د. وائل فاروق يكشف تناقضات حداثة طه حسين بصالون تفكير

في أجواء فكرية مشحونة بالأسئلة الوجودية حول الهوية والحداثة، نظم “صالون تفكير” ليلة الأحد 17 مايو، ندوة استثنائية أدارها الدكتور وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية بجامعة يورك بكندا، واستضاف فيها البروفيسور وائل فاروق، أستاذ اللغة العربية وآدابها بالجامعة الكاثوليكية في ميلانو. الندوة التي جاءت بعنوان “أزمة في الشعر الجاهلي وحداثة التعايش بين المتناقضات”، لم تكن مجرد استعادة لكتاب طه حسين الشهير في ذكراه المئوية، بل كانت محاولة لتفكيك بنية الحداثة المصرية والبحث عن “الوجه الإنساني” الغائب في صراع التقليد والتجديد.

بقلم: نور البطاوي

صورة-نور-البطاوي--768x1024 د. وائل فاروق يكشف تناقضات حداثة طه حسين بصالون تفكير

القاهرة: من الريادة العالمية إلى “الحداثة الزائفة”

استهل الدكتور وائل فاروق طروحاته برؤية تاريخية مغايرة، مؤكداً أن القاهرة لم تكن يوماً مدينة منعزلة، بل كانت عاصمة عالمية للتجارة وصناعة الزجاج والنسيج قبل الغزو العثماني، وأوضح أن مصر كانت تمضي في طريقها الخاص نحو حداثة مغايرة، إلى أن جاءت الحملة الفرنسية وما تلاها من سياسات محمد علي التي أسست لما وصفه بـ “الحداثة الزائفة”.

ويرى فاروق أن مشروع محمد علي قام على تدمير الطبقة الوسطى وحرمانها من المساهمة الفكرية، حيث ركز التعليم على الجوانب التقنية (الهندسة والطب) لخدمة طموحاته العسكرية، بينما غابت العلوم الإنسانية والآداب والفلسفة عن حركة الترجمة الرسمية لعقود. هذا الخلل البنيوي أدى إلى نشوء “نخبة موظفة” لدى الدولة، تتسم بالمحافظة والانغلاق، مما خلق انفصالاً حاداً بين التقنية الحديثة والجوهر الإنساني للحداثة.

لحظة طه حسين: انفجار التناقضات

اعتبر فاروق أن صدور كتاب “في الشعر الجاهلي” عام 1926 كان بمثابة “لحظة كاشفة” لانفجار التناقضات المستقرة في خطاب التحديث المصري، ولعل المفارقة الأبرز التي طرحتها الندوة هي الموقف السياسي من الكتاب؛ فبينما هاجم حزب الوفد “الليبرالي” طه حسين بشراسة من منطلق محافظ، دافع عنه حزب الأحرار الدستوريين رغم موالاتهم للقصر والاستعمار.

هذا المشهد يعكس ما أسماه فاروق “حداثة التعايش بين المتناقضات”، حيث يتداخل الخطاب الحداثي والتقليدي في البنية والآليات. فالحداثيون، مثل التقليديين تماماً، بحثوا عن “سلف” يمنحهم المشروعية؛ فبينما استدعى التقليديون فقهاء القرون الوسطى، استدعى الحداثيون ابن رشد والمعتزلة لشرعنة أفكارهم في الحاضر.

المرصفي ونالينو: اللقاء بين التقاليد والمنهج

في نقطة مركزية ومجددة، دعا الدكتور وائل فاروق إلى إعادة النظر في تكوين طه حسين العلمي، مشيراً إلى أن عبقريته لم تكن نتاج تمرده على التقاليد فحسب، بل كانت ثمرة لقاء فريد بين روح مجددة للتقاليد العربية تمثلت في الشيخ سيد بن علي المرصفي، والمناهج العلمية الأوروبية التي نقلها المستشرقون الإيطاليون مثل كارلو نالينو.

لقد نجح الشيخ المرصفي في تحرير النص الأدبي من قيود الحفظ والتلقين ووضعه في مركز اهتمام الطلاب، بينما منح نالينو لطه حسين الأدوات لوضع هذه النصوص في سياقها التاريخي. هذا المزيج هو ما جعل طه حسين قادراً على قراءة التراث بذائقة لغوية أصيلة ومنهج علمي يضبط الاستنتاجات.

الاشتباك لا التبعية: طه حسين نبياً للمتوسط

صحح البروفيسور فاروق المفهوم الشائع حول علاقة طه حسين بالغرب، مؤكداً أنه لم يكن “وسيطاً” أو “تابعاً”، بل كان يدعو إلى “الاشتباك مع الآخر بين أنداد”. وأشار إلى جهود طه حسين في إنشاء معاهد ثقافية عربية في أوروبا (مدريد، أثينا، نيس) لمواجهة الاستعمار ثقافياً وفرض الهوية العربية كشريك في حضارة البحر المتوسط.

وفي سياق متصل، أشار فاروق إلى أن طه حسين كان يرى في البحر المتوسط فضاءً جامعاً يتجاوز المفهوم الضيق للعروبة، فضاءً يسمح لشعوب المنطقة بالتفاعل الحضاري المستمر بعيداً عن صراعات المركزية الأوروبية.

نقاشات ساخنة: الحداثة بين الأداة والمعنى

لم تخلُ الندوة من مداخلات نقدية عميقة؛ حيث تساءل الأستاذ أحمد خفاجي عن طبيعة الحداثة وهل هي مجرد أدوات، مشيراً إلى أن التيارات الإسلامية تستخدم التقنيات الحديثة ببراعة. 

ورد فاروق موضحاً أن الحداثة الحقيقية هي القدرة على إنتاج المعنى الخاص بالذات واللحظة الراهنة، محذراً من أن التيارات الراديكالية قد تتبنى بنى الحداثة التنظيمية لكنها تظل مفرغة من الجوهر الإنساني.

من جهته، شدد الدكتور قاسم المحبشي على ضرورة التمييز بين “الحداثة” كمنهج عقلاني لنزع السحر عن العالم، وبين “التحديث” كمظاهر استهلاكية وتقنية. 

كما أثارت الأستاذة إيمان رفاعي تساؤلاً حول الصدمة التي أحدثها طه حسين في البيئة العربية التي لم تمر بالتطور اللاهوتي الذي عرفه الغرب.

لماذا انتفض المجتمع الديني؟

وفي إجابته على سؤال الأستاذ محمود مصطفى حول سبب انتفاضة المؤسسة الدينية ضد الكتاب، قدم فاروق تفسيراً لغوياً لافتاً؛ فالقضية لم تكن مجرد شك في تاريخية إبراهيم وإسماعيل، بل كانت تهديداً لـ “الشواهد الشعرية” التي بنيت عليها القواعد النحوية. فإذا كان الشعر الجاهلي منحولاً، فإن القواعد النحوية المستمدة منه ستنهار، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى “فوضى عارمة” في تأويل النص القرآني الذي يعتمد كلياً على هذا النظام اللغوي.

اختتم الدكتور وائل فاروق الندوة بالتأكيد على أن مأساة قراءتنا لطه حسين تكمن في أننا غرقنا في الدفاع عن الماضي، بينما كان طه حسين يكتب ليدفعنا نحو المستقبل. إن الحداثة التي نرجوها ليست في قطيعة مع التراث ولا في تبعية مطلقة للغرب، بل في امتلاك الثقة لاكتشاف المعنى الأصيل في تقاليدنا والاشتباك به مع العالم المعاصر.

لقد كانت ندوة “تفكير” أكثر من مجرد قراءة في كتاب؛ كانت دعوة لاستعادة “الوجه الإنساني” في صراعنا الحضاري، والتأكيد مع طه حسين على أن الهويات الحقيقية ليست نقية أو منغلقة، بل هي نتاج تلاقح مستمر لا يتوقف.

لمشاهدة تسجيلات د. وائل فاروق بصالون تفكيراضغط هنا

للاستماع للتسجيل الصوتي للندوة على إذاعة تفكير على تليجرام اضغط هنا.

لمشاهدة تسجيل فيديو الندوة على يوتيوب، اضغط الرابط التالي:

لمشاهدة قائمة بمحاضرات دكتور وائل فاروق في صالون تفكير اضغط هنا.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات