عبرة الألباب من حياة توسان فتح الباب (٥) بقلم: أكمل صفوت
تنشر “تفكير” سلسلة د. أكمل صفوت عن ثورة العبيد في هايتي، في تسع حلقات، تُنشر حلقة جديدة أسبوعيًا.
السلسلة مستوحاة من بودكاست The Age of Napoleon، وتقدم قراءة مبسطة لأحداث الثورة وخلفياتها ودلالاتها التاريخية.
بقلم: أكمل صفوت
طبيب استشاري علاج الأورام بمستشفى جامعة أرهوس بالدانمرك، ومن المهتمين بالفكر الديني والإسلام السياسي وهموم المصريين في المهجر.

توابع زلزال يناير
“المواطن لويس كابيت” المعروف سابقًا باسم الملك لويس السادس عشر تم إعدامه من قبل الحكومة الثورية في باريس يوم ٢١ يناير سنة ١٧٩٣. بعدها على طول بدأت الأنظمة القديمة في أوروبا في تشكيل تحالف لهزيمة الجمهورية الفرنسية الجديدة في ساحة المعركة. حرب التحالف الأول دي غيرت الوضع في هايتي تماما بين يوم وليلة.

إسبانيا، اللي هي جزء من التحالف اللي أعلن الحرب على فرنسا شافت هايتي في متناول ايديها.
بريطانيا برضه كانت في التحالف ضد فرنسا، وجامايكا البريطانية ماكانتش بعيدة وفيها أسطول بريطاني ممكن برضه يهدد هايتي. توسان أدرك أن الوضع ده خطير لكن كمان بيمثل فرصة ذهبية فراح فورا على سانت دومينغو علشان يضيف صيغة رسمية على التحالف الفعلي بين الأسبان والثوار. ورجع من هناك بصفقة مناسبة جدا للثوار تتضمن الآتي:
ينضم الثوار إلى القوات المسلحة الإسبانية كميليشيا مساعدة خاصة. وياخدوا دعم أكبر من اللي كانوا بياخدوه قبل كده من السلطات الاستعمارية في سانت دومينغو. بالشكل ده الثوار بقوا محميين بشرعية الدولة الإسبانية قانونيًا. قبل كده هم كانوا خارجين على القانون، دلوقتي أصبحوا جنود الملك كارلوس الرابع.
الأهم من كل ده إن الأحرار بس هم اللي ممكن يخدموا كجنود، وعلشان كده أصدر الإسبان مرسوم بتحرير كل المنتسبين لجيش الثوار من العبودية، كلهم مش بس القيادة.
الاتفاق ده كان ضربة معلم سياسية، الثوار منعوا احتمال أن إسبانيا تطمع في غزو هايتي من الشرق، وحصلوا على دعم مادي ولوجستي كانوا في أمس الحاجة إليه، والإسبان حصلوا على جيش حرب عصابات جاهز كان بيحارب بالفعل في الميدان ضد القوات الفرنسية، ومحتاج دعم بفلوس أقل بكثير من القوات النظامية التقليدية.
إذا كان الاتفاق ده شهادة لبراعة توسان كمفاوض سياسي ورؤيته الاستراتيجية الثاقبة، فالمرحلة الجاية حتورينا أنه كان كمان قائد عسكري متميز ومن طراز فريد.
سيف “فتح الباب” المسلول
توسان أخذ قوة ضاربة من حوالي 4000 رجل وشن هجوم على مواقع المستعمرين البيض في حملة عسكرية رائعة ومدهشة وفريدة من نوعها لأنها حملة مليانة بالانتصارات من غير ولا معركة كبيرة. رغم أن جيشه كان كبير نسبيا إلا أنه كان بيعرف يتحرك به وكأنه مجموعة صغيرة في حرب عصابات. أسلوبه المفضل كان التسلل بجيشه وسط قوات خصمه من غير مايحس به والتقدم للمدن البعيدة المعزولة وبعدين دخولها عن طريق التفاوض والترهيب والحيلة. بعد أقل من سنة استولى توسان على أول مدينة ساحلية على الساحل الغربي لهايتي. وبكده قطع الثوار الطرق البرية بين الشمال والجنوب تمامًا، ومن غير أي اشتباك كبير.

في الوقت ده بدأ توسان يستخدم اللقب اللى حيتشهر به طول عمره وهو l’ouverture بمعنى “الفتحة” أو “الطاقة” أو “الخرم”. الأسطورة بتقول ان اللي صاغ الاسم ده في الواقع هو ضابط فرنسي قال بعد هزيمته من توسان: “الراجل ده يقدر يخلق فتحة في أي مكان” ..
في ثقافة الفودو الهايتية الاسم ده ممكن يبقى بيشير للبوابة اللي بتفصل بين عالمين، المادي والروحي مثلا أو -في حالة ثورة هايتي- العبودي والحر. فأنا قررت أترجم الاسم ل “فتح الباب”. توسان فتح الباب.
بغض النظر عن حقيقية قصة الضابط الفرنسي فأنا رأيي إن توسان كان فعلا يقدر يخلق فتحة يخترق منها مش بس أي دفاع عسكري لكن كمان أي جمود سياسي. يعني مثلا توسان كان واعي تماما إن الإسبان مالهمش مصلحة في تحرير هايتي إلا من خلال السيطرة عليها، وأنهم كانوا على استعداد لمنح التحرير للجنود. لكن في نفس الوقت، ماعندهمش نية يعملوا أي برنامج أوسع لرفع مستوى السكان السود في الجزيرة ولا لتحريرهم. الإسبان ببساطة عايزين يرفعوا علمهم مكان العلم الفرنسي وعايزين أرباح اقتصاد السكر في المستعمرات بالضبط زي الفرنسيين.
بالنسبة لتوسان التحالف مع إسبانيا كان مجرد وسيلة لتحقيق غاية أكبر بكثير. علشان كده فضل توسان منخرط في محادثات مع الفرنسيين حتى بعد رفضهم لشروط السلام السخية في السنة اللي قبلها، وحتى بعد ماقبل يبقى جنرال في ميليشيا أحد أعداء فرنسا. توسان فضل يتفاوض مع الفرنسيين علشان تحرير جميع العبيد وإقامة دولة مافيهاش تمييز ولا استثناءات.
الفرنسيين ماكنش عندهم إستعداد يوصلوا للحد ده. بس كانوا بيسمعوا له بجدية، لأنه ببراعته السياسية والعسكرية أجبرهم على كده.
مش بس كده، الراجل ده من جبروته كان بدأ يتواصل مع مجتمع السمر فى هايتى، رغم ان ماكانش فيه اى ود بين السمر والسود ولا كان يبدو إن فيه أرضية للتعاون، لكنه رسالته إليهم كانت؛ انهم كأقلية سمراء عمرهم ماحيقدروا ياخدوا حقوقهم المدنية والسياسية كاملة طول مانظام العبودية قائم وأن الحرية إما كل شيء أو لا شيء، وأن التحيز حايفضل موجود ضدهم طول ما مفهوم التسلسل الهرمي العنصري موجود.
أظن اللي شرحته ده بيوضح مين هو توسان فتح الباب. على عكس باقي قادة الثورة، وعلى عكس باقي قادة عصره (في رأيي)، توسان كان بيحارب مش بس علشان عشيرته ومجتمعه الخاص ولكن علشان مبادئ عالمية زي الحرية والمساواة وعلشان هايتي جديدة. وهو ده السبب انه على الرغم من كل شيء كان لسه بيتباحث مع الفرنسيين، الموقف ده ماكانش مجرد براغماتية سياسية، لكن لأنه كان شايف أن فيه قواسم ايديولوجية مشتركة مع فرنسا الثورية أكثر من النظام الملكي الإسباني المحافظ. هدف توسان النهائي كان إلغاء العبودية وكان رهانه أن جمهورية راديكالية مستوحاة من أفكار عصر التنوير أسهل عليها تقبل الأجندة دي من ملكية كاثوليكية رجعية.
لكن طبعا مش كل قادة الثورة كانوا بيفكروا بالشكل ده. توسان كان ترتيبه الثالث في قيادة الثورة بعد جان فرانسوا بابيون (الرجل الأول) وجورج بياسو (الرجل الثانى). والاثنين دول كانوا معتبرين الاتفاق مع إسبانيا هو غاية المراد من رب العباد ولما ننتصر على الفرنسيين عسكريا تبقى الثورة نجحت.
الخلافات بينهم كانت أحيانا حادة لدرجة ان بابيون مرة قبض على توسان وسجنه لحد ما بياسو اتوسط للإفراج عنه وتقريبا قال لبابيون “أتغمد سيفا سله الله” أو “ماتشمتش فينا الأعادي” أو حاجة زي كده.
بطل رغم أنفه
أثناء ما المعارك دايرة وقوات الثوار بتتقدم من الشمال الشرقي للجنوب والغرب، الإنجليز انتهزوا الفرصة ونزلوا قوات على الساحل الغربي لهايتي. المستعمرين البيض والسمر اللي كانوا من سنة رافعين أعلام الثورة الفرنسية وبيغنوا “فرنسا هي أمي”، كانوا حاسين ان الفرنسيين بينهزموا، وخايفين يصحوا من النوم يلاقوا قوات الثوار داخلة عليهم البيوت، فرحبوا بالقوات الإنجليزية واستقبلوها استقبال الفاتحين.
حاكم هايتي الفعلي وممثل حكومة فرنسا الثورية في الجزيرة كان اسمه سانتاناكس. سانتاناكس كان محامي مغمور متوسط المستوى ومفيش في تاريخه أي شيء مبهر، غير أنه كان مثالي حبتين ومؤمن بأفكار الثورة الفرنسية وبينتمي للجناح اليساري الراديكالي فيها. علاقة سانتاناكس بالمستعمرين البيض والسمر ماكانتش كويسه لأنه أدرك أول ما وصل أنهم في الحقيقة مارفعوش شعارات الثورة الفرنسية في البداية، إلا لأهداف شخصية. كممثل لحكومة فرنسا فهو كمان غالبا أدرك أن التقدم البطيء للثوار من الشمال والشرق ونزول الإنجليز في الغرب وانضمام كتير من البيض والسمر مع ميليشياتهم للإنجليز معناه أن فرنسا فعليا -ومهما طال الوقت- حتخسر الحرب. بس كمان الراجل ده كان غالبا الوحيد اللي أدرك أن مهما كانت نتيجة الحرب اللي دايرة فثورة العبيد غيرت كل شيء في الجزيرة دي للأبد، وإن لو سيطرة فرنسا على الجزيرة حتستمر فلازم ده يبقى عن طريق أن فرنسا تعترف بده وتتصرف على أساسه.
وعليه، فالراجل المجهول ده، العادي جدا ده، فجأة وبدون مقدمات، أصدر مرسوم حايدخل به التاريخ.
عمل إيه؟
ده اللي حانعرفه الحلقة الجاية …
يتبع…
المصدر الرئيسي ومزيد من المعلومات موجودة فى بودكاست “عصر نابوليون” “The age of Napoleon”
شارك المحتوى
اكتشاف المزيد من تفكير
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد