المسير -قصة قصيرة- بقلم: أكمل صفوت
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

الطريق طويل، يمتد أمامي بلا تعرجات ولا منحنيات، مستقيمًا، ولكني لا أرى نهايته…
الفراغ من حولي سميك، كأنه يصنع سقفًا وجدرانًا لأنبوب طويل أسير فيه إلى نقطة غامضة داكنة في خط الأفق البعيد.
الضوء كأنه الغروب، أو صباح يوم شتوي سماؤه ملبدة بالغيوم.
وقع أقدامي على الأرض الصخرية يصنع صوتًا نحاسيًا صدئًا.
أشعر أن البحر قريب، فبالجو رطوبة وبرودة، وأسمع عن بُعد صوتًا منتظمًا واثقًا ومخيفًا، كأنه هدير أمواج أو صفير ريح تعلن عن عاصفة عاتية موشكة.
يملؤني إحساس أن شيئًا ما سوف يحدث، وأن عليَّ، وأنا في انتظاره، أن أواصل المسير…
بعض قصاصات الأوراق وبقايا الصحف القديمة تتقاذفها الريح، فترتفع عن الأرض قليلًا، ثم تهبط، فتبدو كبعض صغار الطير تحاول أن تتعلم الطيران. أحيانًا يستخفها المرح، فتنتظم في دوائر، ثم ينفرط عقدها في ثوانٍ.
احتضنت ساقي إحدى تلك الأوراق، فأحدثت صوتًا كقرقعة السلاح، ثم تركتني وطارت، ثم دفعتني الريح في ظهري دفعة خفيفة، وظللت أواصل المسير.
يتسلل إلى أذني صوت جديد، فأرهف السمع وأنتبه. إيقاع خطواتي الرتيب يقابله إيقاع آخر لخطوات بعيدة. شخص آخر من خلفي يستحث الخطى ليلحق بي! هل يريد حقًّا أن يلحق بي؟
تتسارع ضربات قلبي بينما أبطئ من خطوي، لعله يصل إليَّ. لا أنظر خلفي، ولكن الخطوات تقترب، ويزداد الصوت وضوحًا.
أرى على البعد خيالات لأشخاص يقطعون الطريق ويختفون في دروب لا أراها، وأحيانًا يقبل نحوي شبح من بعيد، ثم ينحرف قبل أن أصل إليه ويختفي.
كلهم فرادى…
الآن… أصبح بجانبي. تيقنت من وجوده، وأنه معي. شاركت خطواته خطواتي، وانتظمت، وارتفع صوت أقدامنا يدق الأرض في ثقة، ونمضي سويًّا….
كان السؤال الذي يحيرني هو: إلى متى سيشاركني رفيقي المسير؟ وهل سيمضي معي حقًّا إلى نهاية الطريق؟
أما قصاصات الأوراق المتناثرة على الطريق، فكانت ما تزال تتعلم الطيران.
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



اترك رد