ترميم الوطن أم ترميم المواطن؟

marwa-hagras ترميم الوطن أم ترميم المواطن؟

إعادة الإعمار

بعد يوم عمل طويل، ذلك الذي يجعلك تتساءل إن كان الراتب يُدفع مقابل العمل أم مقابل استهلاك ما تبقى من جهازك العصبي، جلست صامتة لا أحمل سوى رغبة متواضعة جدًا: أن أنام. لم أطلب السلام العالمي، ولا انخفاض الأسعار، ولا أن تتفق دولتان في الشرق الأوسط على تعريف واحد لكلمة «استقرار». 

كالعادة لم أستطع النوم..

كانت رأسي في تلك الليلة أشبه بولاية أمريكية تتعرض لإعصار من الدرجة الخامسة. أفكار تتطاير في كل اتجاه، وأخرى ترتطم ببعضها، لا أستطيع الإمساك بأي منها أو ترتيبها بما يكفي لأفهم ما الذي يدور هناك.

حاولت أن أفرض نوعًا من السيطرة على هذا الزحام العقلي. فشلت. حاولت مرة أخرى، فبدا الأمر أكثر عبثية. عندها قررت أن أتوقف عن لعب دور شرطي المرور داخل رأسي، وأن أترك الأفكار تمر كما تشاء. فلتطفُ، ولتتصادم، ولتدُر داخل الإعصار حتى تمل مني.

جلست لأشاهد أحد برامجي المفضلة، على أمل أن ينشغل جزء من عقلي على الأقل بشيء لا علاقة له بي. اخترت أحد تلك البرامج التي انتشرت مؤخرًا، ويقدمها أحد أشهر مدوني الطعام الأمريكيين، أو كما أصبحنا نسميهم بلا مقاومة تذكر: الـFood Bloggers.

يطوف الرجل بين دول شتى حول العالم، يتنقل بين الأسواق والمطاعم والشوارع، يتذوق طعامها ويحكي حكاياتها. أطوف معه دون أن أغادر موقعي، أزور عبر الشاشة أماكن لا أظن أن الزمن، ولا رصيدي البنكي على الأرجح، سيسمحان لي بزيارتها جميعًا في الواقع.

كانت هذه الحلقة من العراق.

العراق.

ذلك البلد الذي يبدو أن التاريخ منحه كل شيء تقريبًا، ثم نسي في اللحظة الأخيرة أن يمنحه قليلًا من الحظ.

حضارات، أنهار، نفط، شعر، موسيقى، علم، مدن كانت يومًا في قلب العالم، ثم قرر الكون التعامل معه كما يتعامل طفل غاضب مع لعبة ليجو بناها أخوه.

بدأت الحلقة.

وقبل أن يبدأ الرجل في الحديث عن الطعام والأسواق والكباب والأطباق التي ستجعلني جائعة في الثانية صباحًا، أخذ يقدم نبذة عن العراق.

الحروب.. الدمار.. المعاناة.. إعادة الإعمار. المباني التي هُدمت ثم شُيدت من جديد. المؤسسات التي تحاول الدولة إعادتها إلى الحياة.

ثم، وبمنتهى البساطة، صدمني بجملة جعلتني أضغط زر الإيقاف:

I think buildings are much easier to rebuild than people

أعتقد أن إعادة إعمار المباني أيسر كثيرًا من ترميم ما تحطم في البشر.

توقفت الحلقة. أما الإعصار الموجود داخل رأسي فقد ازداد حدة. قلت لنفسي: “يلا يا ستي، أصل المشرحة ناقصة قتلى”

يا إلهي، كيف استطاع رجل أتى ليأكل في العراق أن يلخص في تسع كلمات أزمة دول الشرق الأوسط؟

المشكلة ليست فقط في المباني التي تسقط، بل في البشر الذين استطاعوا النجاة ليقضوا ما تبقى من أعمارهم بين الأنقاض.

ماذا تفعل بإنسان قضى سنوات يسمع الانفجارات؟ ما هي كمية الخرسانة المطلوبة لإعادة بناء شعوره بالأمان وترميم ذاكرته؟

كيف استطاع الرجل بتلك الجملة العابرة أن يختصر واحدًا من أكثر الأسئلة تعقيدًا في منطقتنا؟ لماذا تخرج دول الشرق الأوسط من الحروب والأزمات وكأنها خرجت منها ظاهريا فقط، بينما يظل شيء ما في داخلها عالقًا هناك؟ ربما لأن المسألة في النهاية ليست مسألة مبانٍ مهدمة بقدر ما هي مسألة بشر. بشر عاشوا الخوف والفقد والانقسام، ثم طُلب منهم ببساطة أن يعودوا إلى حياتهم وكأن شيئًا لم يكن.

قدرة البشر على التعافي من آثار الأزمات ليست واحدة، وكذلك قدرة الشعوب على التكيف والتجاوز. تختلف من بلد إلى آخر، بحسب ما يحمله ذلك الشعب من قيم، وما اعتادوه من أنماط حياة، وما يؤمنون به، وكيف ينظرون إلى أنفسهم وإلى المستقبل.

انهالت على رأسي الأسئلة: ما هو الوطن؟

ما الذي يحول قطعة من الأرض إلى وطن حقيقي؟ هل هي الحدود؟ المباني؟ المؤسسات؟ الوزارات؟ أم أن كل ذلك مجرد هيكل خارجي؟

ربما الوطن في جوهره هو البشر أنفسهم. عاداتهم، ذاكرتهم، عقلهم الجمعي، أديانهم، أفكارهم، فلسفاتهم، نكاتهم، أغانيهم، الطريقة التي يفهمون بها العدالة، علاقتهم بالعمل، بالدولة، قدرتهم على الاختلاف دون أن يحاول كل طرف إثبات وجهة نظره باستخدام قذيفة آر بي جي.

حتى طريقتهم في الوقوف في طابور، أو عدم القدرة على الالتزام من الأساس. هم الذين يمنحون المكان شخصيته، وهم الذين يصنعون الفرق بين أرض مأهولة وبلد حي.

_ هل يجب أن تبدأ عملية إعادة الإعمار بالبشر أم المباني والمؤسسات؟

تذكرت اليابان بعد هيروشيما وناجازاكي. مدن سُويت أجزاء واسعة منها بالأرض، وبلد خرج من الحرب مهزومًا ومنهكًا، ومع ذلك لم يجلس اليابانيون فوق الركام في انتظار أن يأتي التاريخ ليعتذر لهم رسميًا. ذلك المشهد الذي يجلس فيه الأطفال على أنقاض مبني منهار وخرب على كراسي متهالكة ليتعلموا..

وهنا ظهر سؤال جديد، على ما يبدو كان رأسي قد قرر أن الأرق وحده لا يكفي ولابد من إعداد رسالة دكتوراه في علم نفس الشعوب قبل الفجر:

كيف تغرس داخل شعب كامل ثقافة ترفض الهزيمة؟

كيف تجعل الكارثة شيئًا حدث لك، لا شيئًا تتحول إليه؟

كيف تمنع الحرب من أن تصبح شماعة وطنية عملاقة تُعلَّق عليها كل إخفاقات الخمسين عامًا التالية؟

فالخراب، مهما كان حقيقيًا وفادحًا، يمكن أن يتحول مع الوقت إلى مهنة. يصبح هناك دائمًا تفسير جاهز لعدم التقدم: الحرب. الاستعمار. التدخل الخارجي. المؤامرة. الحكومة السابقة. الحكومة الحالية. الحكومة المقبلة احتياطيًا. وإذا نفدت الأسباب، يمكن غالبًا العثور على دولة أجنبية مناسبة لتحميلها الباقي.

ثم قفزت فيتنام إلى رأسي، في البدء كانت مقاومة الـفيت مينه للفرنسيين، ثم لاحقًا الـفيت كونغ في الحرب ضد الولايات المتحدة وحكومة جنوب فيتنام. فلاحون ومقاتلون محليون في مواجهة قوى تمتلك طائرات وقاذفات وميزانيات عسكرية تكفي، نظريًا، لإنهاء النقاش قبل أن يبدأ.

لكن التاريخ، كعادته، لا يحترم جداول الإكسل.

امتلك الأمريكيون تفوقًا عسكريًا ساحقًا، وحققوا نجاحات ميدانية كثيرة، ومع ذلك انتهت الحرب بطريقة جعلت أحد أكثر الأسئلة العسكرية شهرة ممكنًا:

كيف يمكنك أن تربح معظم المعارك، ثم تكتشف في النهاية أنك خسرت الحرب؟

وهنا بدا أن اليابان وفيتنام تقدمان لي إجابة أولية عن السؤال الذي بدأ يلتهم الحلقة وبرنامج الطعام والساعة المتأخرة وكل ما تبقى من قدرتي على النوم:

هل يمكن حقًا إعادة بناء بلد بعدما تعرض نسيجه الاجتماعي والنفسي لدمار عميق؟

يبدو أن الإجابة: نعم. لكن بشرط غير مريح إطلاقًا. وجود بشر مستعدون للبناء.

بشر قادرون على العمل بما هو متاح بدلًا من انتظار الظروف المثالية التي، بالمناسبة، لا تأتي عادة إلا بعد أن تكون قد انتهيت من العمل أصلًا.

بشر لا ينتظرون قوة خارقة تهبط من السماء، ولا «مسيحًا سياسيًا» يظهر فجأة في هيئة زعيم وطني يعرف كل شيء، ويحل كل شيء، ويوقظ الجميع صباحًا للعمل ثم يمر مساءً ليتأكد أن الوطن يسير وفق الخطة. فكرة المخلّص مريحة جدًا. لأنها تعفي الجميع تقريبًا من المسؤولية.

فقط علينا أن ننتظر.

 سيأتي. سيصلح الاقتصاد، والتعليم، والإدارة، والأخلاق، والمرور، وربما شبكة الصرف الصحي أيضًا إذا سمح جدول أعماله.

أما عن كون المجتمع نفسه يحتاج إلى إعادة بناء ثقافته اليومية، فهي فكرة ثقيلة، لأنها تعني أن المشكلة قد تكون موجودة أيضًا في أصغر دوائر حياتنا. في الموظف الذي يشتكي من فساد الدولة ثم يزوّر ورقة صغيرة “عشان نمشي الدنيا”، وفي المواطن الذي يريد دولة قانون لكنه يريد استثناءً عندما يصل القانون إليه. في الشخص الذي ينتظر نهضة وطنية شاملة لكنه لا يستطيع إعادة عربة التسوق إلى مكانها في السوبرماركت. ربما تبدأ الدول من أشياء سخيفة إلى هذا الحد. ربما الحضارة في النهاية ليست خطبًا عظيمة. ربما هي ملايين التصرفات الصغيرة التي يقوم بها أناس لا توجد حولهم كاميرات.

ثم ظهر السؤال التالي _ وهنا تمنيت بصدق لو أفصل رأسي عن جسدي لبضع ساعات، لأتخلص من سماجتها وقدرتها الهائلة على سحلي في أسئلة لا أدري حقا ما جدواها في هذا الوقت من الليل بعد تلك الليلة المهلكة من العمل.

تسحبني من سؤال إلى آخر، ومن اليابان إلى فيتنام إلى الشرق الأوسط، وكأنني لم أقضِ للتو يومًا كاملًا في العمل، وكأن الساعة ليست في الجزء الأخير من الليل، وكأن هناك جهة ما ستمنحني صباحًا جائزة نوبل إذا استطعت قبل النوم تفسير أسباب صعود وانهيار الأمم.

لماذا لا يمكن تحقيق ذلك فعليًا في دول الشرق الأوسط عقب الحروب والأزمات الاقتصادية العنيفة والخلافات الطائفية والحروب الأهلية؟ أين الخلل؟ أين العطل؟ أين زر إعادة التشغيل داخل تلك الأنفس والعقول التي لا تحترف سوى الندب والشكوى والانهزامية دول محاولة إصلاح حقيقة حتى داخل دوائرهم الصغيرة..

هل لأن الحرب لا تنتهي عندما تتوقف المدافع؟

هل تستمر داخل الناس؟

في الخوف.

في الشك.

في الرغبة في الانتقام.

في الطائفية.

في انعدام الثقة.

في الإيمان بأن الحياة مؤقتة، ولذلك لا داعي أصلًا لبناء شيء طويل الأجل؟

ربما.

فالإنسان الذي عاش عشرين عامًا في الفوضى لا يتحول فجأة إلى مواطن سويسري بمجرد افتتاح محطة مترو جديدة.

يمكنك تحديث الشوارع أسرع مما يمكنك تحديث العقل الجمعي. عند هذه النقطة، كنت قد فقدت أي علاقة منطقية بالحلقة التي بدأت أصلًا برجل أمريكي يبحث عن الطعام العراقي. الرجل على الشاشة ما زال متوقفًا أمام طبق ما.

في تلك اللحظة، قررت الانسحاب التكتيكي وإيقاف عقلي عن التفكير في تلك الأسئلة والهرب من الإعصار بكوب شاي بالنعناع وما تيسر من موسيقى فريقي المفضل مؤخرا.. موسيقى أنتجها البشر بعد تناول ما يكفي من المؤثرات النفسية أو ما يعرف بالسايكديليكس والتي تعمل كموجات بيتا على رأسي وتجعلها تتوقف ولو لحظات عن مزاولتي فكريا …

الغريب أنها تعمل على رأسي بصورة ممتازة.

تدخل الأصوات ببطء.

يتباطأ الإعصار.

تتباعد الأسئلة.

العراق يبتعد قليلًا.

هيروشيما تبتعد.

فيتنام تبتعد.

المباني.

البشر.

الحروب.

الحضارات.

كلها تذوب في صوت الجيتار.

وأكتشف للحظات نعمة نادرة جدًا:

ألا أفكر.

أن أكون مجرد إنسان يجلس في غرفة هادئة، يحمل كوب شاي بالنعناع، ولا يحاول إصلاح العالم.

ربما هذا كل ما أريده في النهاية.

ليس عالمًا مثاليًا.

ولا شرق أوسط جديد..

ولا إجابة نهائية عن كيفية إعادة بناء الحضارات.

فقط يوم هادئ.

بلا أعاصير.

بلا حروب.

بلا خطب.

وبلا شخص يظهر على شاشة التلفاز ليقول جملة عابرة عن المباني والبشر، ثم يتركني وحدي في الثالثة صباحًا أحاول حل مشكلة عمرها بضعة آلاف من السنين.

شارك المحتوى


اكتشاف المزيد من تفكير

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

ندوات