القرآن في الأدب العربي ما قبل العصر الحديث 3.. دانيلو مارينو… ترجمة: عماد السعيد

d8b9d985d8a7d8af-d8a7d984d8b3d8b9d98ad8af القرآن في الأدب العربي ما قبل العصر الحديث 3.. دانيلو مارينو… ترجمة: عماد السعيد

3

إن من أوائل النصوص في النقد الأدبي التي استحضرت الفارق العميق بين القرآن والشعر، كما يبيّن كلود أودبير، كتاب “طبقات الشعراء” لابن المعتز (ت 296هـ/908م). فالمعلى الطائي، على سبيل المثال، حين تاب من حياة المجون، هجر الشعر هجرًا تامًّا، وكان يقال له: لم لا تقوله وأنت نسيج وحدك؟ فيقول: قد أبدلني الله تلاوة كتابه. وعن شاعرٍ اشتهر بقصائده الزهدية، هو أبو العتاهية (ت 210هـ/825م أو 211هـ/826م)، يقول ابن المعتز: وكان له بنتان: إحداهما يقال لها بالله، والأخرى لله وكان له ابن زاهد ناسك، وكان مع ذلك شاعراً، وعلى العكس من ذلك، فإن شاعرًا مثل أبو نواس (ت 283هـ/811م)، الذي كثيرًا ما وُصف بالمجون، يُشاد به لعلمه الدقيق بالقرآن، والفقه الإسلامي، وأقوال المذاهب الفقهية، وكأنَّ كما يضيف أودبير، “نظم الشعر يُعَدّ أمرًا منافياً لمعرفة القرآن وإتقانِه”،  توضّح حكاية شهيرة هذه الديناميكية بشكل أفضل: كان أبا نواس يتجوّل برفقة الحسين بن الضحاك، حين سمع الاثنان شخصًا يتلو الآيات التالية: {يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْۚ} البقرة: 20. عندئذٍ، تذكر أبو نواس شعر من أحد مؤلفاته الشعرية (الخمريات)، وتلا هذه الأبيات:

وسيارة ضلت عن القصد بعدما        ترادفهم أفق من الليل مظلم
وأصغوا إلى صوت ونحن عصابة وفينا فتى من سكره يترنم
فلاحت لهم منا على النأي قهوة كأن سناها ضوء نار تضرم
إذا ما حسوناها أقاموا بظلمة وإن مزجت حثوا الركاب ويمموا

قال ابن حمدون، فحدث بهذا الحديث محمد بن الحسين بن مصعب فقال لي: يا أبا عبدالله لم يسرقه من ألفاظ القرآن ولا كرامة له ولا مسرة ولكن سرقه من قول الشاعر:

وليل بهيم كلما قُلت غَورت                 كواكبه عادت فما يتزيّلُ
به الركب إما أومض البرقُ "هزموا" فإن لم يَلح فالقوم بالسير جُهّل

يمكن إذن أن نتساءل، كما يفعل أودبير، لماذا يرفض محمد بن الحسين بن مصعب بشدة تهمة السرقة (الاقتباس) من القرآن، بينما يفضّل في المقابل الاعتراف بأن النموذج الملهم لأبي نواس موجود في أبيات تأبّط شرًّا، وهو الشاعر الجاهلي الصعلوك الشهير، والذي مع ذلك فإن أبياته تُشبه بصورة مدهشة الآيات القرآنية. إننا نلاحظ بالفعل نوعًا من النفور من الاعتراف بأن مرجعًا قرآنيًا، منزوع من سياقه بوصفه كلامًا إلهيًا، يمكن إدخاله في قصيدة تمدح الخمر. وهكذا فإن حرج ابن مصعب من كونه أمام عمل يُعدّ تدنيسًا للمقدس، أو بالأحرى تجديفا، يُمحى لصالح التأكيد على الاستمرارية مع تقليد الشعر العربي الفصيح. وبعبارة أخرى، يظلّ الشعر والقرآن منفصلين، لأن الإلهام الإلهي لا يمكن الخلط بينه وبين الإلهام البشري.

وبصرف النظر عما إذا كان أسلوب القرآن معجزا أم لا، فإن التأثير الذي مارسه على تطور الأدب العربي منذ بداياته وحتى يومنا لا يمكن إنكاره بلا شك. فمنذ البداية، نعلم أن مجرد تلاوة آيات القرآن كان بإمكانها أن تُحدث اعتناقا سريعا للدين وإحداث طلاوة لدى مستمعيه. علاوة على ذلك، ظهرت إشارات إلى القرآن وإلى الجماعة الإسلامية الناشئة في الإنتاج الأدبي العربي منذ السنوات الأولى عقب وفاة النبي. وبالتالي، سواء كان القرآن انعكاسًا للجمال الإلهي أم لا، فلا يمكننا إنكار، كما يؤكد نافيد كيرماني، أن التجربة التي عاشها ويستمر المسلمون في عيشها مع القرآن، باعتباره نصًا منظوما شاعريا، هي بلا شك تجربة ذات طبيعة جمالية.

ظل الشعر الجاهلي، وخاصة متعدد المواضيع والمعروف بالقصيدة، هو النموذج المرجعي في التأليف، من حيث البناء، الوزن، والجمالية. رغم العداء الظاهر للقرآن تجاه هذه المؤلفات، لم يتوقف الشعر عن الازدهار حتى بعد ظهور الوحي، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن القرآن لم يُعرّف نفسه قط كعمل شعري يُحتذى به، بل بوصفه كلاما إلهيًا مختلفًا عن الأدب. علاوة على ذلك، كانت مواقف محمد تجاه الشعراء غامضة جدًا. فمن جهة، نقل لنا التراث عددًا من الأقوال الواضح فيها النفور من الشعراء، مثل: “لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا، فيريه، خيرا له من أن يمتلئ شعرا” أو “الشعر هو الشيطان”. ومن جهة أخرى، هناك شواهد عديدة يظهر فيها النبي فوائد الشعر، مثل قوله: “إن من الشعر لحكمة”، “إذا خفي عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر فإن الشعر ديوان العرب”.

على أي حال، رغم الانتقال من أخلاقٍ أنثروبوسنتريّة (متمحورة حول الإنسان)، التي تحكمها قيم مثل الشرف والعار، إلى نظام ثيوسنتري (متمحور حول الله)، يهيمن عليه الشعور بالذنب والندم، كما يلاحظ زُبَيْدي، فإن البنية السياسية القبلية للعرب بعد ظهور الإسلام بقيت على حالها تقريبا. وبالتالي، استمر مجموع الموضوعات والصور في التراث الشعري ما قبل الإسلام في التأثير العميق على الشعر الغنائي في القرون الأولى من الإسلام. ومع ذلك، فإن القرآن قد وفر بالتأكيد للشعراء الذين ولدوا بعد الوحي نموذجًا جديدًا من الصور، والأفكار، والأساليب، والتعابير، بالإضافة إلى سرد قصص أنبياء الله، ومثوى الكافرين، ووصف جلي للجنة والنار ويوم القيامة، والتي، وفقًا لزُبَيْدي، تمت استيعابها وتحويلها وتعديلها في مختلف الأحيان ضمن التراكيب الشعرية في القرون الأولى من الإسلام. وعلى عكس النثر الذي ضمّن نصوص القرآن حرفيًا، فإن الشعر، لاضطراره إلى التوافق مع البنية الصافية للوزن الشعري، كان مضطرًا لتكييف الاقتباسات القرآنية وفقًا للبيت الشعري الذي يختاره الشاعر في كل مرة.

إن الثعالبي وهو من أوائل من عَرّفوا مفهوم الاقتباس من القرآن، مقابل المعارضة، حيث يُعتبر الاقتباس، حسب رأيه، عملية جديرة بالتقدير. ومع ذلك، حسب الثعالبي، ليست كل الحالات مناسبة لاحتواء اقتباسات قرآنية. فالفصل السادس عشر من كتابه (الاقتباس من القرآن الكريم) يعرض أمثلة يظهر فيها الشاعر تجاوزه حدود الاقتباس القرآني البسيط والصحيح، عندما لا يكتفي بأخذ صورة بسيطة من القرآن، بل يغوص فيها بشكل مفرط، مستفرغا، كما يرى الثعالبي ضمنيًا، قوتها البلاغية بالكامل، كما يظهر في هذه الأبيات للشاعر أبو تمام (توفي 231هـ/845م):

أيهذا العزيز مسنا الضر           جميعاً وأهلنا أشتات
ولنا في الرجال شيخ كبير ولدينا بضاعة مزجاة
فاحتسب أجرنا وأوف لنا الكيل سريعا فإننا أموات

حيث هي تَمثُلا للآية القرآنية {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} يوسف: 88..

عندما يُستخدم آية قرآنية تشير إلى مما استأثر الله به من صفات لوصف شيء آخر، كما في هذه الأبيات الأخرى:

يا بني طاهر أتتكم جنود اللـه      والموت بينهما منثور
في جيوش أمامهن أبو أحمد {نعم المولى ونعم النصير}

حيث يتطابق الشطر الأخير من البيت الشعري مع الآية القرآنية {وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ ۚ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} الأنفال: 40، و{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُم إِبْرَاهِيمَ ۚ… فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ ۚ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} الحج: 78.

إن مسألة مدى جواز الاقتباس من القرآن، سواء في النثر أو في الشعر، كانت تشغل العديد من العلماء والأدباء. فعلى سبيل المثال، يرى ابن حجة الحموي (توفي 837هـ/1434م) أن: الاقتباس مقبول في الخطب والدروس والمعاهدات، ومباح في الشعر الغزلي، والرسائل، والقصص، بينما الاقتباس القرآني في الهزل والخلاعة مردود. وهذه هي أيضًا مواقف المدارس الفقهية – ما عدا المدرسة المالكية – والتي، وفقًا لـ السيوطي (توفي 911هـ/1505م)، تدين استخدام القرآن في الهزل والمجون. أما النووي (توفي 676هـ/1277م)، فيرى أن القرآن مصدر مشروع للاقتباسات في النثر، لكنه مستهجن ومذموم في الشعر. ويضيف السيوطي أن السبب في ذلك هو أنه إذا حُرم القرآن من الشعر في جوهره، فيجب بالمثل أن تُحرم الشعرية (في جوهرها) من النثر. ومع ذلك، كما أشار وداد القاضي ومستنصر مير استنادًا إلى تحليلهم لكتاب آخر للسيوطي، وهو (الإتقان في علوم القرآن)، حيث يبدو أن النقاش العقدي والفقهي حول جواز الاقتباس القرآني في النصوص الأدبية قد انخرط فيه النقاد العرب في مرحلة متأخرة نسبيًا، مما يسمح بالقول إنه على الأقل في البداية، كان الأدب العربي يستخدم النص القرآني بحرية.

في الواقع، كما لاحظ الزبيدي، يبدو أن المديح هو الجنس الأدبي الذي تأثر بالقرآن أكثر من غيره. فمع ظهور الإسلام، ظل الشاعر بمثابة الراوٍ باسم مجموعة سياسية أو طائفة دينية. ونظرًا لأن الوضع السياسي في العصر الأموي (41-132هـ / 661-750م) كان مترنحًا وغير مستقر نسبيًا، فقد كان شعراء مثل جرير والفَرَزدَق (كلاهما توفّي حوالي 112هـ / 730م)، كانا يستوحان من الوصف القرآني، يمثلان موكليهم، الخلفاء الأمويين ومسؤوليهم الإداريين، بوصفهم حماة الإسلام، وأئمة أو قادة دينيون ملهمون من الله، ويقارنونهم أحيانًا بصحابة محمد والأنبياء وبالمقابل، في الهجاء، كانوا يُشبَّهون خصومهم بالكفار، والمشركين، وحزب الشيطان، أي بجميع الشخصيات الفسدة والعدائية والمتمردة والملعونة التي يوردها القرآن.

فعلى سبيل المثال، نظم جرير (توفي حوالي 110هـ / 728م) هذه الأبيات في مدح عمر بن عبد العزيز (توفي 99-101هـ / 717-720م):

نال الخلافة، لأنه كان قَدَرًا مُقدَّرًا
مثل موسى الذي جاء أمام ربه بمشيئة عليا

تقارن بالآية القرآنية:
{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} الطلاق: 3.

وأيضا:

من يهده الله يهتد لا مضل له      ومن أضل فما يهديه من هاد

وهو نفس المعنى تقريبا في الآيتين: {وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ} الزمر 36-37.

في قصيدةٍ أخرى، يهجو الفرزدق (ت 110هـ/728م) يزيد بن المهلب وآل المهلب بهذه الأبيات:

لما رأوا أن أمر الله حاق بهم         وأنهم مثل ضلال من النعم 
فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم كأنهم من ثمود الحجر أو إرم

فالبيت الأول يماثل الآية القرآنية:
{وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ} (الأحقاف 46:26).
{إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (الفرقان 25:44).
بينما يُلمِّح البيت الثاني إلى هلاك ثمود، وهي إحدى القبائل، التي مثل إرم، تَظهر في القرآن متمرّدةً باستمرار على الله.. مثل الآية: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ} ( الأحقاف 46:25).
وتأثّر الشعرُ الغزليّ وإن بدرجة أقل بجانب المديح بالنصّ القرآني أيضا. ومن طريف القول أنّه إذا كان ابن حجّة الحموي يرى أنّ الاقتباس من القرآن في مجال الغزل أمرٌ مباح، فإنّ جلال الدين السيوطي، حين ينقل آراء ابن حجّة الحموي، يستبعد الغزل عن عمد من قائمة الأجناس الأدبية التي تُجيز الاقتباسات القرآنية فيها.

على أيّ حال، فقد أُدمجت شخصيّاتٌ وأفكارٌ وتعبيراتٌ كثيرةٌ من الكتب المقدّسة ضمن المخيال الغزلي المعقّد للشعر العربي. فالجنّة، بما تتّصف به من عذوبةٍ وروعةِ حدائقها، وبجمال وطهارة الكائنات التي تسكنها، تُعدّ إلى حدّ بعيد الصورةَ الأكثر تكرارًا في وصف لذّات الحبّ، إذ تُقرأ بوصفها بديلًا مشروعًا لقسوة الحياة الصحراوية، كما يظهر مثلًا في هذه الأبيات التي يخصّصها الفرزدق لـنَوّار، زوجته التي كان قد طلّقها:

وكانت جنتي، فخرجت منها       كآدم حين لج به الضرار

حتى إبان الخلافة العباسية اللاحقة في بغداد (132-650هـ/750-1250م)، استمرّ القرآن بوصفه مصدر إلهام للشعراء الملقّبين بـ«المجددين». ومن أبرزهم بلا شك، الشاعر الشهير أبو نواس، وبالأخص مؤلّفاته (الخمريات) والغزلية. ويمكن الاطلاع، على سبيل المثال، على هذه الأبيات:

أثن على الخمر بآلائها     وسمها أحسن أسمائها

مبنية على الآية {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (الأعراف 7:69). والآية {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف 7:180).

وأيضا:

مدامة، سجد الملوك لذكرها     جلت عن التصريح بالأسماء

والذي يلمح فيها إلى الآية {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} (مريم 19:58). والآية {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن 55:78).

وفي تركيبٍ آخر، تمَّت صياغة ثلاثة أشطار شعرية كاملة على الكلمة الإلهية.

أشكو إليك ما أجد     فاسمع ولا تقل قولا ثقيلا
وإن طالت الصلاة فخفف فإن لك في النهار شغلا طويلا
وإذا ما تركتني وانصرفت فاهجرني هجرا جميلا

{إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (5)، {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا} (7)، {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} (10) (المزمل).

وفي أبيات أخرى، لم تكن بالتأكيد قد خفيت عن أوائل منظّري إعجاز القرآن كالباقلاني، يُظهر أبو نواس مهارةً عروضية استثنائية، إذ يُضمِّن في أبياته مقاطع قرآنية كاملة.

نُهدي إليكم حرارةَ تحيّتنا،
فحيُّوا بتحيّةٍ أحسنَ منها أو رُدُّوه

وهو يستعيد المثل القرآني القائل: {وإذا حُيِّيتُم بتحيّةٍ فحيُّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها} (النساء: 86).

وكذلك قوله:

وفتية في مجلس وجوههم   ريحانهم قد عدموا التثقيلا
دانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا

فالبيت الأول مصوغ على مثال قوله تعالى: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ} (الواقعة: 89). أمّا البيت الأخير فهو اقتباسٌ حرفيّ من الآية {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا} (الإنسان: 14).

وبالمثل، يُدرج المؤلّف المقطع القرآني الآتي:
{أرأيتَ الذي يُكذِّبُ بالدين فذلك الذي يَدُعُّ اليتيم} (الماعون: 1-2) ضمن قصيدةٍ أخرى:

وقرا معلنا ليصدع قلبي  والهوى يصدع الفؤاد السقيما
أرأيت الذي يكذب بالديـ ن فذاك الذي يدع اليتيما

ويستخدم أبو نواس في موضع آخر، صورًا تتعلّق بالتجلّي الإلهي. إذ يستحضر تجلّي الله وقدرته لوصف جمال محبوبته وآثار الحب:

فلو أبصرتها لخرر    ت عند دُنُوها صعقا

وهو تناص لقوله {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا} (الأعراف: 143).

وأخيرًا نجد أيضًا إشارةً أخرى مستوحاةً من القرآن في هذين البيتين:

إذاً لعلمت أن الحـــــــــب يأخذ أخذ مقتدر

وهو يقتبس من قوله تعالى: {فَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ} (القمر: 42).

وأحيانًا تكون الإشارات القرآنية ذات طابعٍ ساخرٍ وماجن بوضوح، كما في هذا البيت المنسوب إلى أبي نواس.

للفرجِ عرضُ شبرٍ وعليه صوفٌ منفوش

حيث إن عبارة “صوفٌ منفوش” في الشطر الأخير مقتبسة من {وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} (القارعة :5).

وهذا التوتّر بين الإسلام والنزعة اللذّية التي تنقلها أشعار أبي نواس الساخرة لم تغب بالتأكيد عن أوائل النقّاد المسلمين، الذين وضعوا مثل هذه القصائد في دواوين خاصّة سُمّيت الكفريّات، أي “دلائل الكفر” أو “أشعار الإلحاد”، ومن ذلك هذا البيت:

تمتع بالخمور وباللواط   ولا تخش المرور على الصراط

ومع ذلك، وكما بيّن ايوالد فاجينر، فإنّ التحويل الساخر للإسلام الذي حاول أبو نواس إحداثه في خمريّاته لا يصدر عن منظومةٍ فكريةٍ محدّدة. بل ينبغي قراءته بوصفه تعبيرًا لذّايًّا عن متعةٍ تكبحها العقيدة والأخلاق الإسلامية، في حين ميل الأدب باعتباره فضاءً يتمتّع باستقلالٍ نسبي عن الدين ومرتبطًا بطبيعته بالنزعة التمرّدية للإبداع الفنّي، بل يعمل على ابرازها. وفضلًا عن ذلك، فإنّ الشاعر لا يقتصر على استلهام النصّ المقدّس للتعبير عن قناعاتٍ أخرى فحسب، بل إنّ التراث الشعري الكلاسيكي كلّه، الجاهلي والإسلامي المبكّر، يتعرّض بدوره للقلب والتحوير في مواضع عديدة. وهكذا، تتحوّل إعادة توظيف الأعراف الدينية والأدبية لأغراضٍ تهكّمية إلى نوعٍ من التمرّد الأخلاقي والاجتماعي واللذّاتي المستمر، حيث تُقلب القيم البدوية البطولية، والحبّ العذري، والمثل الإسلامية رأسًا على عقب.

ومن جهةٍ أخرى، سيعمد شعراء آخرون بعد أبي نواس إلى تضمين مقاطع قرآنية بحرّية حتى في القصائد الهزلية والماجنة الصريحة، كما في هذين البيتين لشاعرٍ مجهول:

أوحى إلى عشاقه طرفه  {هيهات هيهات لما توعدون}
وردفه ينطق من خلفه {لمثل هذا فليعمل العاملون}

حيث إنّ الشطرين الأخيرين من البيتين هما اقتباسان قرآنيان: {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ} (المؤمنون: 36)، و{لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} (الصافات: 61).

وكذلك في هذه الإبيجرامة المنسوبة إلى ابن الوردي:

رب فلاح مليح    قال يا أهل الفتوة
كفلي أضعف خصري فأعينوني بقوة

حيث إنّ الشطر الأخير من البيت الثاني مقتبسٌ من {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ}. (الكهف:95).

وفي إبيجرامةٍ أخرى في مديح الحشيش، وهي المادّة التي سيحتفي بها شعراء العصر المملوكي ابتداءً من القرن الثالث عشر إلى جانب الخمر، تَرِدُ أيضًا إشارةٌ قرآنية:

جفني غدا من الحشيش تالفا   ومذ رماني الجفن من أعلى الدرج
قلت له أنت الذي أوقعتني فقال لي {ليس على الأعمى حرج}

حيث إنّ الشطر الأخير هو تضمينٌ واقتباسٌ من الآية القرآنية {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} النور:61.

يبدو واضحًا، من خلال تحليل هذه الأمثلة، أنّ التلميح القرآني الموجَّه إلى الشعراء الذين {يقولون ما لا يفعلون} يمثّل من جهة إدانةً جليّةً لنفاقهم، لكنه من جهةٍ أخرى لا يمكن إلا أن يُقرأ بوصفه ذريعةً تتيح لهم تناول موضوعات وصور تقع على تخوم الهرطقة، بل وحتى تدنيس المقدس. فالأدب، في الواقع، قادرٌ على معالجة موضوعات ملتبسة كالسُّكر بالخمر أو بالمخدّرات، أو العلاقات المثلية ذات الطابع الإيروتيكي إمّا بالالتفاف عليها، وإمّا باستغلال الطابع الإشكالي لبعض المقاطع القرآنية، مثل تلك المتعلّقة بالخمر. وفي نهاية المطاف، يبقى الشعر شعرًا فحسب، ولا يعكس بالضرورة أيَّ ممارسةٍ واقعية، كما يوضّح أبو التقى البدري في هذه الأبيات التي يختم بها مختاراته الطريفة من القصائد والنوادر المستوحاة من الحشيش والخمر، والموسومة براحة الأرواح في الحشيش والراح:

وحقّ مَن مزُجتْ صرف الشمول له  
ما ذقتُ خمراً ولم أشربْ كمنَ شرباَ
ولا اعترفتُ صُحين الزيه في عمري
لكن أوصافهم من عادة الأدباَ

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات