أفكار وذكريات عن د. مراد وهبة… د. محمد السيد… مع جمال عمر… بصالون تفكير

في لحظة مهمة من العمل الفكري المعاصر، تأتي الندوة الخامسة من موسم “كاتب وكتاب” ضمن أنشطة “صالون تفكير” لتشكل جسراً معرفياً يوثق الشهادات الحية للمفكرين العرب. الأهمية لهذه اللقاءات تكمن في قدرتها على استعادة “المسارات المنسية” للفكر العربي، وتحويلها من مجرد ذكريات شخصية إلى وثائق تاريخية تشرح بنية العقل الجامعي المصري في عصره الذهبي. أدار الندوة الأستاذ جمال عمر، واستضاف فيها الدكتور محمد السيد، في لقاء كُرّس للاحتفاء بذكرى المفكر الراحل مراد وهبة، واستنطاق ذاكرة تلميذه الذي عايش تحولاته الفكرية عن قرب.

بقلم: AI

ai أفكار وذكريات عن د. مراد وهبة… د. محمد السيد... مع جمال عمر... بصالون تفكير
  • التخصص الأكاديمي: أستاذ المنطق وفلسفة العلوم، والحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية.
  • المسيرة المهنية: يشغل حالياً منصب أستاذ الفلسفة بكلية الآداب جامعة الكويت، وهو عميد سابق لكلية الآداب بجامعة المنيا في مصر.
  • الدور الفكري: يُعد من أبرز المهتمين بتوثيق سير رواد الفلسفة، حيث تميز بتقليد “الوفاء العلمي” عبر تتبع ورصد اللحظات الأخيرة في حياة أساتذة الجيل.

وقد مثلت هذه الندوة محاولة رصينة لربط الوشائج العلمية والإنسانية التي جمعت الضيف بالراحل مراد وهبة، مقدمةً قراءة تحليلية تتجاوز السرد البيوجرافي إلى الاستدلال الفلسفي.

d985d8b1d8a7d8af-d988d987d8a8d8a9 أفكار وذكريات عن د. مراد وهبة… د. محمد السيد... مع جمال عمر... بصالون تفكير

بورتريه فكري: مراد وهبة.. قرن من الفلسفة والجدل التنويري

رحل الدكتور مراد وهبة في يناير 2026 عن عمر ناهز المئة عام، مخلفاً وراءه إرثاً تحول إلى “ظاهرة خلافية” هزت أركان السكون الفكري في المجتمع العربي. لم يكن وهبة مجرد أستاذ أكاديمي، بل كان “محرضاً عقلانياً” بامتياز، مما جعل شخصيته محوراً للانقسام بين مؤيد يرى فيه منارة للتنوير، ومعارض ينقد حدة أطروحاته في الدين والسياسة.

بدأت علاقة  محمد السيد بمراد وهبة عبر القراءة في الثمانينيات، لتتوطد في التسعينيات وتتحول إلى علاقة قائمة على “التضامن الأخلاقي المؤسسي”. تجلى هذا في مواقف إنسانية نبيلة، مثل “مهمات الأكاديمية التي اضطلع بها وهبة للإشراف على طالبات تعرضن لظروف تعسفية في جامعتي عين شمس. ولعل الموقف الأكثر دلالة هو سفره إلى مدينة الإسماعيلية لمناقشة رسالة ماجستير وهو في الرابعة والتسعين من عمره، تقديراً لتلميذه د. محمد السيد. هذه الصلابة لم تكن جسدية فحسب، بل كانت تعبيراً عن شجاعة فكرية وقدرة نادرة على قبول الاختلاف؛ إذ كان وهبة يسعد بمناقشة معارضيه بابتسامة، مؤمناً بأن الجدل هو وقود العقلانية. 

قسم الفلسفة بجامعة القاهرة (العصر الذهبي)

d8b7d987-d8add8b3d98ad986 أفكار وذكريات عن د. مراد وهبة… د. محمد السيد... مع جمال عمر... بصالون تفكير

استحضرت الندوة البيئة العلمية في أربعينيات القرن الماضي، حيث كان قسم الفلسفة بجامعة القاهرة بمثابة “مختبر كوني” استقطب كبار المستشرقين وصاغ وجدان جيل وهبة بروح من التعددية الإبستمولوجية.

أبرز الرواد والأساتذة الذين صاغوا عقل وهبة:

  • طه حسين: العميد الذي كرس الجامعة كساحة للحرية الفكرية المطلقة.
  • عبد الرحمن بدوي: الفيلسوف الوجودي الذي اكتشف نبوغ وهبة مبكراً منذ السنة الثانية، حين قدم وهبة بحثاً معمقاً عن “كانت” أثبت فيه قدرة فائقة على التمييز بين التحليلي والتركيبي، فبدأت بينهما صداقة علمية كان مسرحها حوارات يومية أثناء السير من “شارع همدان” إلى الجامعة.
  • يوسف كرم، عثمان أمين، وأبو العلا عفيفي: الرواد الذين مثلوا مدارس متنوعة من الكانطية إلى الديكارتية والتصوف الفلسفي.
  • الأساتذة الأجانب (مدرسة السوربون): أمثال “برييه”، “لالاند”، “بول كراوس”، و”كوايريه”. هؤلاء لم يكونوا مجرد مدرسين، بل جعلوا من القاهرة امتداداً فلسفياً حقيقياً للسوربون والجامعات الأوروبية الكبرى، مما مكن وهبة من التشبع بأرقى مناهج النقد الغربي.

جمعية “إخوان الصفا القاهريون”: نموذج للتسامح الفكري والبحث عن الأثر

كشفت الندوة عن فصل استراتيجي من تاريخ مصر الليبرالي، وهو جمعية “إخوان الصفا القاهريون” التي تأسست عام 1941. لم تكن هذه الجمعية مجرد منتدى، بل كانت “بروفة” مبكرة لمفهوم المواطنة العالمية.

  • ضمت الجمعية أطيافاً متباينة شملت الأب هنري عيروط، الأب جورج قنواتي، المفكر محمود الخضيري، والشيخ فتح الله بدران.
  • اجتمع في رحابها مسلمون ومسيحيون ويهود، مصريون وأجانب (أمثال عزيز مرزا وموريس ياكاريني)، لمناقشة قضايا الفلسفة والروحانية.

إن توقف الجمعية عام 1953 يمثل “تراجيديا الفقد” في التاريخ الثقافي المصري. ومن هنا، أطلقت الندوة دعوة استراتيجية للباحثين لتقصي وثائق هذا “الأثر المفقود” في أرشيفات صحيفة الأهرام أو دير الآباء الدومينيكان، معتبرة أن استعادة تاريخ هذه الجمعية هو استعادة لجذور التسامح الفكري الموؤود.

أعمدة المشروع الفلسفي: العلمانية كدرع ضد الحروب الطائفية

يرتكز مشروع مراد وهبة على ثنائية “التشخيص والعلاج”. فقد شخص “جرثومة التخلف” كعائق إبستمولوجي يقدس النصوص البشرية ويجمد العقل، بينما صاغ العلاج عبر ثلاثة أركان:

  1. العلمانية: قدم وهبة تعريفاً يتجاوز ثنائية (الدين/الإلحاد)، معتبراً إياها “التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس مطلقاً”. العلمانية عنده ليست إنكاراً للإله، بل هي درع ضد الحروب الأهلية الطائفية، لأنها تمنع أي فصيل من ادعاء امتلاك “الإرادة الإلهية” في الشأن السياسي المتغير.
  2. الرشدية الحديثة والمنعطف التاريخي: رأى وهبة أن نكبة العقل العربي بدأت مع الغزالي في “تهافت الفلاسفة” وإحراق كتب ابن رشد. لذا، اعتبر “الرشدية” هي الجسر الضروري للنهضة، مؤكداً أن أوروبا عبرت إلى الحداثة بفضل ابن رشد، بينما بقي العرب في العصور الوسطى لأنهم أضاعوا هذا الجسر قبل 800 عام.
  3. أركان الديمقراطية الأربعة: (1. العلمانية، 2. التنوير، 3. الليبرالية وحرية الفرد، 4. العقد الاجتماعي).

نقد الواقع الراهن: “خيانة المثقفين” والمقاربة الثلاثية (3P)

بمرارة فكرية، انتقد وهبة ما أسماه “خيانة المثقفين”، مقارناً بين شجاعة شهداء الفكر الغربي (سقراط، جوردانو برونو) وبين مثقفي العرب الذين يمارسون “إمساك العصا من المنتصف”. ففي حين بُني التقدم الأوروبي على دماء الضحايا الذين لم يساوموا على الحقيقة، يعاني الواقع العربي من فقر في الشجاعة الفكرية.

وفي شهوره الأخيرة، كان وهبة مشغولاً بصياغة مشروعه الأخير “المقاربة الثلاثية” (3P)، التي تربط بين:

  • Physics (الفيزياء): كأساس لفهم طبيعة المادة والواقع العلمي.
  • Politics (السياسة): كإطار لتنظيم الاجتماع الإنساني.
  • Philosophy (الفلسفة): كأفق رؤيوي يربط بين العلم والممارسة السياسية.

كما نقد “تعليم الجرثومة” القائم على التلقين و”الحكيم على المنصة”، داعياً إلى تعليم حواري يجعل من “السؤال” أداة لتحطيم اليقينيات الزائفة. 

لقد كان مراد وهبة يؤمن بأن “الحق لا يضاد الحق”، وهي القاعدة الرشدية التي يجب أن تحكم علاقتنا بالتراث وبالآخر. إن الاحتفاء بمئويته هو في جوهره دعوة لاستعادة العقلانية المسلوبة، والاعتراف بأن الطريق نحو المستقبل يبدأ بالجرأة على التفكير، والتحرر من وصاية النصوص البشرية المقدسة زيفاً، لضمان قيام حضارة تليق بإنسان القرن الواحد والعشرين.

للاستماع لتسجيل صوتي للندوة على راديو تفكير على تليجرام اضغط هنا

لمشاهدة تسجيل فيديو للندوة على يوتيوب اضغط هنا

لمشاهدة فيديوهات د. محمد السيد في صالون تفكير اضغط هنا

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات