من  الكنيسة إلى الجامعة الحديثة: تطبيق النموذج على الحياة العلمية الغربية.. بقلم: كريم المزكلدي

historic stone church in lush green setting

هذا المقال يشرح تاريخ تطور سلطة الخطاب من الكنيسة إلى الجامعة ويعد نموذج تطبيقي لبحث سابق بعنوان “من فوكو وهابرماس إلى بورديو وألتوسير.. نحو بناء نموذج تفسيري يقوم على الشرعية”

كريم-المزكلدي من  الكنيسة إلى الجامعة الحديثة: تطبيق النموذج على الحياة العلمية الغربية.. بقلم: كريم المزكلدي

يكشف تاريخ المؤسسات العلمية في الحضارة الغربية أن إنتاج المعرفة لم يكن منذ البداية نشاطًا فرديًا منفصلًا عن البنية الاجتماعية، بل ارتبط تدريجيًا بمؤسسات تولت تنظيم عملية التعليم والبحث والتدوين وحفظ المعارف ونقلها بين الأجيال. ويظهر هذا التحول بوضوح في تأسيس أرسطو للوقيون في أثينا؛ فقد كان هدفه، بعد عودته إلى المدينة، إنشاء «مدرسة جديدة ومركز للبحث»، وهو ما جعل اللوقيون يتجاوز صورة الحلقة الفلسفية التي يرتبط نشاطها بشخص المفكر، ليصبح فضاءً يضم البحث والتعليم والتلاميذ والمساعدين. ويشير جورج سارتون إلى أن مرحلة اللوقيون ارتبطت بجزء مهم من النشاط العلمي لأرسطو، كما يميز بين مؤلفاته المبكرة والمصنفات العلمية التي ارتبطت بأيام اللوقيون والأبحاث التي أنجزها في مراحل مختلفة من حياته، بما يدل على اتساع النشاط المعرفي الذي احتضنته المؤسسة (جورج سارتون، تاريخ العلم: العلم القديم في العصر الذهبي لليونان، ج1، القسم الثالث، ص 156–157). ولا يظهر أرسطو في هذا السياق بوصفه المنتج الوحيد لكل ما ارتبط باللوقيون؛ إذ يشير سارتون إلى احتمال أن تكون بعض النصوص قد مثلت تعاليم ثيوفراسطوس أو غيره من المشائين، وأن بعض الأعمال ربما كانت ثمرة تعاون بين أرسطو ومساعديه وتلاميذه، كما ارتبط جزء من المادة بمذكرات المحاضرات التي كان المستمعون يدونونها ثم تخضع للمراجعة لاحقًا (ص 164). وهذا يعني أن إنتاج المعرفة بدأ يأخذ شكلًا جماعيًا يتجاوز حدود المؤلف الفرد، وأصبح مرتبطًا بعلاقات مؤسسية بين الأستاذ والتلاميذ والمساعدين والكتب والمكتبة والمحاضرة والتدوين.

وتزداد أهمية هذا البعد المؤسسي عندما نتابع مصير مؤلفات أرسطو بعد وفاته؛ فقد انتقلت أوراقه إلى ثيوفراسطوس، ثم إلى نِيليوس، قبل أن تمر بسلسلة من الانتقالات انتهت إلى وصولها إلى روما، حيث قام أندرونيكوس الرودسي بجمعها ونشرها، فأصبحت نسخته أساسًا للنسخ اللاحقة (سارتون، ص 161–162). وهنا تظهر المؤسسة لا باعتبارها مجرد مكان توجد فيه المعرفة، وإنما باعتبارها آلية تتيح للمعرفة الاستمرار بعد غياب منتجها الأول. فالمعرفة التي أنتجها أرسطو داخل شبكة من التلاميذ والمساعدين لم تتوقف بموته، وإنما انتقلت عبر الأشخاص والمخطوطات والمؤسسات، وهو ما يكشف أن استمرار المعرفة يحتاج إلى بنية اجتماعية قادرة على حفظها وإعادة تداولها وإعادة إنتاجها. ومن ثم يمكن النظر إلى اللوقيون بوصفه نموذجًا مبكرًا للانتقال من المعرفة بوصفها نشاطًا مرتبطًا بالفيلسوف الفرد إلى المعرفة بوصفها نشاطًا مؤسسيًا يقوم على جماعة علمية ووسائل للتعليم والتدوين والحفظ.

ولا يقتصر هذا التحول على اللوقيون، فقد عرف العالم القديم أشكالًا أخرى من التنظيم المؤسسي للمعرفة، كما يظهر في تاريخ الإسكندرية. يذكر سارتون أن ستراتون، المرتبط بمدرسة اللوقيون، أسهم في تحويل المتحف إلى «معهد للبحث العلمي» بدلًا من اقتصاره على وظيفة مدرسة للشعر والخطابة، وذلك من خلال الاهتمام بالبحث في الطبيعة والمنهج الفيزيقي، انطلاقًا من الاعتقاد بأن التقدم لا يتحقق إلا على أساس علمي (جورج سارتون، العلم القديم والمدنية الحديثة، ترجمة عبد الحميد صبرة، تقديم أحمد فؤاد باشا، المركز القومي للترجمة، 2010، ص 36). وقد ارتبط بهذا التحول نشاط واسع في الرياضيات والفلك، وبرزت في الإسكندرية أسماء مثل أقليدس وإراتوستينس وأبولونيوس، بما جعلها مركزًا علميًا تتفاعل فيه جماعة من العلماء والمعارف والتخصصات (ص 37). كما تكشف علاقة أقليدس بالأكاديمية واللوقيون أن المعرفة العلمية كانت تنتقل داخل شبكة مؤسساتية مترابطة؛ فقد كان أقليدس على معرفة بمحتويات كتاب ثيودوس الذي أُعد للدراسة في الأكاديمية، وربما كان كتاب مماثل يستخدم في اللوقيون، بينما كان أرسطو يعرف بعض النظريات التي أعاد أقليدس صياغتها في الأصول (ص 64). وبذلك لم تعد المؤسسات مجرد أوعية محايدة تحفظ المعرفة، بل أصبحت جزءًا من شروط انتقالها وتنظيمها وتطويرها.

غير أن المؤسسات العلمية لم تكن ثابتة الوظيفة، وهو ما يكشف أن شرعية المؤسسة العلمية نفسها قابلة للتحول. فالأكاديمية، مثلًا، تغيرت وظيفتها في مراحلها المتأخرة، ولم تعد بالدرجة نفسها «معهدًا تدرس فيه الرياضيات العليا»، بل غلبت عليها الأفلاطونية الجديدة، وأصبحت تستوعب اتجاهات فلسفية مختلفة وتسعى إلى مناقشتها والتوفيق بينها (سارتون، العلم القديم والمدنية الحديثة، ص 175، 177). وفي مقابل تراجع بعض الوظائف العلمية للمؤسسات القديمة ظهرت مراكز جديدة للمعرفة، ومنها المدرسة الرياضية في القسطنطينية في النصف الأول من القرن السادس (ص 178). ويكشف هذا المسار أن إنتاج المعرفة لا يرتبط بمؤسسة واحدة بصورة أبدية، وإنما يتأثر بتغير وظائف المؤسسات وقدرتها على احتضان البحث وتوفير شروط استمراره. ومن هنا يمكن فهم تاريخ المعرفة باعتباره، جزئيًا، تاريخًا لتحول المراكز المؤسسية التي تمتلك القدرة على إنتاج المعرفة وتنظيمها وحفظها ونقلها.

وفي السياق الأوروبي الوسيط حدث تحول أكثر عمقًا مع صعود المسيحية وتحول الكنيسة تدريجيًا من جماعة دينية إلى مؤسسة ذات حضور اجتماعي وسياسي واسع. ويبين سارتون أن الاعتراف الرسمي بالمسيحية، وخاصة منذ عهد قسطنطين، جعل الكنيسة مرتبطة بصورة متزايدة بأمور المجتمع والدولة، كما أصبح لرجال الدين واللاهوتيين دور أساسي في الدفاع عن العقيدة وتنظيمها (سارتون، العلم القديم والمدنية الحديثة، ص 196–198، 209). ومع الاعتراف الرسمي بالمسيحية أصبح تحديد العقيدة أكثر إلحاحًا، وظهرت الخلافات والنزاعات حول مسائلها، وهو ما جعل تنظيم المعرفة الدينية وتحديد العقيدة الصحيحة جزءًا من وظيفة المؤسسة الكنسية (ص 214). وهكذا برزت مؤسسة جديدة ذات قدرة متزايدة على تحديد ما ينبغي اعتباره عقيدة صحيحة وما ينبغي استبعاده منها.

وقد تبلورت هذه السلطة بصورة أوضح في العصور الوسطى عندما أصبحت الكنيسة طرفًا مركزيًا في تحديد شرعية المعرفة. ويصف جورج مينوا اللاهوت بأنه احتل موقع «سيد العلوم»، وأن اللاهوتيين أصبحوا أصحاب المكانة المعرفية العليا، بحيث كان العلم الطبيعي يُدرس ضمن إطار يظل مرتبطًا بالمرجعية اللاهوتية (جورج مينوا، الكنيسة والعلم: تاريخ الصراع بين العقل الديني والعقل العلمي، ص 14). ومع توسع نفوذ الكنيسة في الجامعات منذ القرن الثالث عشر، أصبحت المؤسسة الجامعية نفسها مرتبطة بدرجة كبيرة بالإطار اللاهوتي، وأصبح تفسير قضايا الطبيعة والوجود يجري ضمن نسق معرفي تتصدره العقيدة (ص 53، 58–59). ولم تكن المشكلة في هذه المرحلة مجرد وجود اختلاف بين رجال الدين والعلماء، وإنما في أن المؤسسة الكنسية امتلكت سلطة تحديد حدود القول المشروع، بحيث كان التعارض مع التفسير اللاهوتي السائد يمكن أن يؤدي إلى التشكيك في صحة الرأي أو اتهامه بالخطأ أو الهرطقة (ص 11–14). كما ارتبطت السلطة العقائدية بالسلطة الرسمية للكنيسة وبما يسميه مينوا «السلطة التعليمية» أو Magistère، الأمر الذي جعل الاختلاف في بعض القضايا يتجاوز الخلاف العلمي إلى مسألة تتعلق بالمرجعية التي تمتلك حق تحديد العقيدة (ص 11، 13). وفي الوقت نفسه لم ترفض الكنيسة الفلسفة اليونانية رفضًا مطلقًا، وإنما استوعبت عناصر من أفلاطون وأرسطو وأعادت تأويلها داخل النسق المسيحي، بحيث أصبحت الفلسفة ودراسة الطبيعة جزءًا من منظومة تربط المعرفة بالنظام الإلهي، وظل العلم، في التصور المدرسي، مرتبطًا باللاهوت من حيث غايته وحدود مشروعيته (ص 53، 58–59).

ومن هذه الزاوية، فإن الجامعة الوسيطة لا ينبغي فهمها باعتبارها منذ نشأتها مؤسسة مستقلة عن الكنيسة ومنافسة لها؛ فقد كانت، في بداياتها، جزءًا من البنية التي أعادت من خلالها المؤسسة الدينية إنتاج المعرفة وتعليمها. فاللاهوت احتل موقع «سيد العلوم»، بينما أدرجت الفلسفة ودراسة الطبيعة داخل نظام معرفي كانت غايته النهائية مرتبطة بالعقيدة والخلاص (مينوا، ص 58، 167). لكن هذه العلاقة لم تبقَ ثابتة، إذ بدأت داخل المؤسسة الجامعية نفسها تتشكل شروط جديدة للبحث في الطبيعة، وأخذت المعرفة العلمية تعتمد بصورة متزايدة على الملاحظة والتجربة والقياس، وهو ما أدى تدريجيًا إلى إعادة تحديد معيار الشرعية في بعض مجالات المعرفة. ومن ثم لم يكن انتقال الشرعية المعرفية من الكنيسة إلى الجامعة عملية مفاجئة، ولا مجرد انتقال للسلطة من مؤسسة إلى أخرى، بل كان تحولًا تدريجيًا في معيار الاعتراف بالمعرفة: فبعد أن كانت الشرعية تستمد أساسها الأساسي من الوحي وسلطة التفسير اللاهوتي، أخذت المعرفة الطبيعية تستند بصورة متزايدة إلى الملاحظة والتجربة والبرهان والتخصص.

وتوضح الثورة العلمية هذا التحول بصورة أكثر دقة. فحالة كوبرنيكس تكشف أن العلاقة بين العلم والكنيسة لم تكن منذ البداية علاقة صدام مباشر؛ فقد كانت أفكاره معروفة لدى بعض رجال الكنيسة، وعُرض «التعليق الصغير» في الفاتيكان بحضور البابا وعدد من الكرادلة، كما شجعه أحد الكرادلة على نشر أفكاره. وعندما نشر كوبرنيكس دوران الأفلاك السماوية سنة 1543 لم تؤد عملية النشر نفسها إلى مواجهة مباشرة مع الكنيسة الكاثوليكية، وظل الكتاب موضع إهمال نسبي في القرن السادس عشر، بينما كان البروتستانت أكثر إدانة له في بعض السياقات (جون جريبين، تاريخ العلم 1543–2001، ج1، ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، ص 31، 36). لكن وضع الكوبرنيكية تغير مع ارتباطها بقضايا فلسفية ودينية أخرى، ولا سيما مع جيوردانو برونو، ثم انتهى الأمر إلى إدراج كتاب كوبرنيكس في قائمة الكتب المحظورة سنة 1616 (ص 40–42). وفي قضية غاليليو أصبح الصراع أكثر وضوحًا، لأنه لم يعد يتعلق بالنظرية الفلكية وحدها، بل ارتبط أيضًا بالسؤال حول من يمتلك حق تحديد ما يجوز الدفاع عنه وتعليمه باعتباره معرفة مشروعة؛ فقد واجه غاليليو محاكمة أمام محكمة التفتيش وانتهى الأمر بإدانته وإجباره على التراجع (ص 140).

لكن مسار كبلر ونيوتن يبين في المقابل أن إعادة توزيع الشرعية المعرفية لم تكن عملية خطية تنتقل فيها المعرفة ببساطة من الدين إلى العلم. فقد كان كبلر نفسه مرتبطًا بتقاليد دينية، ومع ذلك تبنى النموذج الكوبرنيكي، كما تأثر نمو العلم في أوروبا الوسطى بالصراعات الدينية والسياسية (جريبين، ج1، ص 82–83، 95). وحتى نيوتن، الذي يمثل أحد أهم رموز العلم الحديث، ظل منشغلًا بقضايا دينية ولاهوتية، وكانت له مواقف دينية غير أرثوذكسية اعتُبرت من منظور الكنيسة هرطقة، في الوقت الذي أصبح فيه تصوره للكون قائمًا بصورة متزايدة على تفسير الظواهر من خلال قوانين وآليات طبيعية قابلة للفهم (ص 234، 238). وهذا يعني أن التحول لم يكن انتقالًا من «الدين» إلى «العلم» بمعنى إلغاء الأول للثاني، وإنما إعادة توزيع تدريجية لاختصاصات إنتاج الحقيقة والاعتراف بها.

ويتضح هذا التحول بصورة أكبر مع تطور الجامعة الحديثة. ففي تجربة كبلر، كانت المدارس اللاتينية والجامعة في البداية جزءًا من مسار إعداد رجال لخدمة الكنيسة أو الدولة، وكانت اللاتينية لغة التعليم والعلم، لكنه حين التحق بجامعة توبنغن لدراسة اللاهوت تلقى أيضًا الرياضيات والفيزياء والفلك، وتعرف على أفكار كوبرنيكس من خلال أستاذ الرياضيات ميشيل مايستلين (جريبين، ج1، ص 81–83). وتكشف هذه التجربة أن المؤسسة الجامعية بدأت توفر فضاءً يمكن أن تنتقل داخله المعرفة من إطار التعليم التقليدي إلى مجال المناقشة العلمية والبحث. ويتكرر ذلك مع روبرت هوك، الذي وجد في الوسط الأكاديمي بأكسفورد مجالًا للانخراط في التجربة والبحث، وأسهم في أعمال روبرت بويل وأجرى أبحاثًا فلكية واشتغل على الساعات والتجارب العلمية (ص 198). ويظهر الأمر بصورة أوضح في نيوتن عندما أصبح أستاذًا في كرسي لوكاس للرياضيات في جامعة كامبريدج سنة 1669، الأمر الذي يكشف عن تشكل مواقع أكاديمية متخصصة تتيح للبحث العلمي مجالًا مؤسسيًا داخل الجامعة (ص 234).

وفي القرن التاسع عشر أصبح هذا الاتجاه أكثر رسوخًا، فلم تعد الجامعة مجرد مكان لتلقين المعارف، وإنما أصبحت جزءًا من شبكة لإنتاج المعرفة الجديدة. ويظهر ذلك في تجربة تشارلز لييل، الذي التحق بأكسفورد سنة 1816، واكتشف فيها اهتمامًا بالرياضيات والجيولوجيا وتعرف من خلال التعليم الجامعي إلى أعمال علمية جديدة، بما يكشف انتقال الجامعة تدريجيًا من مؤسسة يغلب عليها التعليم التقليدي إلى فضاء يتفاعل مع البحث العلمي المتجدد (جون جريبين، تاريخ العلم، ج2، ص 12). ويتضح هذا التطور في مسار ديمتري مندلييف، الذي انتقل من معهد التربية إلى جامعة سانت بطرسبرغ، واستفاد من برامج دراسية في باريس وهايدلبرغ، وعمل مع بونسن وكيرشوف، وحضر اجتماع كارلسروه سنة 1860، ثم عاد إلى سانت بطرسبرغ أستاذًا للكيمياء العامة، وأصبح سنة 1866 أستاذًا للكيمياء في جامعة بطرسبرغ؛ وهنا تظهر الجامعة باعتبارها جزءًا من شبكة دولية تضم الجامعات والأساتذة والطلاب والمختبرات والمؤتمرات العلمية (ص 75).

كما تكشف تجربة وليام تومسون عن تغير طبيعة العلاقة بين العالم والجامعة؛ فقد درس في كيمبريدج، ونشر أبحاثه في صحيفة كيمبريدج للرياضيات، ثم أصبح أستاذًا للفلسفة الطبيعية في غلاسكو سنة 1846 وظل في هذا المنصب أكثر من نصف قرن، ثم عاد بعد تقاعده إلى الجامعة بوصفه طالب بحث، بما يدل على أن الجامعة أصبحت فضاءً مستمرًا للبحث، وليس مجرد مرحلة تنتهي بالحصول على الشهادة (جريبين، ج2، ص 90–91). ويأخذ هذا التحول شكله المؤسسي الأكثر وضوحًا مع جيمس كليرك ماكسويل، الذي انتقل من إدنبره إلى كيمبريدج، ثم أصبح أستاذًا للفلسفة الطبيعية، قبل أن تستدعيه الجامعة ليكون أول أستاذ للفيزياء التجريبية باسم كافنديش، ثم يتولى إقامة ورئاسة معمل كافنديش الذي افتتح سنة 1874 وأصبح لاحقًا أحد أهم مراكز البحث في الفيزياء الحديثة (ص 143، 150). هنا تصبح المعرفة العلمية مرتبطة بالبنية المادية والتنظيمية للمؤسسة: كرسي علمي، أستاذ متخصص، مختبر، طلاب، باحثون، ومجموعة من الوسائل التي تجعل إنتاج المعرفة عملية قابلة للتراكم والاستمرار.

ويستمر هذا المسار في القرن العشرين؛ فإدنجتون، مثلًا، تلقى تعليمه في مانشستر وكيمبريدج، ثم أصبح أستاذًا للفلك والفلسفة التجريبية، ومديرًا لمراصد الجامعة سنة 1914، فاجتمعت في المؤسسة وظائف التعليم والبحث والرصد والإدارة العلمية ونشر المعرفة (جريبين، ج2، ص 328). كما أصبحت الجامعة جزءًا من التحولات الكبرى في بنية التخصصات العلمية؛ فالديناميكا الحرارية تحولت في القرن التاسع عشر إلى مجال علمي مستقل، وتفاعلت الجامعة مع المشكلات التي فرضتها الثورة الصناعية، كما استفادت الصناعة بدورها من المعرفة العلمية الجديدة (ص 85). وفي القرن العشرين تظهر وظيفة أخرى للجامعة من خلال الجامعة المفتوحة في بريطانيا، التي تأسست سنة 1969، حيث أصبحت هيئة التدريس مطالبة بمتابعة أحدث المعلومات العلمية وإدخال المعرفة الجديدة في المواد التعليمية، بحيث لم تعد الجامعة تنقل المعرفة المستقرة فقط، بل أصبحت تشارك في تحديث المعرفة وتنظيمها وإعادة إدخال نتائج التطورات العلمية في العملية التعليمية (ص 186–187).

وبذلك يمكن النظر إلى المسار الممتد من اللوقيون إلى الجامعة الحديثة باعتباره تاريخًا لتحول البنية المؤسسية التي تنتج المعرفة وتمنحها الاعتراف. ففي اللوقيون ظهرت صورة مبكرة للمعرفة المنظمة داخل جماعة من الأستاذ والتلاميذ والمساعدين، وفي الإسكندرية تطورت مراكز بحثية احتضنت تخصصات متعددة، ثم تغيرت وظائف المؤسسات القديمة وظهرت مراكز جديدة للعلم. ومع صعود الكنيسة أصبحت المؤسسة الدينية طرفًا مركزيًا في تحديد العقيدة وحدود المعرفة المشروعة، ثم دخلت الجامعة الوسيطة في هذا النظام بوصفها إحدى مؤسسات التعليم وإعادة إنتاج المعرفة. غير أن تطور البحث الطبيعي والملاحظة والتجربة، وما رافقه من كوبرنيكس إلى غاليليو وكبلر ونيوتن، أدى تدريجيًا إلى إعادة التفاوض حول معايير الشرعية المعرفية. ومع تطور الجامعة الحديثة، ثم ظهور الكراسي العلمية والمختبرات والمراصد وشبكات العلماء والمجلات والمؤتمرات، أصبحت المعرفة العلمية إنتاجًا مؤسسيًا لا يقوم على العالم الفرد وحده، وإنما على شبكة من المؤسسات والأدوار والقواعد والموارد التي تجعل المعرفة قابلة للتراكم والتصحيح وإعادة الإنتاج.

وعليه، فإن التحول التاريخي الذي تكشفه هذه المصادر لا ينبغي اختزاله في انتقال بسيط للسلطة من «الكنيسة» إلى «العلم» أو من «الدين» إلى «الجامعة»، وإنما يمكن فهمه بوصفه إعادة توزيع تاريخية للشرعية المعرفية بين مؤسسات مختلفة. فالمؤسسة التي تمتلك القدرة على تنظيم التعليم والبحث، وحفظ المعرفة، وتحديد شروط إنتاجها، والاعتراف بمن يحق له إنتاجها، تصبح طرفًا أساسيًا في تحديد ما يُقبل بوصفه معرفة مشروعة. ومن هذه الزاوية، يمثل اللوقيون لحظة مبكرة في مؤسسية المعرفة، وتمثل الكنيسة مرحلة تركزت فيها سلطة تحديد الحقيقة داخل مؤسسة دينية ذات سلطة عقائدية، بينما تمثل الجامعة الحديثة مرحلة أعيد فيها تنظيم الشرعية العلمية داخل مؤسسة أكاديمية تقوم على التخصص والبحث والتجربة والتراكم. ولا يعني ذلك أن هذه التحولات كانت خطية أو خالية من التداخلات، وإنما يعني أن مركز الشرعية المعرفية ظل مرتبطًا بقدرة المؤسسة على تنظيم إنتاج الحقيقة وضمان تداولها وإعادة إنتاج شروط الاعتراف بها. وهكذا يصبح تاريخ المعرفة، في هذا المنظور، ليس مجرد تاريخ للأفكار والنظريات، بل أيضًا تاريخًا للمؤسسات التي جعلت بعض الأفكار قابلة للإنتاج والتدريس والنشر والاعتراف، وجعلت بعضها الآخر عرضة للاستبعاد أو التشكيك أو إعادة التفسير.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات