الحاج عبد الموجود موجود؟ صراع الوجود والعدم – بقلم: مروة هجرس

marwa-hagras الحاج عبد الموجود موجود؟ صراع الوجود والعدم - بقلم: مروة هجرس

في صباح كئيب، بلا مهام أو التزامات، جلس الإنسان يحتسي قهوته، أو ما يعادل رشفة من البيرة الفاخرة إذا كان ألمانيًا. لم يكن صباحًا سعيدًا ولا حزينًا… كان صباحًا خاليًا من الانشغالات، هادئًا حد الملل حتى أنه صار يسمع صدى نبضات قلبه، مما جعله يسترجع أزمته الوجودية ويسأل نفسه بصوت منخفض: هل سنظل نعاني من هذا القلق الوجودي للأبد؟ ضحك للحظة، إذ كانت كلمة “الوجود” دائمًا تذكره بالإفيه الشهير من مسرحيته المفضلة سك على بناتك، حيث يرن الهاتف، يمسك العظيم فؤاد المهندس السماعة، ويجد صوتًا جهوريًا يسأل بغلظة: “الحاج عبد الموجود موجود؟”

توقف الإنسان للحظة، وقرر في نوبة من نوبات استخفاف الظل أن يسمي قلقه الوجودي “الحاج عبد الموجود”، وبدأ يتساءل: هل الحاج عبد الموجود فعلًا؟ أم أن كل شيء مجرد سيناريو عبثي وضعنا فيه دون توقيع أو إذن مسبق؟

في تلك اللحظة، ظهر جانبه الفلسفي، ذاك الكائن المزعج اللزج الذي لطالما طرح عليه أسئلة بلا إجابة، أو منحه إجابات أقسى من قدرة قلبه على التحمل.. ذلك القلب الذي، ويا للدهشة، مازال رقيقًا رغم كل ما خاضه من معارك مع الوجود.

أجابه عقله بصوت هادئ: منذ لحظة فتحنا أعيننا، يواجهنا الألم الوجودي: شعور عميق بأننا موجودون، وكل شيء حولنا بلا معنى. نتألم مما نجده في الحياة ومن ملايين الاحتمالات السيئة التي يمكن أن تحدث بلا مقدمات، ونخاف لأننا نعلم أن العدم احتمال دائم. إنها “لعنة الوجود” كما يسميها الفلاسفة. الحياة ليست مجرد صداع صباحي أو اجتماع ممل، بل حفلة عبثية يمزج فيها الكون بين الكوارث والكوميديا، لكنك لا تحمل تذاكر للدخول، فقط تدخل رغمًا عنك وكل ما تحمله هو المسؤولية.

بينما كان الإنسان يغوص في قهوته، ظهر فجأة شبح العدم بابتسامة ساخرة كابتسامة الجوكر: “مرحبًا، ألمك الوجودي يذكرك أن الحياة عبث، وتمسكك بها نوع من التمرد على نهايتك المحتومة. وبالمناسبة، لا تقلق بشأن الحاج عبد الموجود، ربما هو فعلا موجود، وربما هو مجرد استعارة عن خوفك من الفراغ.”

رفع الإنسان فنجانه وقال بسخرية لم يتمالكها: “ربما يخليك…”

 ثم أردف: “هل الحرية المطلقة عبء، أم مجرد خدعة أخرى من الكون لإقناعنا بالاستمرار؟”

أجابه العدم وهو يلوّح بيديه: “الحرية عبء إذا حاولت اختيار المعنى بين كل احتمالات الحياة. كل خطوة، كل قرار، أنا هنا لأذكرك أن النهاية ستأتي، سواء أحببت ذلك أم لا. كل ما عليك فعله هو التظاهر بأنك لم تلاحظ، والضحك قليلًا على عبثك قبل أن ينقضّ عليك الواقع.”

حينها، ظهر الحاج عبد الموجود، مبتسمًا كإله إغريقي تتجاوز حكمته آلاف الأعوام، بصوت دافئ يشبه صوت الفنان رشوان توفيق في المسلسلات الدينية: “أزمتك ليست فقط مع الوجود، ولا مع العدم، بل مع العلاقة الغريبة بينهما. أنت تتألم لأنك حي وتتألم أيضًا لعلمك أن تلك الحياة مهما طالت ستنتهي، ثم تضحك لأنك تعلم أن النهاية حتمية. حتى الضحك سيكون عبثيًا في النهاية. الحياة ساخرة هكذا.”

سأل الإنسان، وعيناه تلمعان بمزيج من الدهشة واليأس:

“هل يعني كل هذا البحث عن المعنى، وكل استسلامي لليأس أحيانًا، أنني مجرد ممثل صغير في مسرحية كوميدية كونية؟”

أومأ الحاج عبد الموجود: “بالضبط. أنت عالق بين معنى تبحث عنه ونهاية لا تستطيع قبولها، مثل ضيف في مطعم فاخر يعرف أن الحلوى ستذوب قبل أن ينتهي منها. الألم ليس عدوًا، والخوف من العدم ليس كارثة، بل دعابة كونية صغيرة تجعلنا نستمر، نبتسم، ونعيش.”

التمسك بالحياة رغم إدراكنا لعبثها، السخرية من كل شيء من الاجتماعات المملة إلى رسائل البريد الإلكتروني التي لا تنتهي، هو ما يعطي للوجود نكهته. الحياة مليئة بالألم، لكنها أيضًا مليئة بالحب والفكاهة، تجعلنا نضحك حتى في وجه الفراغ.

الحاج عبد الموجود موجود في صداعك، في قهوتك، وفي السخرية التي تجعل كل لحظة من الألم والتمسك بالحياة ممتعة، ولو مؤقتًا. هذا التوازن بين المعاناة والقدرة على الاستمتاع بما لديك، بين الألم الوجودي والخوف من العدم، هو ما يجعلنا أحياء فعلًا… وساخرين كذلك.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات