاهُ: “أَنْفَاسُهَا فَيْحٌ مُتَّقِدٌ تَنْبَعِثُ مِنْهُ رَائِحَةُ الكِبْرِيتِ، فِيهَا يُطْرَحُ الخُطَاةُ فِي بُحَيْرَةٍ مِنْ نَارٍ نَزَّاعَةٍ لِلشَّوَى وَلَا انْطِفَاءَ لَهَا، وَفِي قَعْرِهَا يَجْلِسُ إِبْلِيسُ المَسِيخُ عَلَى عَرْشِهِ ومِنْ رَأْسِهِ يَبْرُزُ قَرْنَانِ مَشْحُوذَانِ كَسَيْفَيْنِ، يُبَصْبِصُ بِذَنَبِهِ كَأَسَدٍ زَائِرٍ يَلْتَمِسُ مَنْ يَبْتَلِعُهُ.”
ضَحِكَ پولُ وَقَالَ لِنَدِيمِهِ سَاخِرًا فِي اسْتِعَلاءٍ: “لَا، لَنْ أُسَلِّمَ لَكَ مُطْلَقًا فِي ذَلِكَ التَّصَوُّرِ السَّاذَجِ، إنَّهُ يَبْدُو مُقْتَبَسًا بِأَمَانَةٍ مُؤْلِمَةٍ مِنْ عِظَاتِ مَدَارِسِ الأَحَدِ للقَرْنِ السَّالِفِ، لَيْسَ حَدِيثُ بُحَيْرَةِ النَّارِ والكِبْرِيتِ مِمَّا يَسْتَسِيغُهُ أُولُو النُّهَى؛ فَلَا جُنَاحٌ عَلَى عَقْلِي أَنْ يَأْبَى التَّسْلِيمَ بِهِ.”
هَزَّ نَدِيمُهُ كَتِفَيْهِ اسْتِهْجَانًا وقَالَ: “لَا حَرَجَ عَلَيْكَ إنْ كُنْتَ مُعْرِضًا عَنِ التَّصَوُّرِ الشَّائِعِ للجَحِيمِ وتَرْغَبُ فِي أَنْ تَتَفَرَّدَ بِتَصَوُّرٍ شَخْصِيٍّ-“
قَاطَعَهُ پولُ وَهُوَ يَصْفَعُ نُضُدَ البَارِ بِكَفِّهِ: “لَقَدْ أَصَبْتَ كَبِدَ الحَقِيقَةِ: إنَّ الجَحِيمَ هُوَ أَمْرٌ شَخْصِيٌّ، يَتَرَاءَى لِكُلِّ شَخْصٍ بِصُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ شَدِيدَةِ التَّفَرُّدِ.”
صَمَتَ نَدِيمُهُ بَغْتَةً وَأَخَذَ يُحَمْلِقُ بِعَيْنَيْنِ غَائِمَتَيْنِ إِلَى زَبَدَ الجِعَةِ المُسْتَقِرِّ فِي قَعْرِ قَدَحِهِ. اِحْتَسَى پولُ قَدَحًا آخرَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى سَاعَتِهِ فَأَدْرَكَ أَنَّ وَقْتَ العَوْدَةِ إِلَى البَيْتِ قَدْ أَزَفَ. طَرَحَ وَرَقَةً نَقْدِيَّةً عَلَى نُضُدِ البَارِ، ثُمَّ خَرَجَ بِخُطًى مُتَّئِدَةٍ قَائِلًا لِنَفْسِهِ بَحَزْمٍ قَاطِعٍ: “كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، سَأَجْنِي مِنْ صُوَرِ الجَحِيمِ مَا أَنَا بِهِ خَلِيقٌ.”
اتَّجَهَ پولُ نَحْوَ مَوْقِفِ الحَافِلَاتِ. كَانَتْ لَيْلَةً قَارِسَةَ البُرُودَةِ، تَتَنَاوَشُ فِيهَا نِصَالُ الرِّيحِ عِظَامَهُ الوَاهِنَةَ. كَانَتْ السُّنُونُ قَدْ أَنْهَكَتْهُ وَهَصَرَتْ مِنْهُ الجَسَدَ والرُّوحَ، كَانَ يَعِيشُ الآنَ فِي عُزْلَةٍ مُطْبِقَةٍ: إنَّ آخرَ زَوْجَاتِهِ قَدِ مَاتَتْ وأَبْنَاءَهُ قَدْ صَارُوا غُرَبَاءَ عَنْهُ، وَإنَّ أَصْدِقَاءَهُ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وأَعْدَاءَهُ لَجَمْعٌ غَفِيرٌ.
بَيْنَمَا كَانَ يَنْعَطِفُ فِي سَيْرِهِ الوَئِيدِ لِيَجْتَازَ زَاوَيَةً فِي الشَّارِعِ، تَوَقَّفَ بَغْتَةً وَقَدْ شَلَّهُ الأَلَمُ المُبَرِّحُ، طَفَقَ يَلْهَثُ وصَوْتُ أَنْفَاسِهِ يَتَصَاعَدُ صَفِيرًا حَادًّا. قَالَ فِي نَفْسِهِ: “إنَّهُ قَلْبِي، لَمْ يَبْقَ لِي مِنَ الوَقْتِ إلَّا النَّزْرُ اليَسِيرُ.”
تَكَالَبَتْ عَلَيْهِ ذِكْرَيَاتُ سِتِّينَ عَامًا مِنْ حَيَاتِهِ: الخِيَانَاتُ، وخَيْبَاتُ الأَمَلِ، والآثَامُ، وَإِفْرَاطُهُ فِي السُّكْرِ وَمَا يَعْقُبُهُ مِنْ خُمَارٍ مَقِيتٍ لَا يَكَادُ يَنْجَلِي عَنْ رَأسِهِ السَّقِيمِ.
لَقَدْ جَمَعَ قَدْرًا مِنَ المَالِ لَا بَأْسَ بِهِ، فَكَانَ رَجُلًا نَاجِحًا وَفْقَ بَعْضِ المَعَايِيرِ، لَكِنَّ الحَيَاةَ لَمْ تَكُنْ نُزْهَةً مُمْتِعَةً قطُّ، بَلْ كَانَتْ رَحْلَةً شَاقَّةً فِي طَرِيقٍ مَخُوفٍ يَغُصُّ بالعَقَبَاتِ الكَأْدَاءِ والأَوْجَالِ الشَّعْوَاءِ، مُفْعَمَةً بالشُّكُوكِ وَالمَآزِقِ، وَمُثْخَنَةً بِلَحَظَاتٍ قَاتِمَاتٍ مِنَ اليَأسِ الصُرَاحِ الذي لَا تَشُوبُهُ ذَرَّةٌ مِنَ الأَمَلِ ولَحَظَاتٍ دَامِيَاتٍ مِنَ الغَضَبِ الجَامِحِ الذي يَنْبَثِقُ مِنَ الشُّعُورِ بالعَجْزِ والفَشَلِ.
أَحَسَّ پولُ بِفَيْضٍ مِنَ الفَرَحِ العَارِمِ يَنْبَجِسُ بَيْنَ أَحْنَاءِ نَفْسِهِ؛ لَأنَّهُ قَدْ صَارَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْ نِهَايَةِ رِحْلَتِهِ، فَهُوَ يُدْرِكُ الآنَ أَنَّ الحَيَاةَ لَمْ تَكُنْ إلَّا صِرَاعًا سَخِيفًا غَيْرَ جَدِيرٍ بالعَنَاءِ. سِتُّونَ عَامًا مِنَ العَذَابِ.
هَا هِي ذِي الحَافِلَةُ تَلُوحُ لِنَاضِرَيْهِ، لَا تَفْصِلُهُ عَنْهَا إلَّا مَسَافِةُ نِصْفِ مُرَبَّعٍ سَكَنِيٍّ. كَانَ عَلَى وَشْكِ أَلَّا يَلْحَقَ بِهَا وَأَنْ يَضْطَرَّهُ ذَلِكَ إِلَى الانْتِظَارِ وَاقِفًا فِي البَرْدِ مَدَّةَ عِشْرِينَ دَقِيقَةً، لَيْسَ بالأَمْرِ الجَلَلِ؟ أَجْل، لَكِنَّهُ تَجَلَّى لَهُ فِي صُورَةِ الخَطْبِ الجَسِيمِ؛ لَأنَّ عَقْلَهُ كَانَ يُكَابِدُ آلافًا مُؤَلَّفَةٍ مِنْ ذِكْرَيَاتٍ طَّافِحَةٍ بِالذُّلِّ والكَرْبِ العَظِيمِ. لَمْ يُطِقْ فِكْرَةَ الانْتِظَارِ؛ فَطَفَقَ يُهَرْوِلُ بِوَجْهٍ مُتَجَهِّمٍ نَحْوَ زَاوِيَةِ الشَّارعِ للِّحَاقِ بالحَافِلَةِ.
تَعَثَّرَ وَهُوَ يُحِسُّ بِقَبْضَةٍ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ تَعْتَصِرُ قَلْبَهُ اعْتِصَارًا. كَبَا عَلى وَجْهِهِ، اِنْدَفَع الرَّصِيفُ نَحْوَهُ بَغْتَةً؛ فَأَدْرَكَ أَنَّهُ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ الأَخِيرَةَ. إنَّهُ المَوْتُ لَا مِرَاءَ فِي ذَلِكَ. فِي لَحْظَةٍ مَلْأَى بالذُّهُولِ والجَزَعِ، جَاهَدَ لِاسْتِعَادَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتَرْخَى تَمَامًا بَيْنَما كَانَتِ الظُّلْمَةُ تَجْتَاحُ وَعْيَهُ، وقَبْلَ أَنْ يَمْحَقُهُ انْقِضَاضُهَا عَلَيْهِ، خَالَجَهُ شُعُورٌ بالامْتِنَانِ لِكُوْنِ الرِّحْلَةِ الشَّاقَّةِ قَدْ انْقَضَتْ أَخِيرًا، وَخَامَرَهُ طَيْفٌ شَاحِبٌ مِنَ الفُضُولِ حَوْلَ مَا سَيَحْدُثُ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ.
وَبَعْدَ رَدَحٍ مِنَ الزَّمَانِ، فَتَحَ عَيْنَيْهِ مَرَّةً أُخْرَى وَنَظَرَ حَوْلَهُ: فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الخَاطِفَة، وقَبْلَ أَنْ يَجْرِفَ نَهْرُ النِّسْيَانِ أَطْلَالَ ذَاكِرَتِهِ، أَدْرَكَ طَبِيعَةَ العِقَابِ الأَبَدِيِّ الذي حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ، وَعَرَفَ جَوْهَرَ جَحِيمِهِ وَمَوْضِعَهُ المَشْئُومِ: فِي مُسْتَشْفَى الوِلَادَةِ، حَالَمَا صُفِعَ پولُ ديربورنُ عَلَى مُؤَخِّرَتِهِ صَفْعَةً شَدِيدَةً وتَدَفَّقَ الهَوَاءُ إِلَى رِئَتَيْهِ، أَطْلَقَتْ حَنْجَرَتُهُ عَوِيلًا مَدِيدًا أَشْبَهَ بِصَرْخَةٍ نَاجِمَةٍ عَنِ اليَأْسِ، لَا عَنِ الأَلَمِ.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


اترك رد